
اندلعت مواجهة عسكرية مفتوحة في الشرق الأوسط، بعدما شنت إسرائيل، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، هجوماً واسعاً وصفته بـ«الاستباقي» على إيران، مستهدفة منظومات دفاعية ومقاراً عسكرية وشخصيات قيادية بارزة، في تصعيد غير مسبوق أنهى عملياً مرحلة حرب الظل بين الطرفين. وردّت طهران بموجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة طالت العمق الإسرائيلي وقواعد ومصالح أمريكية في المنطقة، فيما امتدت شظايا المواجهة إلى عدد من دول الخليج، ووضعت الملاحة في مضيق هرمز وحركة الطيران الدولي تحت ضغط غير مسبوق. ومع إعلان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، تدخل الأزمة طوراً جديداً يعيد رسم موازين القوى الإقليمية ويفتح الباب أمام مرحلة شديدة الغموض في واحدة من أخطر لحظات المنطقة منذ عقود.
إعداد: سهيلة التاور
شنت إسرائيل، صباح أول أمس السبت، ما وصفته بـ«الهجوم الاستباقي على إيران» بالتنسيق مع الولايات المتحدة، تبعه إعلان واشنطن عن إطلاق «عملية كبرى» ضد إيران، فيما تضمن رد طهران وصول الصواريخ الإيرانية إلى الأراضي المحتلة، مع استهداف عدة قواعد أمريكية في دول عربية، لتندلع أخيرًا حرب مُنتظرة منذ أسابيع. واستهدف القصف أماكن متفرقة في العاصمة طهران، وامتد إلى مدن أخرى.
وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بدء هجوم استباقي على إيران، «لإزالة تهديدات موجهة ضد إسرائيل»، معلنًا فرض حالة طوارئ في جميع أنحاء إسرائيل، في ظل توقع استهدافها بصواريخ ومسيرات في مدى زمني قريب، تزامنًا مع دوي صافرات إنذار في القدس ومدن محتلة أخرى، قال جيش الاحتلال إنه إنذار استباقي لإنذار السكان.
وبينما تحذر تل أبيب سكانها، كان التليفزيون الإيراني يعلن عن ثلاثة انفجارات في مناطق مختلفة من العاصمة طهران، ووصول صواريخ لمنطقة باستور المحصنة، التي تضم مقرات سيادية منها المقر الرئيسي للمرشد العام، علي خامنئي، ومقر الرئاسة.
وعقب الهجمات مباشرة، أعلنت إيران إغلاق مجالها الجوي، وهي الخطوة التي كانت إسرائيل سبقتها إليها، في حين توالت أنباء ضعف وانقطاع الاتصالات في أماكن مختلفة من طهران، ثم استهدافها بموجة ثانية من الصواريخ.
وفي المقابل، ردت إيران بموجات من الصواريخ الباليستية على إسرائيل. وتتواتر أنباء عن انفجارات في مدن الخليج، منها أبو ظبي ودبي في الإمارات، والمنامة في البحرين، مع إعلانات أردنية وقطرية عن إسقاط الدفاعات الجوية صواريخ إيرانية تستهدف القواعد الجوية الأمريكية في المنطقة.
وزعم ترامب أن العمليات القتالية واسعة النطاق التي بدأتها أمريكا هدفها الدفاع عن الشعب الأمريكي، بالقضاء على التهديدات الخطيرة التي يشكلها النظام الإيراني، الذي وصفه بجماعة شريرة من أفراد متوحشين وقساة، دأبوا على نشر ثقافة الموت لأمريكا على مدار 47 عامًا، معددًا عمليات خلال تلك السنوات استهدفت فيها مصالح أمريكية بمشاركة أو دعم إيراني، متضمنة المشاركة في هجمات 7 أكتوبر الوحشية على إسرائيل.
وتوعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران باستخدام «قوة غير مسبوقة»، في حال أقدمت على الرد على الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة.
وجاءت تصريحات ترامب، في منشور عبر منصة «تروث سوشال»، بعدما أعلنت إيران نيتها «توجيه ضربة قوية جداً اليوم، أقوى مما تعرضت له في أي وقت مضى».
الغارات الإسرائيلية
أعلن الجيش الإسرائيلي أن 200 طائرة شاركت في غارات على أنظمة الدفاع الصاروخي والجوي الإيرانية، وصفها بأنها أكبر هجوم في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي.
واستهدفت الغارات، وفق الجيش الإسرائيلي، مهاجمة 500 هدف في إيران شملت دفاعات جوية ومنصات إطلاق صواريخ ومقرا يضم عددا من القادة الإيرانيين.
وأكد الناطق باسم الجيش الإسرائيلي اغتيال عدد من القادة الإيرانيين في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران أول أمس السبت، من بينهم قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وعلي شمخاني، مستشار شؤون الأمن لدى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وقال إنه تم استهداف مقر يضم عددا من القادة الإيرانيين.
وأعلنت قيادة الجبهة الداخلية للجيش الإسرائيلي، أمس الأحد، استدعاء نحو 20,000 من جنود الاحتياط، في خطوة تأتي في إطار الاستعدادات الأمنية المتزايدة بعد تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط.
ومن جانبها، قالت القيادة المركزية الأمريكية إن الأهداف التي قصفها الجيش الأمريكي في إيران تضمنت مواقع التحكم والسيطرة للحرس الثوري والدفاعات الجوية الإيرانية. وأضافت القيادة المركزية أن القوات الأمريكية استخدمت في عملياتها في إيران ذخائر دقيقة أطلقت من الأرض والبحر والجو، مشيرة إلى أن الهجمات الأمريكية استهدفت مواقع إيرانية تم قصفها للمرة الأولى.
وتوعد ترامب ووزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بتدمير البحرية الإيرانية.
وأوردت قناة «فوكس نيوز» عن مصدر أن الجيش الأمريكي استخدم ضد أهداف إيرانية مسيرات ملغومة لأول مرة في تاريخ عملياته القتالية.
وعلى صعيد الخسائر البشرية في إيران، قال الهلال الأحمر الإيراني إن نحو 200 شخص قُتلوا وأصيب 747 آخرون بجروح في 24 محافظة إيرانية جراء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، غير أن هذه الأرقام تبقى غير نهائية، إذ أعلن حاكم مدينة ميناب الواقعة جنوبي إيران مساء أول أمس أن عدد قتلى القصف الأمريكي الإسرائيلي على مدرسة في المدينة ارتفع إلى 148.
وطال القصف الأمريكي الإسرائيلي 3 مدارس في إيران (بما فيها المدرسة في مدينة ميناب) وفق ما أعلنته وزارة التربية الإيرانية، مخلفا عددا من القتلى والجرحى.
اغتيال خامنئي
نقلت قناة «سي بي إس نيوز» عن مصادر استخباراتية وعسكرية تأكيدها مقتل نحو 40 مسؤولا إيرانيا في الغارات الأمريكية والإسرائيلية.
وتصاعدت الهجمات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى أن أعلن الرئيس ترامب أن المرشد الأعلى خامنئي قتل في الغارات، وأضاف أن «هناك بعض المرشحين الجيدين لقيادة إيران بعد اغتيال خامنئي».
وبعد إعلان الرئيس الأمريكي بنحو 4 ساعات، اعترفت إيران رسميا بمقتل خامنئي وأعلنت الحداد العام في البلاد لمدة 40 يوما وتوعدت بالانتقام لاغتياله، وكشفت عن قيادة ثلاثية ستقود إيران بعد رحيل المرشد.
هرمز تحت التهديد
قال الحرس الثوري الإيراني إنه من غير المسموح لأي سفن بعبور مضيق هرمز الذي يربط بين مياه الخليج وبحر عمان، وذلك بعد ساعات من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على الأراضي الإيرانية. وذكرت وكالة مهر الإيرانية أن السفن تتوقف عن عبور المضيق.
ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، عن شركة استشارية لمراقبة الشحن البحري، أن عدة سفن عادت أدراجها من مضيق هرمز، غير أن الصحيفة نفسها نقلت عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية قولها إن المضيق لا يزال مفتوحا وإنها تنصح بعبوره بحذر.
الغارات الإيرانية
قال المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري الإيراني، إبراهيم ذو الفقاري، في كلمة متلفزة، إن القوات الإيرانية استهدفت مراكز حيوية وأمنية وعسكرية مهمة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في إشارة إلى إسرائيل.
وأوضح الحرس الثوري أنه استهدف في موجات من الهجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة كلا من قاعدة رامات ديفيد الجوية ووزارة الدفاع الإسرائيلية في منطقة هكريات، فضلا عن مجمعي بيت شمس وأشدود للصناعات العسكرية الإسرائيلية.
وقالت طهران إنها قصفت القاعدة البحرية للجيش الإسرائيلي وحوض بناء السفن الحربية في مدينة حيفا.
ووثّقت وسائل إعلام إسرائيلية، خلال ساعات أول أمس، دمارا واسعا في عدد من المدن الإسرائيلية، جراء الهجمات الصاروخية الإيرانية، وأظهرت مقاطع فيديو وصور تضرر عشرات المنازل والمباني جراء انفجار صاروخ إيراني في مدينة بات يام.
وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن امرأة إسرائيلية قُتلت في إحدى الهجمات الإيرانية على تل أبيب، في حين ذكر الإسعاف الإسرائيلي أن عدد المصابين في اليوم الأول من عملية «زئير الأسد» (اسم الهجوم الإسرائيلي على إيران) بلغ 121 مصابا.
القواعد الأمريكية في مرمى الاستهداف
قال الحرس الثوري الإيراني إنه شن سلسلة هجمات استهدفت قواعد ومراكز عسكرية أمريكية في منطقة الشرق الأوسط، ويتعلق الأمر بمصالح أمريكية عسكرية في كل من السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت والعراق.
وصرح المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري بأن عمليات القوات الإيرانية استهدفت 14 قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية في المنطقة، وأن هذه العمليات أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من الجنود الأمريكيين.
غير أن المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية نفى ما وصفها بـ«مزاعم إيران بقتل وإصابة 200 جندي».
وقالت القيادة المركزية الأمريكية إنه لم ترد أنباء عن وقوع إصابات في صفوف القوات الأمريكية، ولم تصب أي من السفن الحربية الأمريكية، وأضافت القيادة أن الأضرار التي لحقت بالمنشآت الأمريكية جراء الاستهدافات الإيرانية كانت طفيفة.
الخليج في قلب العاصفة
شهدت دول خليجية عدة سلسلة من الهجمات بصواريخ باليستية ومسيَّرات أطلقتها إيران، استهدفت مواقع ومنشآت في الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر، عقب الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران.
وأعلن إعلام رسمي إيراني -وفق ما نقلته وكالة رويترز- أن الحرس الثوري قصف قاعدة الأمير سلطان الجوية السعودية بالصواريخ.
وقال المكتب الإعلامي لحكومة دبي إن 4 أشخاص أصيبوا جراء وقوع حادث في مطار دبي الدولي نتيجة استهداف صاروخي، وقالت مطارات أبو ظبي إن حادثا وقع في مطار زايد الدولي، وأسفر عن وفاة شخص من جنسية آسيوية وإصابة 7 آخرين.
وفي الكويت، أعلن الطيران المدني أن طائرة مسيَّرة استهدفت مطار الكويت الدولي مساء السبت، ما أسفر عن إصابات طفيفة لعدد من العاملين وأضرار مادية محدودة في مبنى الركاب.
وقالت وزارة الدفاع الكويتية إنه تم استهداف قاعدة محمد الأحمد البحرية بمسيرة، وأعلنت وزارة الصحة أن 12 شخصا أصيبوا، من بينهم 3 من القوات المسلحة الكويتية نتيجة سقوط شظايا في قاعدة علي السالم الجوية.
وأعلنت وزارة الداخلية البحرينية أن مطار البحرين الدولي استُهدف بطائرة مسيرة، مشيرة إلى وقوع أضرار مادية دون خسائر في الأرواح، كما أصابت صواريخ ومسيرات إيرانية مباني سكنية في العاصمة البحرينية المنامة.
وفي قطر، قالت وزارة الداخلية إن 16 شخصا أصيبوا جراء سقوط شظايا الصواريخ الإيرانية، أحدهم إصابته بليغة.
واعترضت الدفاعات الجوية لكل من قطر والبحرين والإمارات والكويت المئات من الصواريخ والمسيرات الإيرانية على مدار يوم السبت.
وبعد ساعات من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أعلنت كل من الكويت والإمارات والبحرين وقطر إغلاقا مؤقتا لمجالها الجوي ما زال ساري المفعول.
شلل جوي واسع
استمر اضطراب حركة الطيران العالمية بشكل كبير خلال أمس الأحد، حيث أدت الغارات الجوية المتواصلة إلى إغلاق مطارات رئيسية في الشرق الأوسط، منها مطار دبي، أكثر المطارات الدولية ازدحاماً في العالم.
وتعد الأزمة الحالية واحدة من أشد الأزمات التي شهدها قطاع الطيران في السنوات الأخيرة؛ مع إغلاق مطارات عبور رئيسية، من بينها مطارا دبي وأبوظبي في الإمارات العربية المتحدة، ومطار الدوحة في قطر.
وفي مطارت أخرى، فُرِضت قيود مشددة، مع استمرار إغلاق جزء كبير من المجال الجوي للمنطقة، في ظل حالة عدم اليقين التي تعيشها دول الخليج، خصوصا بعد أن أسفرت غارات أمريكية وإسرائيلية عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يوم السبت.
وأعلن الأردن استمرار تعليق الرحلات إلى سوريا والعراق والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وقطر، بسبب إغلاق تلك الدول لأجوائها.
وتعرض مطار دبي الدولي لأضرار خلال الهجمات الإيرانية كما استُهدفت مطارات في أبوظبي والكويت، وتأثرت آلاف الرحلات الجوية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وفقاً لبيانات منصّة تتبع الرحلات الجوية «فلايت أوير».





