حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

«بورصة» التزكيات الانتخابية

على بعد أشهر قليلة، من موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، افتتحت الأحزاب السياسية «بورصة» التزكيات للترشح للاستحقاقات التشريعية، التي سيتم إجراؤها يوم 23 شتنبر المقبل، وبدأت التحركات داخل الأحزاب الكبرى لاستقطاب «أصحاب الشكارة» وأعيان الانتخابات في مختلف الجهات.

وتعرف مقرات الأحزاب حروبا وصراعات، من أجل نزع تزكية حزبية تشكل بالنسبة إلى البعض مفتاح الترقي الاجتماعي والحصول على «صفة» برلماني، وهي الصفة التي «يناضل» من أجلها أعيان الانتخابات، لأنها تفتح في وجوههم كل الأبواب وتجعلهم يكسبون «الجاه» ومكانة متميزة داخل المجتمع، خاصة عندما تختلط السياسة بالمال والأعمال، وتختلط المصالح العامة مع المصالح الشخصية.

لم يعد توزيع التزكيات الانتخابية داخل الأحزاب السياسية مجرد إجراء تنظيمي عادي يسبق الاستحقاقات، بل تحول إلى لحظة كاشفة تختبر فيها مصداقية الخطاب الحزبي، وحدود التزامه بالديمقراطية الداخلية، وقدرته على تجديد النخب، لأنها تشكل لحظة الفرز الحقيقي بين من يؤمن بالسياسة كأداة لخدمة الصالح العام، ومن يراها مجرد وسيلة للتموقع واقتناص الفرص.

وفي الوقت الذي يفترض أن تقوم التزكيات على معايير الكفاءة والنزاهة والقرب من هموم المواطنين، تكشف العديد من التجارب عن اختلالات عميقة، حيث تطغى الحسابات الضيقة، وتُحسم الاختيارات أحيانا بمنطق الولاءات الشخصية، أو النفوذ المالي، أو التوازنات الداخلية الهشة، وهنا تكمن الخطورة، لأنه التزكية تتحول إلى مكافأة بدل أن تكون مسؤولية، وإلى صفقة بدل أن تكون تفويضا شعبيا مؤطرا بقيم الديمقراطية.

إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمن سيحصل على التزكية، بل بكيفية منحها، وبالرسائل التي تبعثها الأحزاب إلى المجتمع. فإما أن تكون هذه العملية مدخلا لاستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والعمل السياسي، عبر تقديم كفاءات نزيهة وقادرة على الترافع الجاد عن قضايا الوطن والمواطنين، وإما أن تتحول إلى عامل إضافي يساهم في تعميق أزمة العزوف الانتخابي، وترسيخ صورة سلبية عن العمل الحزبي.

لذلك، فإن التزكية الحزبية ليست مجرد ورقة عبور إلى الانتخابات، بل هي شهادة سياسية وأخلاقية تمنح باسم حزب يفترض أنه يحمل مشروعا مجتمعيا. لكن الواقع يكشف أن الأحزاب السياسية ابتعدت عن مهامها الدستورية في تأطير المواطنين واستقطاب الشباب لإدماجهم في العمل السياسي. وتحولت معظم الأحزاب إلى «بوتيكات» انتخابية تفتح أبوابها في كل مناسبة انتخابية، لتوزيع التزكيات، التي أصبحت تدر على البعض أموالا طائلة، كما تتحول في باقي السنوات الفاصلة بين المناسبات الانتخابية إلى ما يشبه شركات للترقي الطبقي للمستفيدين من «الريع الحزبي».

كما أن أغلب الصراعات الدائرة داخل الأحزاب أصبحت بدورها فارغة، لأن محورها يكون دائما المصالح الضيقة، وليس بسبب الاختلاف في التوجهات السياسية أو الإيديولوجية، لذلك فإن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم بتغيير حقيقي داخلها، قبل أن تصبح «هياكل بدون روح» معزولة داخل المجتمع.

إن اللحظة تفرض على الأحزاب أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن تجعل من التزكيات عنوانا للشفافية والاستحقاق، لا بوابة للريع السياسي. لأن معركة الثقة تبدأ من هنا، من داخل الأحزاب، قبل أن تُحسم في صناديق الاقتراع.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى