حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرحوار

«تصفية الحساب» العقلاني مع التراث 5

*ما وضعية التفكير النقدي العربي؟ وهل تشرَّبنا الفكر النقدي الغربي واستطعنا تقديم فكر نقدي عربي أو حتى إنساني؟

مقالات ذات صلة

**تبدو صيغة السؤال استفهامية أو تتضمن بعض التشكيك في إنتاج «فكر نقدي» عربي، وهو أمر قد نجد له بعض المبررات قياسا إلى السقوط المدوي لما سمي بـ«العالم العربي»، ولِما عاشه منذ ربع قرن من تدمير منهجي، والزج بالمجتمعات العربية في تطاحنات مأساوية، بفعل تدخلات خارجية وتواطؤات داخلية. غير أنني، وعلى الرغم من كل أسباب التشكيك والانتقاص من منجزات المفكرين العرب، أعتبر أن المُفكر العربي، سواء انتمى لحقل الفلسفة أم لا، من الجيل السابق أو الحالي، يجد نفسه أمام وقائع مُعقدة وجاذبيات ذات طبيعة سياسية واجتماعية وثقافية ونفسية تفرض عليه، بكيفيات متفاوتة، الانخراط في خمس جبهات على الأقل؛ أولاها مساءلة هويته الشخصية بوصفه مُنتِجًا للمعنى، وتحمل مسؤولية وظيفته وموقعه الاجتماعي؛ ثانيا مساءلة التراث وثقل تاريخيته ورمزيته، سواء تعلق الأمر بالتراث العربي الإسلامي بعامة، أو بالتراث الخاص بالبلد الذي ينتمي إليه؛ ثالثا تصفية حسابه مع المقولات التي رسخها الفكر الاستشراقي والكولونيالي، خصوصا في بلدان عربية تعرضت نخبها ومجتمعاتها لاختراقات ثقافية عميقة؛ رابعا المشاركة في سيرورة التحديث الفكري والسياسي في بلده، سواء بالتدريس والتأليف أو بالالتزام؛ خامسا مواكبة تاريخ الأفكار والمعارف التي تستجد على الساحة الفكرية والمعرفية العالمية. جبهات خمس تستدعي مقاربتها أو المشاركة فيها، فكريا أو عمليا، مهما كان مجال اختصاص هذا الفيلسوف أو ذاك، ومدى انخراطه في هذه الجبهة أو تلك ومدى تمكُّنه من معطياتها ومعارفها. ولذلك يُطوَّق المفكر عندنا بمهام كبيرة يندر إيجاد حالات مشابهة لها في ساحات فكرية في العالم.

ومع ذلك أحسب أن وعيا عربيا ذا طبيعة نقدية عملت نخبة من المفكرين الكبار على بنائه طيلة القرن العشرين وبداية هذه الألفية، على الرغم من صعوبة السياقات التي يشتغلون داخلها، لصياغة فكر يتبرم من الفهم المشترك الذي تعوّد عليه الإنسان العربي، سواء في تعامله مع ذاته أو تراثه أو واقعه، أو في سلوكه إزاء مظاهر الحداثة وأشكال التنظيم العقلانية كافة. ويتحرك هذا الوعي، كما هو معلوم، داخل مناخ فكري ونفسي متشابك الأطراف والاعتبارات، خصوصًا وأنه اشترط عليه الواقع التاريخي العربي- الإسلامي ضرورة الاحتكاك بالفكر الغربي، بقدر ما فرض عليه مساءلة أساسيات الثقافة العربية -الإسلامية. لذلك اضطرت بعض الاجتهادات النظرية العربية إلى القول إن كل تقييم للتراث العربي- الإسلامي يستدعي، وبشكل واضح، البدء بالكشف عن مكونات العقل الذي أنتج هذا التراث (ومنها أعمال أدونيس، وعبد الله العروي، وحسن حنفي، حسين مروة، وعزيز العظمة، ومحمد أركون، وهشام جعيط ورباعية محمد عابد الجابري حول «نقد العقل العربي»، إلى ما ينتجه الجيل النقدي الجديد من أمثال عبد الإله بلقزيز وفتحي المسكيني ومحمد شوقي الزين وغيرهم، مع مراعاة تفاوت نمط أسئلتهم واهتماماتهم، وأساليب كتاباتهم). لم يستطع العرب الابتعاد عن التراث لأن عددا منهم يفتقر إلى المعرفة الضرورية به، أولاً، ويضطرون إلى وضع هذه المكونات موضع المساءلة والتحليل النقدي، ثانيًا، حتى تتم «تصفية الحساب» العقلاني مع هذا التراث الذي يجثم على الواقع العربي- الإسلامي في أشكاله التي تعاند كل محاولة عقلانية وكل مبادرة مبدعة.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى