
في مشهد دولي يتسم بالتقلب والاصطفاف، عادت نيران التوتر لتشتعل بين واشنطن وموسكو، مهددة بتصعيد جديد في المواجهة الجيوسياسية بين القوتين النوويتين. فما بدأ برسائل دبلوماسية مغلفة بنبرة هادئة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، سرعان ما انقلب إلى تصعيد علني وتلويح بالعقوبات والردع العسكري كما حدث في حقبة الحرب الباردة. وبين تصريحات غاضبة من البيت الأبيض وردود روسية لا تخلو من السخرية والتهديد، يقف العالم متأملاً مآلات هذا التصعيد الذي تتشابك فيه الحسابات النووية، والأبعاد الاستراتيجية، واستعراض القوة في أعماق البحار.
سهيلة التاور
في تطور غير متوقع، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا توتراً لافتاً إثر تصريحات نارية أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قابلها رد قوي من نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، ديمتري ميدفيديف، الذي سبق أن تولى رئاسة روسيا بين عامي 2008 و2012.
اللافت أن خطاب ترامب، منذ توليه مجددًا مهامه الرئاسية في بداية هذا العام، كان يتسم بنبرة تصالحية تجاه موسكو، حيث أبدى انفتاحًا ملحوظًا على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو ما أثار استغراب حلفاء واشنطن في الغرب. هؤلاء رأوا أن من المفترض أن تتخذ الولايات المتحدة موقفاً معارضًا حازمًا تجاه روسيا، خاصة في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا، البلد الساعي إلى الانضمام إلى التكتلات الغربية بعد أن كان جزءًا من الاتحاد السوفياتي الذي تفكك مطلع التسعينيات.
لكن خلال الأسابيع الأخيرة، بدا أن توجه ترامب قد تغيّر، حيث استخدم لهجة هجومية ضد الكرملين، معبرًا عن «خيبة أمل عميقة» بسبب استمرار القوات الروسية في استهداف مواقع مدنية داخل الأراضي الأوكرانية، ومعلنًا عن توقفه عن الرغبة في التواصل مع الرئيس بوتين.
الاحتقان تصاعد بسرعة، وبلغ درجة الحديث عن «مهلة زمنية» من قبل واشنطن. ففي منتصف شهر يوليوز أطلق ترامب تهديدًا مباشرًا لموسكو، مانحًا إياها خمسين يومًا لوقف عملياتها العسكرية، وإلا فإنه سيفرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية القاسية تشمل مضاعفة الرسوم الجمركية بنسبة 100 في المائة على السلع الروسية، إلى جانب فرض قيود على استيراد النفط الروسي.
وفي خطوة أكثر تصعيدًا، عاد ترامب بعد أسبوعين ليقلص المهلة إلى عشرة أيام فقط، مشيرًا إلى أنه لم يتلق أي إشارة أو رد رسمي من الجانب الروسي، وهو ما وصفه بأنه «تصرف غير لائق ويبعث على الاستياء».
الرد الروسي
أما الرد من موسكو، فلم يصدر من الرئيس بوتين نفسه، بل جاء على لسان ديمتري ميدفيديف، الذي يشغل منصبًا رفيعًا في مجلس الأمن الروسي، وما زال يعد من الشخصيات المؤثرة في صناعة القرار داخل الكرملين.
وانتقد ميدفيديف لهجة الإنذار من جانب ترامب وقال إنها تمثل تهديدا وخطوة نحو الحرب. ليس بين روسيا وأوكرانيا، بل مع بلاده (الولايات المتحدة)، وأضاف في منشور على منصة إكس أن «روسيا ليست إسرائيل أو حتى إيران»، في إشارة إلى الحرب القصيرة التي اندلعت بين البلدين الشهر الماضي، التي شنت خلالها الولايات المتحدة ضربات على إيران لدعم إسرائيل.
ترامب بدوره لم يتأخر في الرد، وقال إن ميدفيديف «يدخل منطقة خطرة جدا عبر تصريحاته التي يدلي بها»، مطالبا إياه بأن ينتبه لكلامه.
وحسب موقع روسيا اليوم، فقد وجّه الرئيس الأمريكي كلاما أشبه بالتهديد إلى الرئيس الروسي السابق مبديا انزعاجه من تصريحاته، وكتب عبر منصة «تروث سوشيال»: «أخبروا ميدفيديف، الرئيس السابق الفاشل لروسيا، الذي يعتقد أنه لا يزال رئيسا، أن يراقب كلماته. إنه يدخل منطقة خطيرة جدا!».
وبعد ساعات قليلة، عاد ميدفيديف بدوره إلى الرد بشكل ساخر معتبرا أن تعليق ترامب الغاضب يؤكد أن روسيا على حق وأنها تسير على الطريق الصحيح.
وطلب ميدفيديف من ترامب أن يتذكر أن موسكو تمتلك قدرات نووية تعود للحقبة السوفياتية والتي تعتبرها كملاذ أخير.
غواصتان حربيتان
رد ترامب مباشرة على التهديد الروسي، حيث قال الرئيس الأمريكي، الجمعة الماضية، إنه أمر بنشر غواصتين نوويتين في مناطق قريبة من روسيا ردا على تهديدات ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والنائب السابق للرئيس الروسي.
وكتب ترامب، في منشور على منصة تروث سوشيال، «استنادا إلى التصريحات الحمقاء والاستفزازية للغاية التي أطلقها ميدفيديف.. أمرت بنشر غواصتين نوويتين في المناطق المناسبة، تحسبا لانطواء هذه التصريحات الغبية والتحريضية على ما هو أكثر من ذلك».
وتابع الرئيس الأمريكي قائلا إن «الكلمات مهمة جدا، وغالبا ما يمكن أن تؤدي إلى عواقب غير مقصودة، آمل ألا تكون هذه من تلك الحالات».
حرب النجوم واليد الميتة
حسب موقع «روسيا اليوم» كتب ميدفيديف على «تليغرام»: «بصدد التهديدات التي وجهها ترامب إليّ عبر منصته «تروث» التي منعها هو من العمل في بلادنا.. إذا كانت كلمات رئيس روسيا السابق تثير رد فعل عصبيا بهذا الشكل من رئيس الولايات المتحدة «الجبار»، فهذا يعني أن روسيا على حق وتسير على الطريق الصحيح الذي اختارته لنفسها».
وأضاف: «أما بالنسبة لاقتصاد روسيا والهند الميتين واقترابي نحو منطقة خطرة، فليتذكر ترامب أفلامه المفضلة عن الموتى الأحياء، وكيف يمكن لليد الميتة غير الموجودة في الطبيعة أن تكون خطيرة».
و«اليد الميتة» كانت الاسم الرمزي لمبادرة ردت بها روسيا على مبادرة الدفاع الإستراتيجي الأمريكية التي أعلنها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في مارس من عام 1983 لإقامة نظام دفاع صاروخي واسع النطاق على الأرض وفي الفضاء قادر على اعتراض وتدمير الصواريخ السوفياتية الباليستية.
وحملت المبادرة اسم «حرب النجوم» على غرار فيلم بهذا الاسم كان قد ظهر على شاشات السينما قبل 6 سنوات من خطاب ريغان الذي أعلن فيه عن المبادرة الجديدة.
أما الرد المضاد من جانب روسيا فتمثل في إقامة ما يعرف بمنظومة «اليد الميتة» التي تضمنت إطلاق الصواريخ النووية السوفياتية حتى لو تمكن العدو من تدمير القيادة العليا للبلاد والاتصالات والقيادة العسكرية بأكملها.
وجاءت هذه المنظومة ضمن اتجاه عام يركز على تحييد التهديد عبر زيادة قدرة القوات النووية الإستراتيجية السوفياتية على التغلب على نظام الدفاع الصاروخي متعدد الطبقات.
كما تضمنت إستراتيجية روسيا للرد على حرب النجوم التخطيط لزيادة أمن منصات إطلاق الصواريخ الباليستية وحاملات الصواريخ النووية الإستراتيجية، علاوة على تعزيز القدرات الشاملة لنظام التحكم في القوات الإستراتيجية السوفياتية.
لكن ما تجب الإشارة إليه في النهاية هو أن مبادرة الدفاع الإستراتيجي الأمريكية لم تدخل حيز التنفيذ، وتسببت عقبات تقنية وعملية في تقليص البرنامج بعد 10 سنوات من الإعلان عنه.
قدرات الغواصات الأمريكية والروسية
تُعد الغواصات جزءًا لا يتجزأ من القوة البحرية لأي دولة كبرى، وهي أسلحة حاسمة في الردع والعمليات السرية.
وتتصدر روسيا والولايات المتحدة المشهد العالمي في تطوير هذه الآلات المعقدة والمتقدمة للغاية. وفي سباق التسلّح تحت الماء، يستثمر كلا البلدين بكثافة لضمان التفوق، مع التركيز على عناصر رئيسية: الصمت، والقوة النارية، والقدرة على البقاء.
الأشباح
من أجل ضمان البقاء والعمل، يتوجب على الغواصات تجنب إصدار أي ضجيج يمكن رصده. وفي هذا المضمار، تُعد الغواصات الأمريكية المعيار العالمي.
وتُعرف غواصات الهجوم من فئة «فرجينيا» والغواصات الصاروخية الباليستية من فئة «أوهايو» بأنها من بين الأكثر صمتًا في العالم، وفق تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إذ تتميز بتصميمات مبتكرة للمحركات، وأنظمة دفع كهربائي، وتغليفات عازلة للصوت.
