
يونس جنوحي
يوم التاسع من دجنبر 1681 انطلق محمد بن حدو أعطار، إذن، في رحلته إلى بريطانيا للقاء الملك تشارلز الثاني.
كان الإنجليز يعتقدون أن أعطّار، أو «العطار» كما كتبوا اسمه في وثائق المراسلات الرسمية، على دراية بثقافة الإنجليز، ولا يُعلم إلى الآن مصدر المعلومة التي وثقها الإنجليز في مراسلات القنصلية في طنجة، والتي تفيد بأن أعطار ينحدر من أم بريطانية.
أعطار، حاكم تطوان السابق، والقايد الذي يعلم جيدا «طقس» المخزن وتقلباته، وضع أمام عينيه هدفا واحدا هو التفاوض مع الإنجليز لحصد أكبر عدد من الامتيازات لصالح السلطان مولاي إسماعيل. لكن ما أثقل تفكيره هو ملف احتلال الإنجليز لطنجة.. فقد كان المولى إسماعيل في تلك السنة يرغب في أن تتحرر طنجة وتعود إلى حوزة المغرب.. وبحكم أن أعطار اشتغل حاكما لتطوان، فقد كان على اطلاع على عمق المشكلة المغربية في طنجة، ولهذا السبب أساسا اختاره المولى إسماعيل لتلك السفارة.
أما مشكلة المترجم «المُرتد جوناس»، كما لقبه الإنجليز في وثائق القنصلية في طنجة، فحسمها المولى إسماعيل.. فبعد أن رفع القنصل رسالة بشأن المترجم الذي يفترض أن يرافق السفير أعطار، واعتراض الإنجليز عليه بحكم أنه كان أسيرا بريطانيا لدى المغرب، وأعلن اعتناقه الإسلام وبالتالي تحرر من الرق، وأصبح ترجمانا رسميا، كان السلطان مولاي إسماعيل هو الذي حسم الخلاف.. وهو ما يمكن فهمه على أن السلطان كان متفوقا في التفاوض مع بريطانيا.
ولم يجد البريطانيون بُدا من الموافقة على اصطحاب السفير محمد بن حدو أعطار لترجمانه «جوناس»، لكي تنطلق الرحلة أخيرا وتصل إلى بريطانيا يوم 11 يناير 1682.
تفوق أعطار على موظفي القنصلية البريطانية في طنجة أجمعين، عندما أحال مشكل المترجم إلى السلطان.. فبعد أن وصلت رسالة المولى إسماعيل، وفيها الجواب النهائي بضرورة اصطحاب المترجم، وجد الإنجليز أنفسهم أمام خيارين: إما السماح للسفير المغربي بمغادرة طنجة بحرا في اتجاه بريطانيا، أو التمسك برفض وجود مرتد بريطاني ضمن أعضاء الوفد المغربي الرسمي، وبالتالي تلغى الزيارة من أساسها، وتفقد بريطانيا فرصة ثمينة للتفاوض وإبرام اتفاقيات مع المغرب.
ورغم أن الإنجليز هددوا بداية بإمكانية انقلاب المترجم «جوناس» على الوفد المغربي إن وصل إلى بريطانيا، ليصبح بين «أبناء قومه»، إلا أن أعطار لم يعر الأمر أي اهتمام، فقد كان السلطان المولى إسماعيل يضع ثقته في الترجمان «جوناس»..
وصل أعطار إلى بريطانيا رسميا يوم 29 دجنبر 1681، ونظم له استقبال رسمي ترأسه وفد حكومي، واصطحب من الميناء في «ديل».
من «ديل» انطلق الموكب، ولم يكن السفير أعطار، ومن معه من المرافقين والمخزنيين، ارتاحوا بعدُ من وعثاء السفر.
انطلقت عربة ملكية تقل أعطار إلى لندن. عشرة أيام فصلت بين وصول السفير إلى التراب البريطاني، والاستقبال الرسمي الذي خصه به الملك تشارلز الثاني في قاعة «بانكينتنغ»، داخل قصر «الهوايتهول» المهيب..
كتب البريطانيون عن دهشة المخزنيين المرافقين لأعطار، وانتبهوا أيضا إلى أن السفير بقي «واجما» وكان صعبا قراءة ملامح وجهه.. فقد كان نظره ثابتا، ولم يكن يعير اهتماما لما يحيط به من زخارف ولوحات فنية، ولم يُبد أي علامة إعجاب بالمعالم التي كانت تحيط به من كل جانب، في وقت كان مرافقوه «مسلوبين» كليا أمام أجواء قصر الملك تشارلز.
كان السياسي «جون إفلين» أحد الحاضرين في اللقاء بين السفير أعطار والملك تشارلز الثاني. وكتب مذكراته في مخطوط لا يزال نصه موجودا إلى اليوم في خزانة وثائق الملك تشارلز الثاني. وتولى المؤرخ البريطاني «د. روجرز» تحقيقها وضمنها بحثه الشهير عن العلاقات المغربية- البريطانية طوال أربعة قرون، أي منذ عهد الدولة السعدية. ونُشرت مذكرات السياسي «إفلين» في كتاب مثير عنوانه «Memoirs of John Evelyn».
من أهم ما نقله المؤرخ «روجرز» عن اللقاء بين أعطار والملك تشارلز الثاني، على لسان «إفلين» يوم 11 يناير 1682:
«.. حضرتُ اللقاء مع السفير المغربي، كانت حاشيته قليلة العدد وتم استقباله في قاعة بانكينتنغ وحضر جلالة الملك وجلالة الملكة المقابلة، وتقدم إلى العرش دون أن يبدي أي نوع من التوقير فهو لم يحن رأسه أو قامته، وتحدث من خلال إنجليزي مرتد كان قد حصل على وعد بالعودة سالما.
..وكان الجميع يرتدون الزي المغربي، وهو عبارة عن لباس من القماش الملون أو الحرير، تُجمع أطرافه بأزرار. وفوق هذه ارتدوا الحاجة وهي عبارة عن عباءة فضفاضة تجمع الرأس والجسد. بالإضافة إلى عمامة صغيرة، وبقيت الأيدي والسيقان عارية. وإن كانوا قد انتعلوا أحذية جلدية خفيفة مثل الأتراك..
وكانت عمامة السفير مرصعة بعدد من المجوهرات.
وأتصور أنه لم يكن ثمة اختلاف كبير عن زي الرومان الأقدمين، خاصة في ما يتصل بالعباءة والأطراف العارية.
.. أما السفير فكان مهندما على درجة من الوسامة ذا مظهر حكيم ورقيق وحضاري إلى أبعد حد. وكانت الهدايا التي أتوا بها من الأسود وريش النعام.. إلخ.. أما مهمتهم فكانت حول السلام في طنجة. وبلغت الحشود والجلبة حولهم حداً لا يطاق إلى الدرجة التي عجز الضباط معها عن حفظ النظام مما كان مثار دهشة هؤلاء الأجانب، ذلك أن مثل هذه المناسبات في بلادهم تتسم بالنظام والهدوء والانضباط أكثر من أية مناسبات أخرى».




