
طبقا للتعليمات الملكية السامية الواردة في خطاب عيد العرش المجيد بتاريخ 29 يوليوز 2025، والخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية بتاريخ 10 أكتوبر 2025، حيث أكد الملك أنه «لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين»، ودعا إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، المرتكزة على العدالة المجالية والاجتماعية، والرامية إلى ضمان ولوج كل مواطنة ومواطن على قدم المساواة إلى ثمار التنمية. وتنفيذا للتعليمات الملكية خصصت الحكومة في مشروع قانون المالية لسنة 2026، غلافا ماليا أوليا بمبلغ 20 مليار درهم، لإطلاق هذه البرامج، لكن قبل ذلك، تم إطلاق برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، تم تحديد الغلاف المالي للبرنامج في ما يناهز 50 مليار درهم، على مدى الفترة من 2017 إلى 2023، لكن بعض المشاريع المتضمنة في البرنامج عرفت تعثرا في الإنجاز، رغم كلفتها المالية الثقيلة.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
يشمل برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، الذي شرع في تنفيذه ابتداء من سنة 2017، مختلف الجوانب الواردة في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لعيد العرش، بتاريخ 30 يوليوز 2015، وذلك بهدف تقليص العجز المسجل في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية، في مجالات التعليم والصحة والماء الصالح للشرب والكهرباء والطرق القروية.
ولهذه الغاية، تم توقيع مذكرة تأطيرية بمثابة اتفاقية-إطار في شهر يونيو 2017 من قبل القطاعات الحكومية المعنية (الداخلية، والاقتصاد والمالية، والفلاحة، والتربية الوطنية، والتجهيز والنقل والصحة)، إضافة إلى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
وقد تم تحديد الغلاف المالي للبرنامج في ما يناهز 50 مليار درهم، على مدى الفترة من 2017 إلى 2023، موزعة على مساهمة صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية بمبلغ إجمالي قدره 23,3 مليار درهم (47 في المائة)، ومجالس الجهات بمبلغ 20 مليار درهم (40 في المائة)، وصندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمبلغ 4 مليارات درهم (8 في المائة)، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بمبلغ 2,5 مليار درهم (5 في المائة).
مهمة رقابية لتقييم البرنامج
قام المجلس الأعلى للحسابات، بشراكة مع المجالس الجهوية للحسابات، بإنجاز مهمة رقابية لتقييم برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، سيما في ما يتعلق بالإنجازات المالية والحصيلة المادية وتحديد أبرز العوامل التي أثرت في هذه الحصيلة والمرتبطة أساسا بجوانب التخطيط، والبرمجة، والحكامة، وآليات تنفيذ المشاريع.
وسجلت خلاصات المهمة أنه تم تخصيص حوالي 71 في المائة من مجموع الاعتمادات المرصودة في إطار برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية لمشاريع بناء وتهيئة الطرق والمسالك، أي ما يُعادل 35,4 مليار درهم، مقابل 14,4 مليار درهم لباقي المجالات. وتوزعت هذه الأخيرة بين 6 مليارات درهم لمشاريع الربط بشبكة الماء الصالح للشرب (12 في المائة)، و5 مليارات درهم لمشاريع قطاع التعليم (10 في المائة)، وملياري درهم لمشاريع الربط بشبكة الكهرباء (4 في المائة)، و1,4 مليار درهم لمشاريع قطاع الصحة (3 في المائة).
ويعكس هذا التوزيع المالي تركيزا واضحا على قطاع الطرق والمسالك، مقارنة بباقي القطاعات الاجتماعية الأساسية، رغم ما تشكله مجالات الصحة والتعليم والماء من قطاعات حيوية في تقليص الفوارق الاجتماعية وتعزيز العدالة المجالية.
وفق ردها، أكدت وزارة الاقتصاد والمالية أنه منذ سنة 2017 تتم برمجة الاعتمادات المالية المتعلقة بمساهمة الميزانية العامة والمخصصة لصندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية. غير أنه تم الالتزام بمبلغ 23,3 مليار درهم لإنجاز برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، في حين لا تتعدى قيمة المشاريع التي انتقتها اللجنة الوطنية لتنمية المناطق القروية والمناطق الجبلية 19,28 مليار درهم، وقد تم صرف هذا المبلغ بالكامل من طرف الصندوق عبر مساهمة الميزانية العامة.
ومن جهتها، أشارت الوزارة المكلفة بالفلاحة والتنمية القروية (سكرتارية اللجنة الوطنية للبرنامج) إلى أن هذه النسبة تعكس حجم الحاجيات الملحة للمجالات القروية والمناطق الجبلية في ما يتعلق بمشاريع فك العزلة، وكذا ضرورة
انفتاح الدواوير والجماعات الترابية النائية على الأسواق ومراكز الأنشطة الاقتصادية والسياحة الإيكولوجية، فضلا عن تحسين الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية والخدمات المالية والإدارية. كما تعد الطرق والمسالك القروية رافعة محورية لتحقيق التنمية الترابية المستدامة، إذ تساهم في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز استقرار السكان، خاصة في المناطق الهشة والوعرة.
كما أشارت وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن هذا التركيز يُعزى إلى مخرجات هيكلة حكامة البرنامج، التي تقوم على بنك مشاريع يعكس حاجيات السكان، وعلى قرارات اللجنة الوطنية المكلفة بالتصديق على البرامج.
مشاريع متعثرة
بلغ عدد المشاريع التي تضمنها برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، منذ انطلاقه، ما مجموعه 11.281 مشروعا، من بينها 342 مشروعا تم إلغاؤها بعد اعتبارها غير ذات أولوية، أي ما يمثل 3 في المائة من المشاريع، بكلفة مالية تقديرية ناهزت 2,01 مليار درهم. ونتيجة لذلك، استقر عدد المشاريع المبرمجة فعليا، إلى غاية 31 دجنبر 2023، في حدود 10.939 مشروعا، بكلفة إجمالية تقدر بحوالي 47,58 مليار درهم.
وتوزعت هذه المشاريع على مختلف القطاعات، حيث شملت 3.656 مشروعا في مجال بناء وتهيئة الطرق، و2.481 مشروعا في قطاع التعليم، و1.839 مشروعا في قطاع الصحة، و1.705 مشاريع يهم الربط بشبكة الكهرباء، و1.258 مشروعا تتعلق بالربط بشبكة الماء الصالح للشرب. وغطى تنفيذ هذه المشاريع مختلف جهات المملكة، وامتد أثرها ليشمل 97 في المائة من العمالات والأقاليم، باستثناء عمالتي الرباط والدار البيضاء، على اعتبار أن البرنامج يهم أساسا المجال القروي. كما غطت 95 في المائة من الجماعات الترابية، أي ما مجموعه 1.423 جماعة.
وبلغت نسبة الإنجاز الكامل لهذه المشاريع، حسب الوزارة المكلفة بالفلاحة، إلى غاية متم يونيو 2025، ما يعادل 82 في المائة من مجموع المشاريع المبرمجة، أي ما مجموعه 9.026 مشروعا تم إنجازها بالكامل، في حين تشكل المشاريع التي كانت في طور الإنجاز، عند هذا التاريخ، حوالي 12 في المائة، أي ما يعادل 1.289 مشروعا، بينما تمثل المشاريع التي لم تعرف انطلاقة فعلية في التنفيذ نسبة 6 في المائة، أي ما يعادل 624 مشروعا.
في المقابل، سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن سجل أن نسبة الإنجاز عند نهاية سنة 2023، بلغت 75 في المائة من مجموع المشاريع المبرمجة في حين أن 13 في المائة من المشاريع في طور الإنجاز و12 في المائة لم تُنجز، أغلبها كان مبرمجا ضمن مخططات العمل لسنتي 2022 و2023.
ويعد استغلال البنيات المنجزة وتوفير شروط تشغيلها أحد المقومات الأساسية لتحقيق الأثر التنموي المنشود من البرنامج. ويتطلب ذلك تعبئة منسقة للموارد البشرية والمالية من قبل القطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمؤسسات المعنية. غير أن تحليل وضعية الإنجاز المادي للمشاريع، استنادا إلى المعطيات المستخرجة من نظام المعلومات إلى غاية متم شهر فبراير 2024، أظهر أن حوالي 8 في المائة من المشاريع المنجزة (المسلمة أو القابلة للاستغلال) لم تدخل بعد حيز الاستغلال الفعلي. ويُعادل هذا العدد 625 مشروعا من أصل 8.170 مشروعا تم استكمال إنجازها، وأغلبها تهم قطاع الماء الصالح للشرب (223 مشروعا) وقطاع الطرق (159 مشروعا).
وفي هذا الإطار، قامت لجنة مكونة من ممثلي وزارات الصحة، والتربية الوطنية، والداخلية (المديرية العامة للجماعات الترابية)، والتنسيقية الوطنية للتنمية البشرية بإنجاز تقييم ميداني بهدف حصر المنشآت غير المستغلة واقتراح التدابير الكفيلة بتفعيلها. وقد أسفر هذا التقييم عن تسجيل 188 بنية تعليمية وصحية مكتملة الإنجاز لم يتم بعد الشروع في تشغيلها، وذلك بسبب غياب الإجراءات اللازمة لتعبئة الموارد البشرية (42 في المائة) والتجهيزات الأساسية (25 في المائة)، أو نتيجة عدم ربطها بشبكات الماء (19 في المائة) والكهرباء (14 في المائة).
الأثر الملموس للبرنامج
أظهر تحليل تطور المؤشرات المرتبطة بتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية خلال فترة تنفيذ البرنامج تحسنًا ملحوظا على مستوى الجماعات المستفيدة، خصوصا تلك المصنفة ضمن الفئتين الخامسة والسادسة. وتضم هذه الجماعات وحدات ترابية تجاوز أداؤها المتوسط الجهوي في المؤشرات المعتمدة لقياس الفوارق، أو تتمتع بوضع أفضل نسبيا في أغلب القطاعات المستهدفة بالبرنامج. وقد استفادت هذه الفئات بشكل خاص من التدخلات المتعلقة بفك العزلة عبر بناء وتهيئة المسالك الطرقية، وكذا الربط بشبكة الكهرباء، وهو ما ساهم في تحسين مستوى المؤشرات الميدانية بها، والانتقال نحو مستويات أقل حدة من الفوارق.
إلا أن هذا التحسن لم يشمل بنفس الدرجة الجماعات المصنفة في الفئات الأولى والثانية والثالثة، بالرغم من أن أحد أهداف البرنامج يتمثل في تقليص عدد هذه الجماعات، رغم استفادتها من المشاريع المتعلقة بالمسالك والطرق القروية والربط بشبكة الكهرباء. وفي هذا السياق، أظهر التقييم أن وقع المشاريع المتعلقة بتوسيع الولوج إلى البنيات التحتية الصحية والتعليمية، وكذا الربط بشبكة الماء
الصالح للشرب، كان محدودًا مقارنة مع باقي مكونات البرنامج.
ويُعزى ذلك، جزئيا، إلى التباين المسجل في توزيع الغلاف المالي بين القطاعات، حيث خصص لقطاع الطرق نحو 70% من الميزانية الإجمالية للبرنامج، مما منحه أثرا أكبر على تحسين التصنيف المجالي للجماعات، مقارنة بباقي القطاعات الاجتماعية. كما تُضاف إلى ذلك محدودية الغلاف المالي المخصص بالنظر إلى حجم الحاجيات والأولويات المسجلة على مستوى المجالات المستهدفة، إلى جانب غياب توزيع يأخذ بعين الاعتبار مبدأ التكامل بين القطاعات، وضعف التنسيق مع البرامج التنموية الأخرى ذات الأهداف المتقاربة.
ويبرز هذا التفاوت الحاجة إلى إعادة النظر في معايير توزيع الاستثمارات بين القطاعات المستهدفة، وضمان قدر أكبر من التوازن بين فك العزلة وتوفير الخدمات الأساسية ذات البعد الاجتماعي، بما يُعزز أثر البرنامج على جودة الحياة في العالم القروي والمناطق الجبلية، ويُحقق تكافؤاً أكثر عدالة بين مختلف أبعاد التنمية المجالية.
توصيات المجلس الأعلى للحسابات
استنادا إلى نتائج المهمة التقديمية للبرنامج، أصدر المجلس الأعلى للحسابات توصيات موجهة إلى رئاسة الحكومة والقطاعات الوزارية المعنية، دعا من خلالها إلى وضع معايير رسمية وواضحة، يتم إعدادها بطريقة تشاركية بين مختلف المتدخلين، لتشخيص الفوارق المجالية والاجتماعية وتحديد المؤشرات اللازمة لقياسها، بهدف ضمان استهداف فعال للمناطق المعنية بالبرامج الحكومية الهادفة إلى تقليص هذه الفوارق، لاسيما من خلال اعتماد إطار موحد للبرمجة يمكن من تحديد الأولويات من أجل تعزيز التناسق والتكامل والالتقائية في برمجة وتنفيذ المشاريع من طرف جميع المتدخلين في المجال الترابي، عبر إشراك القطاعات الحكومية التي يمكن أن تساهم في تقوية وتجويد عمل هيآت حكامة برامج التنمية المحلية، والإشراك الفعلي للجماعات الترابية والفاعلين المحليين في مختلف مراحل تصميم وإنجاز واستغلال المشاريع.
وأوصى المجلس بإشراك الفاعلين في مجالي الإحصاء والتنمية الاجتماعية، خاصة المندوبية السامية للتخطيط والمرصد الوطني للتنمية البشرية، من أجل الاستفادة من أعمالهم وخبراتهم في مجال تتبع تطور مختلف مؤشرات التنمية المجالية والاجتماعية، فضلا عن الاستفادة من الخبرات والكفاءات التي تتوفر عليها الجامعات والمؤسسات المختصة في مجال البحث والابتكار، لاسيما في مجالات الجغرافيا الاقتصادية والسوسيولوجيا الترابية، وذلك من أجل ضبط أكثر دقة لخصوصيات كل مجال ترابي وبالتالي تجويد عمليات الاستهداف وتحديد الحاجيات.
كما أوصى المجلس بتطوير الإطار التنظيمي المؤطر لحكامة تنفيذ البرامج العمومية الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وترسيخ ثقافة التتبع والتقييم والمساءلة، بما يضمن وضوح المسؤوليات، وفعالية الأداء، ويُعزز مردودية الاستثمارات العمومية واستدامة أثرها التنموي، لا سيما من خلال تجويد عمل وفعالية لجان حكامة البرامج الحكومية واعتماد مقتضيات تنظيمية مرجعية تؤطر أعمالها وتوثقها (أنظمة داخلية وما إلى ذلك…)، وآليات لتتبع قراراتها وتوصياتها، وإعداد الدراسات المتعلقة بالمشاريع وفق معايير التنميط والقواعد التقنية المطلوبة وتحيينها عند الاقتضاء، واعتماد دليل للمعايير التقنية التي يجب مراعاتها حسب نوعية المشاريع، مع الحرص على تسوية الوعاء العقاري والحصول على التراخيص القانونية قبل الشروع في تنفيذ المشاريع.
ودعا المجلس إلى إيلاء الأهمية اللازمة لتتبع المشاريع مع العمل على إشراك اللجان الجهوية للتنسيق المكلفة بتحقيق الانسجام والالتقائية ما بين السياسات والبرامج والمشاريع العمومية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب وبرامج التنمية الجهوية، وكذا مواكبة وتتبع تنفيذ البرامج والمشاريع الاستثمارية على المستوى الجهوي.
وشدد المجلس على ضرورة الاستثمار الأمثل لمختلف الخبرات والموارد البشرية المتاحة على المستويين المركزي والجهوي، مع مراعاة حجم المؤهلات والقدرات التدبيرية للموارد البشرية للهيئات المكلفة بالإشراف، وذلك عند توزيع مهام التنفيذ واختيار الجهات الأنسب لتحمل المسؤولية، بما يضمن فاعلية الأداء وحسن تنزيل البرامج، بالإضافة إلى مواكبة إنجاز المشاريع بالتحضير المسبق لشروط استغلالها، من خلال تعبئة الموارد البشرية والاعتمادات المالية الضرورية لضمان استمرارية خدماتها وصيانتها واستدامة أثرها، مع الحرص على معالجة حالات التعثر بالتنسيق مع القطاعات والجماعات الترابية المعنية.
كما يوصي المجلس رئاسة الحكومة والوزارة المكلفة بالمالية بتوثيق المنهجية المتبعة في تقسيم الغلاف المالي وإرساء آلية للتأكد من تقديرات الالتزامات المالية لمختلف المتدخلين ومدى توفر الاعتمادات المطابقة لها، وكذا من واقعية الجدول الزمني لتوفير الاعتمادات اللازمة لإنجاز المشاريع المبرمجة وفق الآجال المحددة، وحث المتدخلين في البرنامج على احترام التأطير المالي المتفق عليه في إعداد المخططات السنوية المصادق عليها من طرف اللجنة الوطنية لتنمية المجال
القروي والمناطق الجبلية.
برامج داعمة لأهداف تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية
لم يعد تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية بالمغرب رهينا ببرنامج واحد، بل أضحى ورشا أفقيا تتقاطع فيه عدة برامج واستراتيجيات عمومية تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى تحقيق العدالة الترابية وتحسين ولوج المواطنين إلى الخدمات الأساسية وفرص التنمية. فإلى جانب البرنامج الوطني المخصص مباشرة لهذا الهدف، برزت حزمة من المبادرات القطاعية والمندمجة التي تصب في الاتجاه نفسه، سواء في العالم القروي أو بالمناطق الحضرية الهشة.
وتكشف قراءة متأنية لخريطة السياسات العمومية أن الدولة اعتمدت خلال السنوات الأخيرة مقاربة متعددة المستويات، تقوم على الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، بالتوازي مع دعم الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات الهشة، وهو ما يعكس وعيا متزايدا بترابط أبعاد الفوارق المجالية.
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
تُعد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من أبرز البرامج التي تلتقي أهدافها مع ورش تقليص الفوارق، خاصة في شقه الاجتماعي. فمنذ إطلاق مرحلتها الثالثة، ركزت المبادرة على تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، ودعم الفئات في وضعية هشاشة، وتقوية الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة.
وقد أسهمت مشاريع المبادرة في تمويل آلاف الأنشطة المدرة للدخل، وتأهيل البنيات الاجتماعية المحلية، ودعم خدمات القرب، خصوصا في الجماعات القروية والأحياء الهامشية. كما لعبت دورا مهما في تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بما يوفر فرصا إضافية لتقليص الفوارق داخل المجال الترابي الواحد.
غير أن تقييمات ميدانية تشير إلى أن أثر المبادرة يظل متفاوتا بحسب المناطق، وأن نجاحها يرتبط بدرجة كبيرة بجودة الحكامة المحلية وقدرة الفاعلين الترابيين على بلورة مشاريع مستدامة.
