
إعداد وتقديم: سعيد الباز
لا يتمّ استحضار رمضان بأجوائه المتعددة في الكتابات الأدبية انطلاقا من صورة واحدة، تعتمد على وصف مظاهره وطقوسه.. لأنّ الأجواء الرمضانية حافلة بالدلالات ذات الطابع التاريخي والاجتماعي والديني والثقافي، ما يتيح لها أن توظف في المجال الأدبي بكلّ أشكاله وأساليبه المختلفة. ففي الأدب العربي تناول الأدباء الأجواء الرمضانية ومظاهرها الاحتفالية على عدة مستويات، لإبراز طابعها الروحي والاجتماعي أو باعتبارها إطارا عاما للأحداث التاريخية.
إحسان عبد القدوس.. في بيتنا رجل
تتطرق رائعة الكاتب المصري إحسان عبد القدوس»، (1919-1990)، «في بيتنا رجل» إلى موضوع المقاومة المصرية للاحتلال الإنجليزي وفرار المقاوم إبراهيم حمدي من السجن واختبائه في بيت أسرة مصرية خلال شهر رمضان. اعتمد المؤلف، في روايته، على شهر رمضان الذي لم يعد فضاء زمنيا، بل عنصرا أساسيا وموجّها لأحداث الرواية:
«كانت العائلة مجتمعة كعادتها عقب الإفطار، في حجرة «القُعاد» والراديو يلقي إليهم أغانيه. كان الأب في جلبابه الأبيض الفضفاض، وفوق رأسه الطاقية الخفيفة التي لا يخلعها إلّا ليضع مكانها الطربوش… وقد جلس على الأريكة «الاستامبوللي» ووضع ساقه تحته واتكأ على أحد مرفقيه، وبين يديه جريدة «الأهرام» يطلّ فيها من وراء نظارته الذهبية ويعيد قراءة مقال سبق أن قرأه عقب عودته من الديوان، وأمامه مائدة صغيرة عليها كوب شاي فارغ، بقي في قعره بعض التفل الأسود.
وكانت الأم الطيبة… مكتنزة، جالسة على الطرف الآخر من الأريكة وبجانبها «علبة الخياطة» وبين يديها مجموعة من الجوارب ترتّق فيها. وكانت سامية جالسة على مقعد خيزران، وأصابعها تتحرك بسرعة بين خيوط التريكو… ليست جميلة كأختها الصغرى… أو على الأقل، لا تستطيع أن تلمح جمالها من النظرة الأولى… إنّه نوع من الجمال يكشف لك عن نفسه كلما نظرت له أكثر. وكان محيي جالسا على مقعد «أسيوطي» كبير، حتّى ليتسع لشخص آخر بجانبه… وكان يقرأ في كتاب. وكانوا كلّهم صامتين… صمتا هادئا مريحا، كلّ منهم متفانٍ في هضم طعام إفطاره بعد صيام يوم طويل… وكأنّ معداتهم تبتسم وهي تقوم بعملية الهضم وترسل ابتسامة إلى شفاههم ليحمدوا بها الله.
وعندما سمعوا صوت جرس الباب، لم يتحرك واحد منهم ولم يخرج عن صمته… ولم يكن واحد من أفراد العائلة السعيدة، ينتظر شيئا من وراء جرس الباب… غاية ما كانوا ينتظرونه أن يكون الطارق هو الكواء، أو يكون البواب يعيد الأطباق التي أرسلوا له فيها طعام إفطاره كعادتهم في رمضان.
وعادت إليهم نوال بعد أن فتحت الباب وأجابت الطارق… ولم يتحرك أحد أيضا… أحسوا بها واقفة بينهم، لا تتكلم… ورفعوا رؤوسهم إليها في حركة واحدة، كأنّ خيطا واحدا قد شدّها ونظروا بعيون متسائلة، تساؤلا طبيعيا هادئا، كأنّ كلّ ما حدث هو أنّها نسيت أن تتكلم. ولكنّهم رأوا وجهها ممتقعا وشفتيها ترتعشان… وانقلب التساؤل في عيونهم إلى جزع ولهفة. وقال الأب في صوت غليظ كأنّه يؤنبها: مين؟! وأدارت عينيها بينهم، ثمّ ركزتهما فوق شقيقها محيي، وقد ازدادت شفتاها ارتعاشا كأنّها فقدت لسانها. وعادت الأم تقول في صوت حنون كأنّها تتسول: مين يا نوال اللي ضرب الجرس؟!
وقالت وهي ترفع عينيها عن أخيها وتهيم بهما في الفضاء: إبراهيم… وارتفع صوت الأب وقال في حدّة: ما تتكلمي كويس… جرالك إيه… إبراهيم مين؟! وأدارت عينيها إلى أبيها وقالت في صوت خفيف كأنّها تشفق عليه: إبراهيم حمدي.