وتهدف الهندسة الأمريكية إلى تقليل التوقيع الصوتي للغواصة إلى أقصى حد، مما يجعل اكتشافها صعبًا للغاية من مسافات بعيدة.
أما الغواصات الروسية فقد حققت تقدمًا ملحوظًا في تحسين صمتها في الأجيال الأحدث، على غرار طراز Severodvinsk.
وبينما كانت الغواصات الروسية التاريخية معروفة بأنها أكثر ضوضاء، فإن التصميمات الجديدة قلّلت هذه الفجوة بشكل كبير.
وبحسب تحليل البحرية الأمريكية لتطور الغواصات الروسية ضمن أبحاث الكونغرس، تستخدم روسيا تقنيات مثل الدفع الهادئ وتصميمات دفع متقدمة، وإن كانت لا تزال متأخرة قليلًا عن الصمت المطلق للغواصات الأمريكية الأكثر تقدمًا.
القوة النارية
تتنوع قدرات التسليح بين الغواصات الهجومية (SSN) وغواصات الصواريخ الباليستية (SSBN) في كلا البلدين.
بالنسبة للولايات المتحدة، تحمل غواصات الهجوم عادةً طوربيدات Mark 48 ADCAP وصواريخ كروز «توماهوك»، التي يمكن إطلاقها من أنابيب الطوربيد أو أنابيب الإطلاق العمودية.
وتُستخدم صواريخ «توماهوك» لضرب أهداف برية بدقة عالية. أما غواصات «أوهايو» الباليستية، فهي العمود الفقري للردع النووي، وتحمل ما يصل إلى 24 صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات.
وقد حوّلت البحرية الأمريكية أربع غواصات من طراز «أوهايو» إلى غواصات صواريخ موجهة، قادرة على حمل ما يصل إلى 154 صاروخ «توماهوك»، مما يجعلها منصات هجومية تقليدية هائلة، وفق موقع البحرية الأمريكية.
أما الغواصات الروسية، فتحمل الطرازات الهجومية منها طوربيدات وصواريخ كروز، بما في ذلك صواريخ «كاليبر» متعددة الاستخدامات، وصواريخ أسرع من الصوت مثل «أونيكس».
وتعمل روسيا، حسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، على دمج صواريخ «تسيركون» فرط صوتية في غواصاتها.
أما الغواصات الباليستية الحديثة من فئة «بوري»، فتحمل ما يصل إلى 16 صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات من طراز «بولافا»، وهي جزء أساسي من الثالوث النووي الروسي.
كما تمتلك روسيا غواصات متخصصة مثل «بيلغورود»، القادرة على حمل طوربيدات نووية ذاتية الدفع مثل «بوسيدون»، مما يضيف بعدًا فريدًا لترسانتها.
القدرة على الغوص العميق
تميل الغواصات الروسية، سيما الباليستية، التي تُعد الأكبر في العالم، إلى أن تكون أكبر حجمًا وأكثر قدرة على الغوص لأعماق أكبر. هذه القدرة على تحمّل الضغط في الأعماق السحيقة تمنحها ميزة تكتيكية في بعض السيناريوهات، بحسب موقع «الأمن العالمي».
في المقابل، وعلى الرغم من أن الغواصات الأمريكية كبيرة الحجم، إلا أنها ليست بحجم نظيراتها الروسية العملاقة، إذ يتركز النهج الأمريكي على تحقيق توازن بين الحجم، الصمت، والقدرة على المناورة، بدلًا من السعي لأقصى عمق غوص، وفق بيانات وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية.
عين وأذن تحت الماء
تتميّز الغواصات الأمريكية بأنظمة سونار متطورة للغاية، تشمل السونار السلبي (الذي يستمع إلى الضوضاء) والنشط (الذي يُطلق موجات صوتية). هذه الأنظمة، إلى جانب قدرات الحرب الإلكترونية المتقدمة وأنظمة القيادة والتحكم المتكاملة، تمنحها وعيًا ظرفيًا ممتازًا.
في المقابل، طوّرت روسيا أنظمة سونار خاصة بها يمكن أن تكون فعالة للغاية، خاصة في كشف الغواصات الأجنبية. كما تمتلك قدرات حرب إلكترونية خاصة بها.
ورغم أن الغواصات الأمريكية قد تحتفظ بميزة طفيفة في الصمت والتكنولوجيا الشاملة، مما يمنحها تفوقًا تكتيكيًا، فإن الغواصات الروسية الحديثة قلّصت هذه الفجوة بشكل ملحوظ، وتقدم ترسانة متنوعة ومبتكرة. يُشكّل كلا الأسطولين تهديدًا كبيرًا لبعضهما البعض، مما يحرّك سباق الابتكار المستمر في «حرب الأعماق».