تعميم الحماية الاجتماعية
يشكل ورش تعميم الحماية الاجتماعية أحد أهم الإصلاحات البنيوية ذات الأثر المباشر على تقليص الفوارق. فتمكين ملايين المواطنين من التغطية الصحية الإجبارية والتعويضات العائلية والتقاعد يساهم في الحد من الهشاشة الاجتماعية، خاصة في المناطق التي تعاني ضعفا في العرض الصحي والدخل.
وقد مكن توسيع التغطية الصحية من تقليص جزء من الفوارق في الولوج إلى العلاج، خصوصا لفائدة الفئات غير المهيكلة وسكان العالم القروي. كما أن تعميم التعويضات العائلية يرتقب أن يخفف الضغط الاجتماعي على الأسر محدودة الدخل.
ومع ذلك، يظل نجاح هذا الورش مرتبطا بتحسين العرض الصحي العمومي، إذ إن توسيع التغطية دون تقوية البنيات الصحية قد يحد من الأثر المجالي المرجو.
برنامج تقليص الفوارق في التعليم
في قطاع التعليم، تم إطلاق عدة برامج موازية تخدم هدف الإنصاف المجالي، من أبرزها توسيع النقل المدرسي، ودعم الإيواء بالمؤسسات الداخلية ودور الطالب والطالبة، وبناء مدارس جماعاتية بالعالم القروي.
وقد ساهمت هذه الإجراءات في الحد من الهدر المدرسي، خاصة في صفوف الفتيات بالمناطق الجبلية والقروية، كما حسنت نسب الولوج إلى التعليم الإعدادي والثانوي في عدد من الأقاليم.
لكن التحدي المطروح اليوم لم يعد فقط في الولوج، بل في جودة التعلمات وتقليص الفوارق في النتائج الدراسية بين الوسطين الحضري والقروي، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية في الموارد البشرية والتجهيزات الرقمية.
تأهيل القطاع الصحي وتقريب الخدمات
شهد القطاع الصحي بدوره برامج متعددة تروم تقليص الفوارق المجالية، من خلال بناء مراكز صحية قروية، وإحداث مستشفيات إقليمية، وتطوير وحدات طبية متنقلة لتغطية المناطق النائية.
وقد ساهمت هذه التدخلات في تحسين مؤشرات الولوج الأولي إلى الخدمات الصحية، غير أن الإشكال الأكبر ما يزال مرتبطا بالخصاص في الموارد البشرية الطبية وشبه الطبية، وبالتفاوت في جودة الخدمات بين الجهات.
ويرى خبراء أن تحقيق العدالة الصحية المجالية يمر عبر تحفيز الأطر الصحية على الاستقرار بالمناطق القروية، وتوسيع استعمال الطب عن بعد، وتعزيز حكامة المنظومة الصحية الجهوية.
برامج فك العزلة القروية والبنيات التحتية
تظل الطرق والمسالك القروية من أهم مفاتيح تقليص الفوارق، لذلك استمرت برامج فك العزلة في لعب دور محوري موازٍ للبرنامج الوطني. وقد تم خلال السنوات الماضية فتح وتأهيل آلاف الكيلومترات من الطرق القروية، مما ساهم في تحسين الربط بين الدواوير والمراكز الحضرية.
كما تم تعزيز برامج التزويد بالماء الصالح للشرب والكهرباء القروية، وهو ما انعكس إيجابا على ظروف العيش وعلى جاذبية بعض المجالات الترابية.
غير أن تحدي الصيانة والاستدامة يظل مطروحا بقوة، خاصة في المناطق الجبلية التي تتعرض فيها البنيات الطرقية للتدهور السريع بفعل العوامل المناخية.
دعم التشغيل والاقتصاد المحلي
من بين البرامج التي تخدم أهداف تقليص الفوارق أيضا، تلك المرتبطة بدعم التشغيل والإدماج الاقتصادي، سواء عبر برامج إنعاش التشغيل، أو دعم المقاولات الصغرى، أو تمويل حاملي المشاريع.
وقد ساهمت هذه المبادرات في خلق فرص اقتصادية محلية، خاصة لفائدة الشباب، لكنها ما تزال تواجه تحديات تتعلق بضعف الاستدامة الاقتصادية لبعض المشاريع، وصعوبة الولوج إلى التمويل في المناطق القروية.
ويؤكد متتبعون أن تقليص الفوارق المجالية لن يتحقق بشكل كامل دون خلق دينامية اقتصادية محلية قوية قادرة على تثبيت السكان في مجالاتهم.
الرقمنة كرافعة للعدالة الترابية
برزت الرقمنة في السنوات الأخيرة كأداة واعدة لتقليص الفوارق، عبر تعميم الخدمات الإدارية الرقمية، وتوسيع التغطية بالإنترنت، وإدماج الحلول التكنولوجية في التعليم والصحة.
وقد ساهمت بعض البرامج في تقليص المسافات الإدارية أمام المواطنين، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية. كما أن التعليم الرقمي والطب عن بعد يفتحان آفاقا مهمة لتجاوز الإكراهات المجالية.
لكن الفجوة الرقمية ما تزال قائمة، خصوصا في المناطق القروية والجبلية، ما يستدعي تسريع الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتعزيز الثقافة الرقمية لدى المواطنين.
الجهوية المتقدمة وتحقيق الالتقائية
تُعد الجهوية المتقدمة الإطار المؤسساتي الأبرز لتحقيق الالتقائية بين هذه البرامج المختلفة. فتمكين الجهات من صلاحيات أوسع وموارد مالية كافية يسمح بتوجيه الاستثمارات وفق الخصوصيات المجالية.
وقد بدأت بعض الجهات في بلورة برامج تنموية جهوية تركز على تقليص الفوارق داخل المجال الجهوي نفسه، غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بتقوية القدرات التدبيرية للجماعات الترابية وتعزيز التنسيق مع القطاعات الوزارية.
رغم تعدد البرامج، يطرح المتتبعون إشكالية تشتت الجهود وضعف الالتقائية في بعض الحالات، ما قد يؤدي إلى تداخل المشاريع أو ضعف أثرها المجالي. كما أن أنظمة التتبع والتقييم ما تزال تحتاج إلى مزيد من التطوير القائم على المؤشرات الدقيقة والبيانات المحينة.
ويبرز أيضا تحدي الشفافية في تنزيل المشاريع، وضمان توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر هشاشة وفق معايير موضوعية واضحة.
برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.. تحديات في الطريق
يشكل برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية أحد أبرز الأوراش العمومية التي أطلقتها الدولة المغربية، خلال العقد الأخير، بهدف معالجة الاختلالات التنموية بين المجالات الترابية، خاصة بين الوسطين الحضري والقروي. وجاء هذا البرنامج في سياق وطني يتسم بتنامي المطالب الاجتماعية وارتفاع منسوب الوعي بأهمية العدالة المجالية، باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق تنمية منصفة ومستدامة.
أُطلق البرنامج خلال الفترة الممتدة بين 2017 و2023، في إطار رؤية تروم تحسين مؤشرات التنمية البشرية وتقليص الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية، خصوصا في العالم القروي والمناطق الجبلية وشبه الحضرية. واستهدف البرنامج مجالات حيوية تشمل الطرق والمسالك القروية، والتزويد بالماء الصالح للشرب، والكهرباء، والتعليم، والصحة، إلى جانب دعم الأنشطة الاقتصادية المحلية.
مكتسبات وتحديات ملموسة على الأرض
الهدف المركزي للبرنامج تمثل في فك العزلة عن المناطق الهشة، وتحسين ظروف عيش السكان، بما يساهم في الحد من الهجرة القروية، وتقوية جاذبية المجالات الترابية الأقل استفادة من الاستثمارات العمومية. كما سعى إلى ترسيخ مبدأ الإنصاف الترابي الذي أصبح يحظى بمكانة متقدمة في السياسات العمومية.
ورُصد للبرنامج غلاف مالي مهم تجاوز عشرات المليارات من الدراهم، بمساهمة عدة قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية وجماعات ترابية، في إطار مقاربة تعاقدية وتشاركية. وتوزعت المشاريع على آلاف العمليات الميدانية التي همت مختلف جهات المملكة، مع تركيز خاص على الأقاليم التي تعاني مؤشرات هشاشة مرتفعة.
وشملت التدخلات فتح وتأهيل آلاف الكيلومترات من الطرق والمسالك القروية، وبناء وتجهيز مؤسسات تعليمية ووحدات صحية، إضافة إلى مشاريع تزويد الدواوير بالماء والكهرباء. كما تم دعم النقل المدرسي والإيواء، في محاولة للحد من الهدر المدرسي، خاصة في صفوف الفتيات بالعالم القروي.
وتفيد المعطيات الرسمية بأن البرنامج حقق تقدما نسبيا في عدد من المؤشرات، أبرزها تحسين نسبة الولوج إلى الطرق القروية، وتوسيع التغطية بالماء الصالح للشرب والكهرباء في عدد من المناطق التي كانت تعاني من عزلة مزمنة. كما ساهم في تقريب بعض الخدمات الاجتماعية من السكان، خاصة في مجالي التعليم والصحة.
وسجل متتبعون أن البرنامج مكن من تسريع وتيرة الاستثمار العمومي في العالم القروي، وخلق دينامية تنموية محلية في عدد من الجماعات الترابية، كما ساعد على تحسين مؤشرات التمدرس في بعض المناطق، بفضل توسيع خدمات النقل والإيواء المدرسي.
رغم هذه المكتسبات، لم يخلُ البرنامج من انتقادات، حيث سجلت تقارير رقابية وملاحظات ميدانية وجود تفاوت في وتيرة الإنجاز بين الجهات، إضافة إلى تأخر بعض المشاريع أو تعثرها لأسباب مرتبطة بالمساطر أو العقار أو ضعف التنسيق بين المتدخلين.
كما أشار مهتمون إلى أن الأثر الاجتماعي للبرنامج ظل متفاوتا، إذ لم تنعكس بعض الاستثمارات بالقدر الكافي على تحسين الدخل وفرص الشغل في المناطق المستهدفة، وهو ما يطرح سؤال التكامل بين البنية التحتية والتنمية الاقتصادية المحلية.
ومن بين الملاحظات المتكررة أيضا ضعف حكامة التتبع والتقييم في بعض المراحل، وغياب معطيات محينة وشفافة حول الأثر الفعلي للمشاريع المنجزة، فضلا عن استمرار فوارق مجالية في قطاعات أساسية كالصحة والتعليم.
الاستدامة والالتقائية والحكامة الترابية
تطرح المرحلة الحالية تحدي ضمان استدامة المكتسبات المحققة، خاصة في ما يتعلق بصيانة البنيات التحتية المنجزة وضمان استمرارية الخدمات. فبناء الطرق أو المرافق لا يكفي وحده إذا لم يواكبه تدبير محكم للصيانة والموارد البشرية والتجهيزات.
كما يبرز تحدي الالتقائية بين البرامج العمومية المختلفة، إذ يرى خبراء أن تقليص الفوارق المجالية يتطلب تنسيقا أعمق بين السياسات القطاعية (التعليم، الصحة، التشغيل، الفلاحة…) حتى تتحقق التنمية المندمجة، بدل الاكتفاء بتدخلات متفرقة.
مع انتهاء الفترة الزمنية الأصلية للبرنامج، يتجه النقاش اليوم نحو تقييم الحصيلة وبناء جيل جديد من السياسات المجالية أكثر نجاعة. ويؤكد فاعلون أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل من منطق تقليص الفوارق في البنيات الأساسية إلى منطق خلق القيمة الاقتصادية وفرص الشغل بالمجالات الترابية الهشة.
ويتطلب ذلك تعزيز الاستثمار المنتج في العالم القروي، ودعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتحسين جاذبية المجالات القروية للشباب والمقاولات الصغرى، إلى جانب مواصلة تأهيل البنية التحتية والخدمات الاجتماعية.
ويبقى نجاح أي مرحلة جديدة رهينا بتقوية الحكامة الترابية، عبر تمكين الجهات والجماعات من موارد وصلاحيات أكبر، وتحسين آليات التتبع والتقييم المبني على النتائج، وتعزيز الشفافية في تدبير المشاريع العمومية.
كما يشدد متتبعون على أهمية إشراك السكان المحليين والمجتمع المدني في تحديد الأولويات التنموية، بما يضمن ملاءمة المشاريع مع الحاجيات الحقيقية للمجالات المستهدفة.
ويمثل برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية خطوة مهمة في مسار تحقيق العدالة الترابية بالمغرب، وقد حقق نتائج ملموسة في عدد من المناطق، غير أن التحديات المرتبطة بالتنفيذ والاستدامة والأثر الاقتصادي ما زالت قائمة. ويظل الرهان الأكبر في المرحلة المقبلة هو الانتقال من منطق فك العزلة إلى بناء تنمية مجالية مندمجة ومستدامة، قادرة على تقليص الفوارق بشكل فعلي وتحسين جودة عيش المواطنين في مختلف ربوع المملكة.
ثلاثة أسئلة
محمد جدري*:
«برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية فك العزلة عن عدد كبير من المواطنين والدواوير»
- إلى أي حد نجح برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية في تحقيق أهدافه المعلنة؟
+ حقق برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية نتائج مهمة، خاصة على مستوى تحسين البنيات التحتية الأساسية في العالم القروي والمناطق الجبلية. فقد مكّن من فك العزلة عن عدد كبير من الدواوير عبر شق الطرق والمسالك القروية، وهو ما انعكس إيجاباً على تنقل السكان، وتسويق المنتجات الفلاحية وتقليص زمن الولوج إلى المدارس والمراكز الصحية. وساهم البرنامج، كذلك، في تحسين الولوج إلى الماء الصالح للشرب والكهرباء، وهما عنصران أساسيان في تحسين شروط العيش والحد من الهشاشة الاجتماعية.
غير أن هذا النجاح يظل، في جزء كبير منه، «بنيَوياً» وكمّياً، أي مرتبطاً بتوفير التجهيزات أكثر من كونه نجاحاً تنموياً شاملاً. فبالرغم من تحسن الولوج إلى الخدمات، فإن الأثر على مستوى تقليص الفقر البنيوي، ورفع الدخل وخلق فرص الشغل المستدامة، ظل محدوداً في عدد من المناطق. بمعنى آخر البرنامج حسّن شروط العيش، لكنه لم ينجح دائماً في إحداث التحول الاقتصادي والاجتماعي العميق الذي كان منتظراً، خصوصاً في المناطق القروية الأكثر هشاشة.
- ما أبرز الاختلالات أو التحديات التي واجهت تنزيل البرنامج على المستوى الترابي؟
+ أبرز التحديات تمثلت في التفاوت الكبير بين المجالات الترابية، سواء من حيث وتيرة الإنجاز أو جودة المشاريع المنجزة. فقد لوحظ أن بعض الأقاليم استفادت بشكل أوضح من البرنامج، في حين بقيت جماعات قروية أخرى تعاني من الإشكالات السابقة نفسها، ما يطرح إشكال العدالة المجالية في التوزيع. وواجه البرنامج، كذلك، صعوبات مرتبطة بتعقيد المساطر الإدارية، وتداخل الاختصاصات بين المتدخلين وضعف التنسيق أحياناً بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية.
إضافة إلى ذلك عانى البرنامج من محدودية القدرات التقنية والتدبيرية لبعض الجماعات، ما أثر على جودة الدراسات، وتتبع الأوراش وصيانة المنشآت بعد إنجازها. فيما لم يكن التركيز القوي على البنية التحتية مرفوقاً دائماً برؤية اقتصادية محلية واضحة، قادرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى دينامية إنتاجية حقيقية، وهو ما حدّ من الأثر الاجتماعي طويل المدى للبرنامج.
- ما الإصلاحات أو الآليات المنتظرة لضمان استدامة أثر البرنامج وتقليص الفوارق المجالية بشكل أكثر عدالة وفعالية، في ضوء خطاب العرش لسنة 2025؟
+ في خطاب العرش لسنة 2025، وضع جلالة الملك محمد السادس إطاراً توجيهياً واضحاً لمرحلة جديدة في مسار السياسات الترابية، يقوم على إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. هذا التوجه يعكس قناعة بأن المرحلة السابقة، رغم ما حققته من مكتسبات في مجال البنيات التحتية وفك العزلة، تحتاج اليوم إلى تعميق بعدها الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي، حتى تتحول المشاريع المنجزة إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.
الخطاب الملكي أكد على ضرورة الانتقال من منطق التدخلات القطاعية المتفرقة إلى منطق البرامج المندمجة المبنية على تشخيص دقيق لحاجيات كل مجال ترابي على حدة. بمعنى أن التنمية لم تعد تُصاغ وفق مقاربة موحدة تُطبق على جميع الجهات، بل وفق خصوصيات كل جهة وإقليم وجماعة، مع تثمين مؤهلاتها الطبيعية والبشرية والاقتصادية. وهذا ينسجم مع فكرة العدالة المجالية، التي لا تعني المساواة الحسابية في توزيع المشاريع، بل تعني التمييز الإيجابي لفائدة المناطق الأكثر هشاشة.
الخطاب شدد، أيضا، على ترسيخ الجهوية المتقدمة باعتبارها الإطار المؤسساتي الأمثل لتنزيل هذه البرامج، من خلال تمكين الجهات من صلاحيات أوسع في التخطيط والبرمجة والتتبع، وتعزيز اللاتمركز الإداري لتقريب القرار من المواطن. فالرهان لم يعد متمثلا فقط في تعبئة الموارد المالية، بل في تحسين الحكامة الترابية وضمان التنسيق الفعّال بين مختلف المتدخلين، حتى لا تتكرر اختلالات التداخل والتأخير التي عرفتها بعض المشاريع في المرحلة السابقة.
ومن العناصر الأساسية، التي تضمنها التوجه الملكي أيضاً، اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية، تقوم على إشراك المنتخبين والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني في تحديد الأولويات التنموية. فاستدامة الأثر لا تتحقق إلا عندما يشعر المواطن بأن المشروع يستجيب لحاجياته الفعلية وبأنه شريك في صياغته وتتبع تنفيذه.
فضلا عن ذلك يفرض منطق البرامج الترابية المندمجة اعتماد آليات تقييم قائمة على الأثر وليس فقط على حجم الإنفاق أو عدد المشاريع المنجزة. المطلوب هو قياس التحول الحقيقي في مستوى العيش، وفرص الشغل، وجاذبية المجالات الترابية للاستثمار ومدى تقليص الفوارق بين العالمين القروي والحضري وبين الجهات نفسها.
بالتالي، فإن المرحلة المقبلة — كما أكد خطاب العرش لسنة 2025 — ليست مجرد استمرارية تقنية لبرنامج سابق، بل هي انتقال نحو نموذج تنموي ترابي أكثر تكاملاً وعدالة، يقوم على الربط بين البنية التحتية والتنمية الاقتصادية، وبين العدالة المجالية والحكامة الجيدة، بما يضمن تقليصاً فعلياً ومستداماً للفوارق الاجتماعية والمجالية.
*محلل اقتصادي ورئيس مرصد تقييم العمل الحكومي