وقفز محيي إلى مقدمة المقعد الكبير الذي يجلس عليه، وصاح: بتقولي إيه… إبراهيم حمدي؟!
وعاد الأب يصرخ: إبراهيم حمدي مين… ما تتكلّمي؟!
وقالت وهي تتنهد كأنّها تلقي إليهم بكلّ ما في صدرها: إبراهيم حمدي اللي قتل عبد الرحيم باشا شكري!!
ونظرت الأم إلى زوجها كأنّها تستغيث به، وقالت وهي تضع يدها على صدرها كأنّها تمنع قلبها من أن يشقه: وده عايز إيه الجدع ده؟! وأجابتها نوال: يسأل على محيي؟!
ووقف محيي، وقال مرتبكا حائرا وهو يتلفت حوله ويبحث عن مكان يهرب منه: عايز مني إيه… مش معقول… ده عمره ما عاز مني حاجة!
ونظر إليه والده بعينين واسعتين كأنّه يتهمه، ثم عاد وأرخى عينيه عنه… وأطرق مفكرا. وساد الصمت… كلهم ينظرون إلى الأب منتظرين كلمته. وتكلم بعد فترة: أظن تروح تشوفه عايز إيه يا محيي؟!».
بول بولز.. يوميات طنجة
أمضى الروائي والموسيقي الأمريكي بول بولز، (1910-1999)،Paul Bowles معظم حياته في طنجة وكتب كلّ أعماله من وحي هذه المدينة خاصة في مرحلة طنجة الدولية، يكتب إبراهيم الخطيب، مترجم «يوميات طنجة». يعكس الكتاب حياة الكاتب الأمريكي بول بولز في مدينة البوغاز، خلال سنتي (1987-1989)، أي عشر سنوات قبل رحيله (1999). يتعلّق الأمر بيوميات تصوّر معيشه اليومي، وعلاقاته وصداقاته، وردود أفعاله ومشاكله مع ناشري إنتاجه، وهواجسه الصحية. حلّ بول بولز في طنجة، أوّل مرّة، في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، نزولا عند نصيحة «جيرترود ستاين» التي سبق لها أن زارت المدينة وأعجبت بمناخها. كانت زيارة بولز حينئذ، عابرة، لكن مجيئه للإقامة في طنجة إنّما حدث في أواسط الأربعينيات، قبل أن تلتحق به زوجته «جين آور-بولز». تنقل الزوجان بين عدة مساكن في المدينة القديمة… إلى أن استقر بهما المقام على هضبة مرشان. كانت طنجة، في ذلك الوقت، جذابة وهادئة… غير أنّها، بعد فقدانها صفتها «منطقة دولية» 1960، عرفت تحولات عميقة».
لقد كانت نظرة بولز لطنجة مختزلة في هذه المرحلة التي تحكمت في رؤيته، ومن بينها الطقوس الاجتماعية والدينية كما وردت في يومياته:
19 أبريل
لا أحد يدري، بالضبط، ما إذا كان شهر رمضان سيبدأ اليوم أو غدا. لقد علمنا، أمس مساء فقط، عندما دوّت صفارات، أنّ الصيام سيبدأ اليوم (هذا هو رمضان الثاني الذي استُعملت فيه صفارات الإنذار، عوض المدفع!…). ضربة مدفع تكون كافية لتجد نفسك في الجانب الآخر من الحدود، في بلد الممنوع. البعض يزعمون أنّه، بسبب جولان السيّارات، يتعذّر سماع المدفع. ربّما كان هذا صحيحا عند غروب الشمس، أمّا في الرابعة والنصف صباحا، فالمدينة تكون صامتة. أستغرب كيف لم يُشِرْ أيّ مسلم إلى سخافة استعمال صفّارة إنذار (تستعمل، عادة، تحسّبا من هجوم جويّ) للإعلان عن يوم الصيام المقدّس.
في كلّ سنة، يكون عليّ أن أتذكّر تنبيه الذين يأتون لشرب الشاي هنا، أنّ عليهم الانصراف قبل مدّة طويلة من غروب الشمس، ذلك أنّ الساعة التي تتلو حلول الليل يجب قضاؤها في البيوت، وليس في الشوارع، قطعا، لأنّها الوقت الذي تتمّ فيه مهاجمة الأجانب. الشوارع تكون خالية تماما، فلا سيارة، ولا مارّ، ولا شرطيّ يوجدون، حينئذ، في أيّ مكان من المدينة.
إحدى زائراتي، وهي أمريكية مسنّة، تمّ ضربها وركلها بالأقدام، وسرقة متاعها في الشارع، أمام العمارة. لقد شعرت بالذنب، تقريبا، لكوني أعيش في مكان، لم تعد فيه اعتداءات من ذلك القبيل تثير دهشة أحد. لكنّ الشعور الحقيقي بالذنب هو ذلك الذي يخامرني في حضور أناس مسلمين، فهم يعانون وأنا لا أعاني. أنا مرغم هنا، في البيت على الأكل والشراب أمامهم. هم يزعمون، دوما، أنّ رؤيتهم شخصا، وهو يتناول الطعام، لا تزعجهم البتّة. يقولون لي: إذا جعت، فعليك أن تأكل. لا أحد يطلب منّي أن أتوقّف عن الأكل. هذا صحيح، لكنّ الضغط الاجتماعي حادّ، إلى درجة أنّه لو فوجئ أحدهم، وهو يأكل في مكان عام، لتمّ القبض عليه، وزجّ به في السجن. هم يقولون إنّ العطش أشدّ إيلاما من الجوع، والمدخنون يغدون حانقين في الأيام الأولى للصيام. وطيلة الشهر تزداد المشادّات بين الناس، لكن لا أحد يعترف بأنّ سوء مزاجه ناتج عن رمضان. يقول عبد الواحد: إذا كان مزاجك سيّئا بسبب رمضان، فإنّ صيامك يغدو بدون قيمة، والأفضل ألّا تصوم.
مع ذلك، فالناس يهتاجون عند أوّل فرصة، وأنا أحتاط ألّا أعارضهم، أو أوجّه النقد إليهم.
30 ماي
حكاية تقليدية عن العنف في شهر رمضان، وقعت في سوق «كاسا براتا». كان رجل يقوم بإعداد «الشبّاكية» وهو يقتعد الأرض، ويأمل في اجتذاب الزبائن (في الماضي كانت «الشبّاكية» تعدّ بالعسل. أمّا اليوم، وبما أنّ العسل نادر، فهي تعدّ بواسطة السكر، والنتيجة ليست بالغة الجودة). رجل آخر له عربة سلع متنقلة، بها أمشاط ومرايا جيب ومعاجن أسنان وأشياء مشابهة، جلس بحذاء الأوّل الذي يأمره، فورا، بإخلاء المكان والذهاب إلى موقع آخر. أجاب الرجل الثاني بأنّه سوف لن يمكث هناك أكثر من دقيقة واحدة، قصد الاستراحة، ثم سيغادر. زمجر صاحب «الشبّاكية» قائلا: «صافي»! وأخرج مدية طويلة، ضرب بها الرجل الآخر بحركة من أعلى إلى أسفل ممزّقا أوداجه. نهض الجريح، وخطا بضع خطوات، ثم سقط…
تلك هي ثاني جريمة تقع في «كاسا براتا» منذ بداية رمضان…
16 ماي
من ميزات شهر رمضان، ذلك العزف المنفرد على الغيطة، في صوامع المساجد، قبل الآذان. في هذه السنة، تمّ إلغاء ذلك. أتخيّل أنّ أحدهم، ربّما، ارتأى أنّ تلك الممارسة متخلّفة، أو أنّها غير شرعية. يوضح عبد الواحد: على أيّة حال، لم يعد الناس يريدون سماع رجل ينفخ في الغيطة، فلديهم موسيقى في التلفزة.
في سنة 1977، قمت بتسجيل معزوفات المزامير الليلية، طيلة شهر رمضان. لعلّني، دون أن أنتبه إلى ذلك، كنت أرتاب بالتأكيد في أنّهم سيقومون بإلغاء العزف، عاجلا أو آجلا. فالأشياء الجميلة، للأسف، لا تبقى.
(ترجمة: إبراهيم الخطيب)
نجيب محفوظ.. خان الخليلي
ارتكز الروائي نجيب محفوظ، في الثلاثية وخاصّة في «خان الخليلي» بالأساس، على شهر رمضان وأجوائه الاحتفالية لإبراز ما تعرضت له مدينة القاهرة أثناء الحرب العالمية الثانية من قصف للطيران الألماني:
«واقترب رمضان فلم يعد يفصل بين هلاله وبين الطلوع سوى أيّام قلائل. ولكن رمضان لا يأتي على غرّة أبدا، وتسبقه عادة أهبة تليق بمكانته المقدسة، ولم تغفل أمّ أحمد عن ذلك –وكانت في الواقع المسؤولة الأولى عن جلال الشهر وجماله- فجعلت منه يوما حديث الأسرة قائلة: إنّه شهر له حقوقه كما له واجباته. وكان قولها موجّها لأحمد فأدرك مغزاه وقال مدافعا عن نفسه: رمضان له حقوقه ما في ذلك من شك ولكن الحرب ضرورة قاسية جارت على جميع الحقوق!
