
يونس جنوحي
عندما نُشرت صورة المصور الدولي «أنتوني ماو»، في منصة بيع الصور للوكالات، تساءل عدد كبير من الصحافيين ما إن كانت تلك الصورة حقيقية فعلا أم أنها من إبداع الذكاء الاصطناعي. لكن اتضح أن الصورة حقيقية فعلا، وأنها ليست الأولى من نوعها.
الصورة تُظهر جنديين من حرس الحدود، الأول صيني والثاني باكستاني، يستريحان معا فوق صخرة في منطقة حدودية، يمسك أحدهما يد الآخر، كما لو أنهما أخوان وليسا من عناصر حرس حدود دولتين مختلفتين.
ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها الصداقة والأخوة بين حرس حدود الدولتين، فهناك صور أخرى يتبادل فيها حرس الحدود الصينية الهدايا مع حرس حدود باكستان، ويبتسمون جميعا أثناء التقاط الصور.
نهاية الشهر الماضي أصدر الحزب الحاكم في الصين بيانا يصف فيه العلاقة مع باكستان بـ«الصداقة الحديدية».
تجمع البلدين معا شراكات استراتيجية، من خلال ما يعرف دوليا بـ«الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني».
وأعلنت باكستان أخيرا أنها تدعم الصين في ملف تايوان والتبت. وهذا يعني أن الباكستانيين يصطفون إلى جانب الصين في معركة طرفها الآخر هو الولايات المتحدة الأمريكية.
الأمريكيون ينظرون بتوجس كبير إلى العلاقات الصينية- الباكستانية، والاتحاد الأوروبي يسلط الضوء على أي نقطة تتعلق بتعميق الصداقة الصينية- الباكستانية.. والخبراء الأوروبيون يرون أن العلاقة بين البلدين تحولت من مرحلة «الأخوة الحديدية» – وصف للعلاقات بين البلدين ظهر في ستينيات القرن الماضي- نحو التدابير الأمنية المؤسسية التي تفرضها الصين بشكل واضح.
هناك مشاريع أمنية تجمع الصين وباكستان، تهم إنشاء وحدات تدريب خاصة وتكوين للأطر، على التدخل والإنقاذ. وكل هذا على خلفية الهجمات الإرهابية التي استهدفت العام الماضي عمالا صينيين فوق التراب الباكستاني وتسببت في مقتل خمسة منهم، واتضح أن أحد المتشددين الباكستانيين نفذ الهجوم.
ورغم مساعي التطمين، إلا أن المشاريع الصينية في باكستان تأثرت كثيرا بعد الهجمات الإرهابية الأخيرة، ما بين سنتي 2024 و2025. وهذه الهجمات استهدفت مشاريع مثل مشروع «داسو» لإنتاج الطاقة الكهرومائية، بينما تسبب هجوم إرهابي آخر في وفاة مهندسين صينيين، أثناء اشتغالهما في مشروع للبنية التحتية غير بعيد عن مطار العاصمة الباكستانية. بالإضافة إلى هجوم آخر نفذته جماعة جيش تحرير «البلوش»، واستهدف مشروعا صينيا في إقليم بلوشستان.
هذه الهجمات جعلت الشركات الصينية، التي تنفذ مشاريع في باكستان، تعيد النظر في استمرار تنفيذ المشاريع، وساد توتر كبير، وهو ما جعل الحكومة الصينية تطالب بإجراءات أمنية أكثر صرامة لحماية مصالحها الاستثمارية والتجارية فوق التراب الباكستاني.
التقارير تقول إن الصينيين يشككون في قدرة باكستان على توفير الحماية اللازمة للعنصر البشري الصيني، رغم الإجراءات الاحترازية لحماية مواقع المشاريع الصينية التي تهم البنيات التحتية والتنقيب.
فرق المراقبة، التابعة للأمم المتحدة، أكدت العام الماضي وجود أنشطة لداعش والقاعدة على طول الحدود الأفغانية- الباكستانية. وهو ما زكته المخابرات الأمريكية والأجهزة الاستخباراتية الأوروبية أيضا.
الشهر الماضي فقط تعرض مطعم صيني لتفجير إرهابي في العاصمة كابول.. لكن المصالح الصينية في باكستان تفرض الإصرار على إعلان الصداقة المتينة التي ينظر إليها الأمريكيون الآن بكثير من التوجس.
من شأن هذه التطورات أن تؤثر على السياسات بكل تأكيد.. ووصفت الصحافة الأمريكية، أخيرا، الصداقة بين باكستان والصين بـ«الأخوة الحديدية التي تقطر دما».
الدرس المستفاد أن الصداقات ليست كلها حقيقية. وحتى لو تصافح الحرس على الحدود، أو تبادلوا العناق، فإن العلاقات الحقيقية تُرسم في الاجتماعات المغلقة، وانتزاع الامتيازات في الأماكن التي لا تصل إليها الكاميرات..





