
بقلم: خالص جلبي
السنة فيها إمكانية التسخير بـ(القوة) كحالة (كمونية) تماما كما في طاقة البترول قبل استخدامها، وتحتاج لإبرازها إلى حيز (الفعل) أو (الاستخدام)، أو بالمصطلح القرآني (التسخير). (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا).
والتسخير المعني به هنا في الآية، التسخير بالطاقة الكمونية، والتسخير أو السخرة بمعناها الأصلي هي (الخدمة المجانية) بدون مقابل، فهذا الكون العظيم مسخر لنا مجانا بدون مقابل، اللهم إلا بذل الطاقة العقلية لمعرفة سننه، لذا فحتى يتم التسخير لا بد من معرفة سنن الله في خلقه، فمعرفة السنة تعطينا إمكانية تسخيرها، ويجب أن نؤكد أن سنن الله تطيع من يعرفها، مهما كانت هويته العقائدية.
(كلاً نُمِدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا) ـ الإسراء.
فالمؤمن الذي لا يعرف سنن الله لا تطيعه، مهما بكى لها واسترحم، كما فعل البعض حينما قابلوا حملة نابليون على مصر بقراءة صحيح البخاري لدفع أذاه، أو كما يفعل أحيانا البعض حينما يحدث عطل في آلة ما أن يواجهوا الموضوع بالدعاء، أو انتظار عامل خارج السنن للتدخل، يجب أن نعلم أن ميكانيكية الدعاء تعمل في قطاعها، فعالم الشهادة يواجه بالجهد وعالم الغيب يواجه بالدعاء. وعندما لا يعرف الإنسان السنن ليسخرها، فإنه يتحول هو بالذات إلى (جملة المسخرات). وهذا الذي حصل في العالم الإسلامي اليوم، حيث حلت عليه كلمة الله عندما انحرف عن سننه، وهكذا أصبح من جملة المسخرات تماما كأحجار الشطرنج للتحريك والعبث، ولذا فإن هوان العالم الإسلامي اليوم ينبغي أن يفهم من هذا الضوء، وبالتالي يجب أن تستنفر الطاقات لفهم مشكلته بالدرجة الأولى وصياغة الحل المناسب.
سبيل تمييز العلم عن الظن
وطالما كانت السنن هي قوانين الله الثابتة، والتفكير الصحيح هو جهد الإنسان في نقلها وترسيخها، وانعكاس الحقيقة الموضوعية إلى الصورة الذهنية هو العلم فكيف يمكن أن نميز العلم عن الظن؟ هناك أمران يحددان هوية العلم وهما: 1ـ التنبؤ 2ـ التسخير.
وعندما يكون الشيء خاضعا لهذين الشرطين تنطبق عليه (الصفة العلمية)، كما حدث على مستوى المادة في قانون مندلييف الدوري للعناصر، حينما تنبأ ببعض العناصر غير الموجودة والمكتشفة في زمانه وهي الجاليوم والجرمانيوم واكتشفتا بالفعل بعد ربع قرن من الزمان، وكما أمكن في قانون أبعاد المجموعة الشمسية (القانون الكوني)، حيث أمكن معرفة ما حدث لكوكب بين المريخ والمشتري، حيث انتثر إلى مجموعة كويكبات، وهنا نجد انطلاقة قرآنية عقائدية مذهلة حينما استند إلى نفس القانون لإثبات صحة العقائد عندما كان يقول [قل كلٌ متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى[إنه التحاكم إلى العاقبة] والعاقبة للمتقين
[وهو التنبؤ المسبق للسير التاريخي]، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض]. كانت بالفعل إشارة مدهشة إلى معنى العلمية في العقائد والأفكار…
كيف ولماذا؟ أو منحى العلم
عندما أطل العالم ـ خاصة في القرن التاسع عشر ـ على العالم العلمي الساحر الذي اكتشفوه في الميكانيك والفيزياء والطب، ظن بعضهم أن القضية الإيمانية لم يعد لها مبرر، وأن الدين استنفد أغراضه، وأدى دوره، وأصبح محنطا في متاحف التاريخ، ولكن مع مزيد البحوث خاصة في القرن العشرين تبين أن الأمر بخلاف ذلك، وبدأت تلك الفئة تخفف من غرورها، وأدرك العلماء أن أسرار الكون ليست كما كانوا يتصورونها، لأن ضخامة الأبحاث التي غرقوا فيها جعلتهم يتيهون حتى في الأشياء التي وقعت تحت أيديهم، وكأنهم يمشون في غابة سحرية لا تكف أشجارها عن تغيير نفسها كل حين ـ على حد تعبير ألكسيس كاريل.
سار العلم في منحى كيف (وهي الإجابة عن كيفية حدوث الأشياء بدون معرفة المحركات الخلفية). ولم يسر في منحى كيف ولماذا (وهي معرفة كيف تحدث القوانين وتبرير حدوثها)، فعجز مرة أولى، ولم يلب حاجة وفطرة الإنسان فعجز مرة أخرى، لأن العالم لا يفسر إذا لم يتم الجواب عن لماذا. وفي الوقت نفسه، فإن التعامل على مستوى (كيف) يجعل الإنسان أقرب إلى الآلية، في حين أن الصعود إلى مستوى لماذا يعبر عن الانطلاقة العقلية عند الإنسان تماما؟ لأن العقل لا يجد القرار ما لم يتحقق الجواب عن السؤالين، كيف يحدث الأمر؟ ولماذا؟
مع هذا عندما سار في منحى كيف رأى من آيات ربه الكبرى، لأن آيات الله في الأنفس والآفاق هي دليل على الله، كما أن هذا الكون بكل أبعاده ((دليل)) على الله و((مسخر)) للإنسان.
[وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ـ الذاريات].
وكلما غاص العلماء في البحث شعروا أنهم قد دخلوا عالما أشد تعقيدا وأعظم بناء، وأدق نظاما، وأدركوا روعة آليات الاتزان، وعمق العلاقات ودقتها التي تعطي تماسك العضوية وقيامها بوظيفتها، وهذا يعني بالمقابل المزيد من معرفة الله…
ولكن مع هذا فإن اتجاه الحياة وقع في غلطة مروعة، فما هي؟
نافذة:
معرفة السنة تعطينا إمكانية تسخيرها ويجب أن نؤكد أن سنن الله تطيع من يعرفها مهما كانت هويته العقائدية





