
مع اقتراب انطلاق حملة الانتخابات البرلمانية، يعود ملف تخليق الحياة السياسية إلى واجهة النقاش العمومي، في سياق يتسم بتزايد المطالب بضرورة القطع مع ممارسات الماضي، وتنزيل التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى ترسيخ الشفافية والنزاهة واحترام الإرادة الشعبية، حيث التحدي اليوم لا يرتبط فقط بتنظيم انتخابات في آجالها الدستورية، بل بضمان شروط الثقة في العملية السياسية، من خلال صون حرية اختيار الناخبين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس الجدية في الالتزام بالوعود الانتخابية.
لقد شكلت خطب الملك محمد السادس على امتداد السنوات الماضية مرجعا واضحا في الدعوة إلى تخليق الحياة العامة، ومحاربة الفساد، وتعزيز دولة المؤسسات، غير أنه لا بد من الإشارة إلى أن تفعيل هذه التوجيهات يظل رهينا بإرادة الفاعلين السياسيين أنفسهم، وفي مقدمتهم الأحزاب، التي تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي إما الانتصار لقيم النزاهة والكفاءة، أو الارتهان مجددا لمنطق الأرقام الانتخابية والحسابات الضيقة.
إن الكرة الآن في مرمى القيادات الحزبية لإبعاد الوجوه التي ارتبطت أسماؤها بقضايا الفساد في التسيير، وتبديد المال العام، وتبييض الأموال، وجرائم التشهير والابتزاز والمخدرات. فالتذرع باحترافية «الآلة الانتخابية»، أو «الوزن الانتخابي» لا يمكن أن يبرر إعادة تدوير نفس الأسماء التي أضرت بصورة المؤسسات المنتخبة بشكل كبير.
والأخطر من هذا كله، هو محاولات التطبيع مع عودة بعض المدانين إلى مزاولة مهامهم داخل الجماعات الترابية، وحضور الدورات الرسمية، والمشاركة في التصويت والمصادقة على المقررات، بل ورئاسة اللقاءات، ما يصعب معه إقناع الشباب بجدوى المشاركة السياسية، في ظل مشاهد تتنافى مع الحد الأدنى من الاحترام الواجب للمؤسسات، وصعوبة الحديث عن إصلاح سياسي حقيقي أمام محاولات عودة وجوه مشبوهة إلى قبة البرلمان، وما يتبع ذلك من تداعيات على جودة التشريع وصورة العمل البرلماني.
إن العمل السياسي في جوهره أخلاق قبل أن يكون منافسة على المقاعد، وخدمة الشأن العام شرف ومسؤولية، وليست وسيلة لتحقيق الامتيازات، أو توسيع شبكات النفوذ، ومن يحاول ربط السياسة فقط بالوعود الانتخابية الوهمية، أو استغلال سلطة التوقيع لخدمة أجندات ضيقة، يساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
إن استمرار بعض القيادات في التشبث بأشخاص بعينهم بدعوى قدرتهم على حصد الأصوات، يوجه رسالة سلبية إلى فئة الشباب، التي تراقب المشهد السياسي بقلق متزايد، مع توسيع الإحساس بانسداد الأفق، وغياب القدوة، وتكرار نفس الأسماء، رغم الفضائح، وهي كلها عوامل تهدد نسبة المشاركة السياسية، وتفاقم من أزمة التشبيب داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
إن أشعة شمس الإصلاح التي أشرقت لا يمكن أن يحجبها غربال لوبيات الفساد، مهما حاولت الاختباء في التفاصيل، أو استغلال ثغرات القانون، فالمستقبل السياسي للبلاد رهين بقدرتها على تجديد نخبها، واستعادة ثقة الناخبين، وترسيخ قناعة جماعية بأن السياسة ليست مجالا للعبث، بل فضاء لخدمة الصالح العام والتنافس في ذلك في إطار من النزاهة والمسؤولية، فهل وصلت الرسالة التي تكررت مرات متعددة، أم على القلوب أقفال المصالح الخاصة؟