فقالت الأمّ بلهجة دلّت على عدم الارتياح: لا قطع الله لنا من عادة! فاستيقظ بخلة وقال بشيء من الحدّة: ليمض رمضان كما مضى غيره من الشهور، وسنعوض ما فاتنا منه في ما يقبل من أيّام السلم!
-والنقل والكنافة والقطائف؟! ووقعت هذه الأشياء من نفسه موقعا ساحرا –على استيائه- لا لاشتهائه فحسب، ولكن لما دعته من ذكريات الشهر المحبوب وعهود الصبا خاصة، بيد أنّ الذكريات الحنونة لم تغن عن حقيقة الغلاء الواقعة ولم تلطف من حدّة حرصه، فقال بلهجة حازمة رغم تحرّك الحنان في قلبه: لندع الكماليات في ظروفنا الحاضرة القاسية ولندع الله الكريم أن يعيننا على ضروريات الحياة.
وأصغى الوالد باهتمام إلى أقوال ابنه وإن تظاهر بعدم الاكتراث، ومال إلى تأييد الأمّ فيما تقول ولكن شجاعته لم تواته، فلما صاغ الابن رأيه في تلك اللهجة الحازمة، قال الوالد: ولا تغلل يدك إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط. وأدرك أحمد أنّ أباه من حزب أمّه، ولم يسعه أن يواجهه بمثل صراحته في مخاطبة أمّه، لتعوّده مهابته منذ نعومة أظافره، وأشفق –كما أشفق دائما- من أن يعرض عن يده إذا امتدت له بطلب بعد أن صار أكبر اعتماده عليه، فسكت مرتبكا متحيّرا حتّى قال عاكف أفندي أحمد الأب: حسبنا قليل من الصنوبر والزبيب لضرورتهما في الحشو، ونصف لفة قمر الدين لتغيير الريق، ولنقنع من الكنافة بمرة واحدة، ومن القطائف –وهذه لا تقلى في السمن- بمرتين، وليس هذا عليك بكثير.
فهاله الأمر، وأيقن أنّه سينفق في هذا الشهر ما اعتاد توفيره كلّ شهر من النقود القلائل، وربما أجبر على سحب مبلغ آخر من صندوق التوفير، الأمر الذي ينغّص عليه صفوه، ثم ذكر شيئا آخر لا يقلّ خطورة عن الكنافة فقال: واللحوم؟!
فقالت له أمّه بما لها عليه من دالة: سمحت الحكومة ببيع اللحوم طوال الشهر الكريم، وما ذلك إلّا لأنّ قطعة اللحم حقيقة بأن تسند قلب الصائم المتهالك! فقال أحمد معترضا: ولكن ميزانيتنا أصغر من أن نقوم بابتياع رطل لحم كلّ يوم مع الحاجيات الأخرى! فقال الوالد مستعينا بقليل من الدهاء: صدقت ومن الأفضل أن نمتنع عن اللحوم مرة كلّ ثلاثة أيام!
… وجاء مساء الرؤية، وانتظر الناس بعد الغروب يتساءلون، وعند العشي أضاءت مئذنة الحسين إيذانا بشهود الرؤية –وقد اجتزأوا بالإضاءة عن إطلاق المدافع لظروف الطوارئ- وازينت المئذنة بعقود المصابيح مرسلة على العالمين ضياء لألاء، فطاف بالحيّ وما حوله جماعات مهللة هاتفة «صيام صيام كما أمر قاضي الإسلام» فقابلتها الغلمان بالهتاف والبنات بالزغاريد، وشاع السرور في الحيّ كأنّما حمله الهواء الساري، فلم يملك أحمد عاكف أن يقول: أين من رمضان شارع قمر هذا الرمضان البهيج؟! فابتسم الوالد وقال: وماذا رأيت ممّا رأيت يا غلام؟! أشهدت رمضان في حيّنا الجديد هنا قبل الحرب؟».
علي باي العباسي.. رحلات عبر المغرب
كانت غاية الكاتب والرحالة المغامر الإسباني ضومنغو باديّ (1767-1818)، المتنكر في شخصية مسلم يُدعى علي باي العباسي، من هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر الكشف عن كلّ المظاهر الاقتصادية والاجتماعية والدينية في المغرب. يصف في كتابه «رحلات عبر المغرب» أجواء رمضان: «صيام شهر رمضان هو الحكم الإلهي الرابع ضمن أركان الإسلام، ويتمثّل في عدم الأكل، والشرب والتدخين، بل وحتّى استنشاق عبق العطور والفواكه، مع المحافظة على العفّة التامة، من وقت الفجر أو الغسق السابق على طلوع الشمس إلى غروبها، طيلة الأيام التسعة والعشرين أو الثلاثين من شهر رمضان.
يلزم هذا الصيام الرجال والنساء، باستثناء المرضى والمسافرين والنساء الحوامل أو الطوامث أو المرضعات أو غير البالغين أو الشيوخ الواهنين أو الأشخاص الذين قد يعرّض انقطاعهم عن الأكل صحتهم للخطر والمجانين. وإذا قطع أحدهم صيامه نسيانا أو سهوا أو لمرض أو سفر أو لسبب شرعيّ آخر، فإنّه ملزم بأن يردّ هذا الدين بصيام عدد الأيام التي أفطر فيها، في وقت يحدده حسب هواه. لكنّ مخالفة الصيام بالإفطار عمدا ودون سند شرعيّ يجب التكفير عنها… وبداية من غروب الشمس إلى ساعة صلاة الصبح يمكن للمسلم أن يأكل ويشرب ويدخّن وأن يتسلى كما يشاء خلال الليل. لكن الأشخاص الأتقياء يهتبلون الوقت للصلاة والتعبّد في بيوتهم أو في المساجد، يقرؤون القرآن… تكفّ خلال هذا الوقت الخصومات وتجتمع الأسر ويغاث فيه الفقراء أكثر من أيّ وقت آخر بصدقات سخية. وتكون المساجد مفتوحة ومضاءة طيلة الليل، ويدخل الناس إليها جماعات ويخرجون منها دون توقف، ويقبل الناس رجالا على المتاجر التي تظلّ مفتوحة وكذلك المقاهي، ويلتزمون دوما الوقار الذي يطبع المسلم. وبما أنّهم يقضون اليوم كلّه دون أكل ولا شرب، فإنّهم ينتظرون بفارغ الصبر ساعة المغرب. وعند أوّل إشارة أذان من قبل المؤذّن تدبّ الحركة في الجميع، وبسرعة يشرعون في احتساء عصيدة من الدقيق… ثمّ يؤدّون الصلاة ويتعشّون بعد ذلك بقليل. الكثير منهم يأكلون ثلاث مرّات أو أربع مرّات في الليلة، لكنّني كنت أتناول الشاي في الصباح قبل الفجر بعض العصيدة وقليلا من الكسكس.
وبما أنّ الشهور العربية قمريّة، وأنّ كل شهر يبتدئ لحظة رؤية الهلال الجديد بالعين المجرّدة، فإنّ المسلمين يكونون جدّ منتبهين أثناء التطلّع إلى السماء، وهم لهذا السبب يمتلكون حاسّة دقيقة ورؤية جدّ ثاقبة، بحيث إنّهم قد دلّوني مرّات عديدة على الموضع حيث كانوا يرون الهلال، والذي كان يستحيل عليّ أن أدركه، وبعد ذلك كنت أكتشفه بدقّة مستعينا بمِرْقاب (تلسكوب) في الموضع ذاته الذي عيّنوه لي مقارنة مع موضع أرضي آخر. وللإعلان عن دخول الشهر الجديد، تكفي شهادة شاهدين يدليان أيام أمام القاضي بأنّهما رأيا الهلال، وفي الحال التي تحول فيها الغيوم دون رؤية الهلال، فإنّ إتمام ثلاثين يوما من الشهر السابق يفسح الطريق للشهر الجديد. وبغية تسهيل مراقبة الهلال، حسبت مسبقا أيام إطلال الأهلّة الجديدة، وأعطيتهم ما يشبه جدول تقويم سنويّ، ودعّمت دقّة توقّعاتي ثقتهم الكاملة بي فاكتفوا به دون تحرّج في ضبط بداية ونهاية شهر رمضان».
ترجمة: مزوار الإدريسي
إصدارات
سرديات أنثروبولوجيا الرواية
نقرأ في ظهر غلاف كتاب «سرديات أنثروبولوجيا الرواية»، الصادر عن دار النشر سليكي أخوين بطنجة، للروائي والناقد أحمد بن شريف: «لقد تمّ تناول المتخيّل من لدن باحثين متخصصين في حقول معرفية متعددة، نخصّ منها بالذكر حقل الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتحليل الأدبي، وتمت الإفادة من الدراسات الفلسفية المشتغلة على موضوعات من صميم المتخيّل في صيغته العامة، إلى جانب هذا تمت الإفادة أيضا من التحليلات الأنثروبولوجية التي كرّست لهذه الغاية حيّزا كبيرا وصرفت جهودا كبرى. إلّا أنّ المتخيّل باعتباره مصطلحا علميا يفرض علينا أن ندقق –مليا- في استعمالاته ونرصد دلالاته، قبل الإقدام على أيّة مغامرة تأويلية قد تشوش على الأذهان بخلطها لمستويات توظيف هذا المصطلح، وقد تربك الإطار العام الذي لأجله وظف هذا المصطلح، في هذا المقام أو ذاك. للإشارة وضمن هذا المدخل ينبغي أن ندرك مسبقا أنّ المصطلح استعمل منذ القدم لكن بصيغ مختلفة، وتفاوتت طرائق استعماله وتداوله، ولقد تمّ التعبير عنه بصيغة غير الصيغة التي استقرّ بها مع الدارسين المحدثين والمعاصرين».
مقتطفات
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
يقدّم مارك كوكيلبيرغ، أستاذ فلسفة الوسائط والتكنولوجيا في قسم الفلسفة بجامعة فيينا، كتابه «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» بالقول: «تُثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي قضايا أخلاقيةً مُعقَّدة، تُشكِّل موضوع نقاش دائمًا.
ويُقدِّم لنا هذا الكتاب نظرةً عامة حول عددٍ كبير من تلك القضايا، تتجاوز الضجة المُثارة حوله وعن سيناريوهاته الكابوسية، ليَطرح أمامنا قراءةً مهمَّة وآسِرة لعصر الذكاء الاصطناعي الذي نعيش فيه، ويُسلِّط الضوء على مسائل أخلاقية مهمة، مثل الخصوصية، والمسؤولية، وتفويض اتخاذ القرار، والشفافية، والتحيُّز، ويناقش مستقبل العمل في ظِل تَطوُّر الذكاء الاصطناعي المُتزايد، ويدعو إلى ممارساتٍ تُراعي القِيَم والأخلاق في تصميم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتنطوي على رؤية أفضل للحياة وللمجتمع».
ويطرح الفصل الثاني، المعنون بالذكاء الفائق والوحوش ونهاية العالم بالذكاء الاصطناعي، فكرة الذكاء الفائق وتجاوز الإنسانية: «أدَّت الضجة المُحيطة بالذكاء الاصطناعي إلى ظهور جميع أنواع التكهُّنات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ومستقبل ما سيكون عليه الإنسان.
إن إحدى الأفكار الشائعة، والتي تتكرَّر كثيرًا في وسائل الإعلام وفي النقاشات العامة حول الذكاء الاصطناعي، بل ينشرها أيضًا خبراء التكنولوجيا المؤثِّرون الذين يُطوِّرون تقنية الذكاء الاصطناعي مثل إيلون ماسك وراي كورزوايل، هي فكرة الذكاء الفائق، وبشكلٍ أكثر عمومية، فكرة أن الآلات ستُسيطر علينا، وتستعبِدنا وليس العكس.
بالنسبة إلى البعض، هذا حلم؛ وبالنسبة إلى الكثيرين، هذا كابوس. وهناك مَن يرَون أنه حلم وكابوس في الوقت نفسه». بعدها ينتقل المؤلف للتطرق إلى تاريخ الفكرة الموغلة في القدم: «مِن السبل التي يُمكننا اتخاذها لتجاوُز الضجة المثارة أن نفكِّر في بعض السرديات ذات الصلة من تاريخ الثقافة البشرية التي تُشكل المناقشة العامة الحالية حول الذكاء الاصطناعي. فليست هذه هي المرة الأولى التي يتساءل فيها الناس عن مُستقبل البشرية ومُستقبل التكنولوجيا. ومهما كانت بعض الأفكار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تبدو غريبة، فإننا يُمكننا استكشاف صِلتها بأفكار وسرديات أكثر شهرة توجَد في وعينا الجمعي، أو بشكلٍ أدق، في الوعي الجماعي للغرب.
أولًا، هناك تاريخ طويل للتفكير في البشر والآلات أو المخلوقات الاصطناعية في الثقافات الغربية وغير الغربية على حدٍّ سواء. يُمكن العثور على فكرة إنشاء كائنات حية من مادة غير حية في قصص الخلق في الثقافات السومرية والصينية واليهودية والمسيحية والإسلامية. فقد كانت لدى الإغريق فكرة إنشاء بشَر اصطناعيين، وخاصة النساء الاصطناعيات.
على سبيل المثال، في الإلياذة، يُقال إن هيفايستوس يقوم على خدمته خَدَم مصنوعون من الذهب يُشبهون النساء. وفي أسطورة بيجماليون الشهيرة، يقع النحَّات في حُب تمثال امرأة صنَعَه من العاج. ويتمنَّى أن تدبَّ فيه الروح ويُصبح امرأة حقيقية، فتُحقِّق له الإلهة أفروديت أُمنيته: فتصبح شفتاها دافئتَين وجسدُها ناعمًا. ويُمكننا بسهولة هنا ملاحظة الصِّلة بين ذلك والروبوتات الجنسية المعاصرة. ثم يتساءل: «لتجاوز الضجة المُثارة حول الذكاء الاصطناعي وتجنُّب حصر مناقشة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في أحلام المستقبل البعيد وكوابيسه، يُمكننا (1) استخدام الفلسفة والعلم لفحص ومناقشة الافتراضات المتعلِّقة بالذكاء الاصطناعي والإنسان الذي يلعب دورًا في هذه السيناريوهات والمناقشات (مثل: هل الذكاء العام مُمكن؟ ما الفارق بين الإنسان والآلة؟ ما العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا؟ ما الوضع الأخلاقي للذكاء الاصطناعي؟)؛ و(2) النظر بتفصيلٍ أكثر إلى ماهية الذكاء الاصطناعي الموجود وما يفعله اليوم في التطبيقات المختلفة؛ و(3) مناقشة المشكلات الأخلاقية والاجتماعية الأكثر واقعيةً وإلحاحًا التي يُثيرها الذكاء الاصطناعي كما يُطبق اليوم؛ و(4) التفكير في سياسة الذكاء الاصطناعي للمستقبل القريب؛ و(5) طرح تساؤل عما إذا كان التركيز على الذكاء الاصطناعي في الخطاب الجماهيري الحالي مُفيدًا في ضوء المشكلات الأخرى التي تُواجهنا، وما إذا كان تركيزنا ينبغي أن ينصبَّ على الذكاء الاصطناعي وحدَه. وسوف نتبع هذه المسارات في الفصول القادمة من الكتاب.
يخلص الكاتب أخيرا «بعد كلِّ ما قيل، حان الوقت الآن للتحوُّل إلى قضايا أكثر عملية. هذه القضايا لا تتعلَّق بالمُشكلات الفلسفية التي يطرحُها الذكاء الاصطناعي العام المُفترض، أو بالمخاطر المتَّصلة بالذكاء الفائق في المستقبل البعيد، أو بالوحوش المخيفة الأخرى التي يخلقها الخيال العلمي. إنها تتعلق بحقائق الذكاء الاصطناعي القائمة بالفعل، والتي هي أقلُّ وضوحًا وربما أقل جاذبية، ولكنها لا تزال شديدة الأهمية. إن الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي لا يأخُذ دور وحش فرانكنشتاين أو الروبوتات المُذهلة المزوَّدة بالذكاء الاصطناعي التي تُهدِّد الحضارة، كما أنه أكثر من مجرد تجربةٍ فكرية فلسفية.
الذكاء الاصطناعي يتعلَّق بتقنياتٍ سريةٍ غير مرئية ولكنها مُتغلغلة ومنتشرة وقوية ومتزايدة الذكاء، تلك التقنيات التي تُشكِّل بالفعل حياتنا اليوم. ومن ثَمَّ، فإن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تتعلَّق بالتحديات الأخلاقية التي يُثيرها الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي وفي المُستقبل القريب، كما تتعلق بتأثير هذه التحدِّيات على مجتمعاتنا وديمقراطياتنا الهشَّة. إن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تتعلَّق بحياة الناس وبالسياسة. إنها تتعلق بحاجتنا، كأفرادٍ وكمجتمعات، إلى التعامُل مع القضايا الأخلاقية الآن».
رفّ الكتب
في جوّ من النّدم الفكري
المغربي عبد الفتاح كيليطو كاتب من طينة أخرى تكاد تستحيل مقاربته إلا من زاوية القراءة والتتبع عبر مساراته التأويلية، التي تقتضي الكثير من النباهة والانخراط الكلّي في مغامراته المتشعبة في أصولها ومرجعياتها، خاصة في ما يتعلّق بالنصوص الكلاسيكية العربية التي تحظى لديه بالكثير من العناية، منذ نقطة الانطلاق من المقامات وبنياتها السردية وحمولتها اللغوية فائقة التعقيد.
قد تبدو كتابة عبد الفناح كيليطو كتابة تتّخذ منحى الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس حيث الكتابة نفسها تخضع لتأويل الكتابة في حدّ ذاتها، وبذلك تفتح أمام الدراسات الأدبية في كلّ مستوياتها النقدية والتأويلية أفقا مغايرا وتجديديا، أداتها المعرفة التراثية من جهة وأهم المدارس النقدية الحديثة والاطلاع الواسع على الآداب العالمية بتياراتها وخصائصها المميزة. وليس غريبا أنّ آخر جائزة نالها كيليطو نوّهت ببراعته في تأويل الأعمال السردية العربية القديمة بدراسات مكثفة أحاطت بها في شتى أنواعها.
لهذا كانت قراءة عبد الفتاح كيليطو للتراث السردي العربي القديم محفلا لدراسات أدبية تقارب المناهج الحديثة من البنيوية والسيميائية وخلفياتها الفلسفية الغربية، وتمكّنا من الدرس البلاغي العربي القديم، وذكاء في التقاط المفارقات الثاوية خلف النصوص، مع الإلحاح على متعة القراءة الذي يخفي وراءه صرامة التحليل والرؤية المنهجية الثاقبة.
على سبيل المثال نقرأ، في كتابه «في جوّ من الندم الفكري»، هذا العنوان الذي استوحاه الكاتب واستهلّ به كتابه من مقولة غاستون باشلار: «إذا ما تحررنا من ماضي الأخطاء، فإنَّنا نلفي الحقيقة في جوٍّ من النَّدم الفكري. والواقع أنَّنا نعرف ضدَّ معرفة سابقة، وبالقضاء على معارف سيِّئة البناء، وتخطِّي ما يعرقل، في الفكر ذاته، عملية التفكير»، وبالتحديد في فصل (النقطة الفاصلة) حيث يتناول القضية المعقدة بين الخطأ وتصحيحه أو علاجه حسب الكاتب، وعلاقتها بعملية الكتابة، وذلك من خلال إحالات ومرجعيات أدبية مختلفة يستقصي فيها ارتباط الخطأ بعملية الكتابة والإبداع عموما: «حين كنّا تلاميذ كان معلّمونا ينصحونا، بخصوص تمرين الإنشاء، أن نراجع ما كتبنا بهدف استدراك ما قد يكون فيه من أخطاء لغوية، قبل أن نسلّمه لهم للتصحيح. كنّا نعتبر الخطأ شيئا عرضيا، مردّه إلى الإهمال ويكفي قدر من التركيز لتلافيه. مراجعة سريعة وتنتهي مهمتنا، هكذا كان الأمر. أمّا اليوم فإنني أعيد النظر في ما كتبت عشرات المرات، ولا أتوقف إلّا وفي ذهني أنني إن أعدت القراءة سأكتشف هفوات جديدة، خلافا لما كنت أعتقد في صغري. اتّضح لي أنّ الخطأ ليس شيئا يحدث أو لا يحدث، إنّه على العكس المكوّن الأساس للكتابة، معدنها وطبعها. أن تكتب معناه أن تخطئ. تساءل رولان بارت عن سكرتيرته المثالية التي لا ترتكب أخطاء، حين تقوم برقن نص من النصوص، وأجاب: «ليس لها وعي».
في البدء كان الخطأ، أو المرض، على الأقل إذا صدقنا ما جاء في مسرحية جول رومان «كنوك». كنوك طبيب مزيف، مشعوذ قدم إلى إحدى القرى لتعويض طبيبها الرسمي. ماذا حصل؟ يدخل عنده شخص يشكو من وعكة طفيفة فيخرج من العيادة منهارا بعد أن أقنعه كنوك بأنّ داءه عضال وحالته ميئوس منها، والأدهى أنّه سيفلح في النهاية حتّى في إقناع الطبيب الرسمي بأنّه مريض. المرض والحالة هذه هو الأصل، والعافية مجرّد خطأ.
هكذا تبدو كتاباتي عندما أعيد قراءتها، نصوصا مريضة يتعيّن علاجها، مع يقيني أن العلاج لا نهاية له. هنا ربّما ندرك تعريفا للنص الأدبي. إنّه لا يفتأ يُعالج، بكلّ معاني الكلمة. قد يقضي المرء عمره يصحّح قصيدة، وقد يموت وفي نفسه شيء منها، يموت وهو يعتقد أنّها ليست تامة كاملة. هل سينتهي الأمر عند وفاته؟ هل سيقتنع القراء بما أنجز؟ نعم إذا كانوا يقدرونه. ومع ذلك سيودّون تصحيحه بصفة أو بأخرى، ليتسنّى لهم الإتيان بجديد، لإبداع ما يميّزهم. وغير بعيد عن هذا أليست الترجمة عملية تصحيح للنص الأصلي؟ هكذا يغدو تاريخ الأدب تاريخ مراجعة متواصلة.
يمكن تمثيل هذا الأمر بالإحالة إلى علامة كتابية تغيب عنّا أحيانا أهميتها، وهي النقطة الفاصلة. هذه العلامة، كما لاحظت مرارا، غائبة عن الكتابة العربية، الأدبية منها والصحفية، على عكس علامة التعجب التي يكثر استعمالها، ولا يُكتفى بعلامة واحدة، بل تخطّ ثلاث مرّات. يرى البعض، وعلى رأسهم ريجيس دوبري، أنّ النقطة الفاصلة هي جوهر العمل الأدبي، مكوّنه الأساس وحجر الزاوية فيه . ذلك أنّها تُنهي الجملة دون أن تنهيها، تختمها وفي آن تجعلها تتطلع إلى شيء زائد، إلى إضافة وتكملة.





