
كانت فرنسا خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1949 و1954 تخوض حربا ضروسا، محاولة الحفاظ على إمبراطوريتها الاستعمارية في الهند الصينية. لكن الدعم الذي تلقته حركات التحرر من الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية، خاصة في شمال الفيتنام، جعل الفرنسيين يقررون إقامة حامية عسكرية محصنة تعزز وجودهم في منطقتهم وتمنع هجوم الفيتنام الشمالية في وادي «ديان بيان فو»، وهو الوادي الذي تحيط به المرتفعات والهضاب والجبال المغطاة بالغابات الكثيفة.
ووفق رؤية القيادة العسكرية، تشكل هذه الحامية خط دفاع للجنود، إذا تمسكوا بمواقعهم في التلال الداخلية، بحيث يمكنهم الحصول على الدعم في حالات الحصار من خلال جسر جوي. كما شكلت طبيعة الأرض الجبلية والغابات عاملا إيجابيا لمصلحتهم، إذ إنها تمنع المقاتلين المهاجمين من نقل العتاد العسكري الثقيل، خاصة سلاح المدفعيات اللازم لشن هجوم محتمل على القوات الفرنسية في تلك القاعدة الحصينة.
استغل الفيتناميون وقائدهم الأسطورة الجنرال «جياب» طبيعة بلادهم وعزيمة المقاتل الفيتنامي، فحملوا المدافع إلى أعالي الجبال وبين أحراش الغابات، فشنوا هجوما مفاجئا وأطلقوا وابلا من نيران مدفعيتهم الثقيلة، أعقبه هجوم مركز من المشاة، وخلال يومين أحكموا الحصار على قاعدة ديان بيان فو.
وما زاد من تعقيد وضع القوات الفرنسية أن الجسر الجوي لم يعد يفيدهم في شيء، بسبب توفر المقاتلين الفيتناميين على سلاح مضاد للطائرات. وانتهت المعركة بأعداد مهولة من القتلى وجحافل من الأسرى والمفقودين، والباقي منهم جرت مفاوضات بين الطرفين لترتيب انسحابهم.
كان من نتائج معركة ديان بيان فو أن القوة الاستعمارية الفرنسية أصيبت بضربة قاصمة في وجودها الاستعماري، الممتد تقريبا في كل قارات العالم وانتهاء سطوتها الاستعمارية، والدخول في صراعات مضنية ومكلفة مع مستعمراتها المطالبة باستقلالها، والتي تواصلت لسنوات وانتهت في سنوات قليلة إلى استقلالها. ناهيك عن الخسائر الفادحة في القتلى والمفقودين، ما جعل فرنسا تعيد النظر في سياستها العسكرية، والبحث عن رؤية جديدة لوضعها في أوروبا والعالم. كان من أسبابه انطلاق المشروع النووي الفرنسي، ثم تأسيس السوق الأوروبية المشتركة التي تحولت في ما بعد إلى الاتحاد الأوروبي.
غير أن من النتائج الأكثر أهمية تلك التي تمثلت في انسحاب الفرنسيين، مخلفين وراءهم تقسيما للفيتنام بين الجنوب والشمال، ودول أخرى في الهند الصينية واستمرار الصراع بين مكوناتها، ما فتح الباب لمسار تاريخي سيستمر لأكثر من عقد من الزمان بدخول الولايات المتحدة الأمريكية طرفا رئيسيا ومباشرا في المنطقة.
وشكلت معركة «ديان بيان فو» حدثا مثيرا غير وجه التاريخ، وكانت أول هزيمة عسكرية لأحد أكبر البلدان الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية؛ فرنسا التي أرغمت على الانسحاب إلى جنوب الفيتنام والدخول في مفاوضات عسيرة للحفاظ على مصالحها، وخروجها من المنطقة بأقل الأضرار الممكنة.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فرغم انتهاء هذه المعركة بكل نتائجها الخطيرة، وخلال الحرب الباردة سيتكرر الحدث بالطريقة والنتائج نفسها. فالولايات المتحدة الأمريكية ظلت كعادتها الحذرة تتجنب التورط في هذه الحروب المكلفة، خصوصا على مستوى الخسائر البشرية، لكنها في مواجهتها للمعسكر الشرقي ونفوذه القوي في الشرق الأقصى، وجدت نفسها منغمسة في حرب طويلة الأمد في شمال الفيتنام، لمناصرة كيان جنوب فيتنام الذي ورثته عن الاستعمار الفرنسي. وامتدت هذه الحرب من سنة 1968 إلى سنة 1975، وتكبدت فيها الولايات المتحدة خسائر جسيمة في الأرواح، بغض النظر عن سمعتها على المستوى السياسي والإنساني.
كانت معركة ديان بيان فو من أهم معارك القرن العشرين، إذ تحولت إلى رمز لحروب التحرير الوطنية ودافعا لقوى التحرر في العالم، امتد تأثيره على الخصوص في آسيا وإفريقيا على مدى عقود ساهمت في تغيير وجه التاريخ المعاصر.
نافذة:
شكلت معركة «ديان بيان فو» حدثا مثيرا غير وجه التاريخ وكانت أول هزيمة عسكرية لأحد أكبر البلدان الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية





