حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

الأمن واللا أمن في بانكوك

من أكثر الأسئلة التي تطرح علي، بعد السؤال التقليدي عن الميزانية وتكاليف السفر، تلك المتعلقة بالأمن والسلامة. ودائما ما أجيب بأن لا مكان آمن مئة بالمئة؛ فالحذر رفيق المسافر أينما حل، والوعي بأهميته ضرورة لا رفاهية.

مقالات ذات صلة

قبل ست سنوات، كنت في العاصمة التايلاندية بانكوك، وفي مساء اليوم الثالث لوصولي، قصدت المنطقة التاريخية، وتحديدا شارع كاو سان؛ ذلك الشارع الشهير المخصص للسير على الأقدام، والممتد كخيط نابض بالحياة، تحفه الفنادق الصغيرة والمقاهي والمطاعم وصالونات المساج وبائعو الهدايا والتذكارات، وتفوح منه روائح أطعمة الشارع، وطهاة بعض الحشرات مثل العقارب، فيما تتدلى فوقه أسلاك كهربائية عارية ولوحات إعلانية ملونة.

مع حلول الليل، يتحول الشارع إلى مهرجان مفتوح. بعد السابعة مساء، تصف الطاولات والكراسي، وتعلو الموسيقى، فتكتسب الحياة الليلية هناك إيقاعا خاصا لا يهدأ ولا يتوقف.

يقع الشارع في حي بانغلامفو، وكان في الماضي سوقا للأرز؛ فاسم «كاو سان» يعني الأرز غير المطبوخ باللغة التايلاندية. ومنذ أربعة عقود، أصبح محطة أساسية للرحالة والمسافرين، لقربه من المعالم السياحية، ولتواضع أسعار محلاته، ولأنه مساحة مفتوحة للقاء القادمين من كل أصقاع العالم، يجمعهم الشغف بالاكتشاف والاستمتاع بالشمس والمأكولات قبل التوجه إلى الجزر أو مدن الشمال.

عدت إلى الفندق في ساعة متأخرة، وأخذت دوشا سريعا لأتخلص من رطوبة المدينة وضجيجها. في الصباح استيقظت باكرا، ونزلت لتناول الفطور. لاحظت أن شاشة التلفاز مطفأة، لكن الأمر لم يثنن عن تناول وجبتي.

بعد دقائق، دخل أحد النزلاء، بدا من لهجته أنه إنجليزي، وطلب من العامل تشغيل التلفاز لمتابعة خبر الهجوم الإجرامي الذي وقع أمس. سألته باستغراب عن أي هجوم يتحدث، فحدق بي وقال: «ألم تعلم أن هجوما بسيارة مفخخة وقع مساء أمس، وكان يستهدف فندقا كبيرا يبعد شارعين فقط من هنا؟»

دخل مسؤول الفطور موضحا أن الحادث، ولحسن الحظ، لم يسفر عن خسائر بشرية، واقتصر الضرر على واجهة الفندق الذي كان يستضيف مؤتمرا كبيرا بوفود مهمة. ثم اشتغلت الشاشة، وكان الخبر يتصدر نشرات الأخبار.

تناولت هاتفي، فوجدت عشرات المكالمات من الوالدين والإخوة والأصدقاء. أجبتهم واحدا تلو الآخر مطمئنا إياهم أنني بخير، وأن الخبر الذي أقلق العالم كله لم أسمع به إلا مع أول فنجان قهوة في ذلك الصباح.

شعرت منذ أول زيارة لي أن تايلاند بلاد آمنة، وشعبها مضياف ومسالم. لم أر يوما شجارا هنا، ولا حتى نقاشا بصوت عال. لهذا لم يحرك هذا الحادث في قناعتي شيئا، على عكس ما تناقلته الصحافة من أن الحادث دفع بالكثير من الأفراد والوكالات السياحية إلى إلغاء حجوزاتهم.

لقد عشت أحداثا مماثلة في دول أخرى، وآمنت بأن إلغاء السفر في هذه الحالة يعني تحقيق رغبة الجماعات الإجرامية والإرهابية في خلق جو من الخوف والقلق، وتوقيف عجلة الاقتصاد، وزعزعة الثقة بين السياح والدولة. أكيد أن الحيطة والحذر ضروريان في أي مكان.

بعد ذلك، استمرت رحلتي نحو شمال البلاد مرورا بآيوطايا التي تبعد نحو سبعين كيلومترا عن بانكوك، العاصمة السابقة لمملكة سيام (تايلاند حاليا) والتي كانت عاصمة لأكثر من أربعة قرون.

أول إحساس تشعر به هناك هو ثقل التاريخ؛ معابد بوذية أثرية تطغى على مشهد المدينة، ذكرتني بأنغكور وات القريبة من سيام ريب في دولة كمبوديا. هنا كان السياح يقومون بجولات بالدراجات الهوائية حول الأطلال، والقليل يفضل الجولات على ظهر الفيل بالقرب من المعابد التاريخية، لكن الأجمل كانت نزهة على قوارب صغيرة في أسواق تقليدية تقام على ضفاف الأنهار والقنوات، حيث يمكن تذوق الأطعمة المحلية وشراء المنتجات التقليدية والاستمتاع بالأجواء الشعبية دون مغادرة القارب.

تحدثت مع العاملين في القطاع السياحي في شمال البلاد، خاصة في شيانغ ماي وشيانغ راي عن الحالة السياحية، فكان الجواب أنهم تأثروا بحادثة بانكوك وألغيت العديد من الحجوزات، حتى وإن كانت المسافة بين المدينتين تتجاوز سبعمائة كيلومتر.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى