
الأخبار
شهد الوسط المدرسي بعدد من المؤسسات التعليمية، خلال الأيام الماضية، مجموعة من الأحداث المؤلمة التي هزت الوسط التعليمي، والتي كان أخطرها حادث إقدام تلميذة على الانتحار داخل ثانوية الأمير مولاي عبد الله بمدينة سيدي سليمان، واختيار تلميذ ثان إنهاء حياته شنقا بإحدى ثانويات مراكش، وتكرر الأمر على مستوى مديرية التعليم بتمارة، بعد العثور على جثة تلميذة معلقة بالمرافق الصحية التابعة لإحدى المدارس. وهي الوقائع المؤلمة، التي أعادت النقاش حول الأسباب النفسية والاجتماعية والتربوية لهاته الأحداث الصادمة، والتي تطرح تساؤلات عميقة بشأن الوضع النفسي للتلاميذ والتلميذات، وطبيعة المناخ المدرسي ودور الأسرة والمدرسة في حماية المراهقين من الصدمات النفسية، حيث يتم التركيز من طرف الجميع على أهمية «الدعم التربوي» في مقابل إغفال أهمية «الدعم النفسي».
ولأجل ملامسة الموضوع، من مختلف جوانبه المتعددة، استقت «الأخبار» آراء مختصين في المجالين النفسي والتربوي، أجمعوا على وجود عوامل ذاتية وموضوعية تؤثر بشكل كبير على نفسية المتمدرسين، وتدفع نحو جنوحهم إلى ارتكاب أفعال صادمة ومؤلمة، سواء في حق ذواتهم أو في حق الآخرين، وهي عوامل يتداخل فيها المحيط الاجتماعي والأسري، بالإضافة إلى العرض البيداغوجي والتربوي «الكلاسيكي» الذي باتت تقدمه المدرسة المغربية للتلاميذ.. في وقت جرى تعطيل دور خلايا اليقظة والمرصد الإقليمي لمحاربة العنف المدرسي، على مستوى كل مديرية تعليمية، من أجل العمل على تنزيل أهم أهداف خارطة الطريق 2022-2026، المتعلقة بالأنشطة والحياة المدرسية.
حالات «الانتحار» بالوسط المدرسي
بخصوص الأسباب التي يمكن أن تكون عاملا من ضمن مجموعة من العوامل المؤثرة في اهتزاز نفسية التلميذ، حتى يصل به الحال إلى التفكير في الانتحار داخل الفضاء التعليمي، اعتبر خالد العمراني (باحث في علم النفس تخصص سيكولوجية المراهق) أن الضغط الدراسي والتوقعات الاجتماعية من أهم العوامل المؤثرة على الصحة النفسية للتلاميذ، ذلك أن كثيرا من الأسر وأفراد المجتمع يربطون مستقبل التلميذ بالنجاح الدراسي فقط، ما يولد ضغطا نفسيا كبيرا على نفسية المتمدرس، سيما في مراحل مثل مستوى البكالوريا، مؤكدا أن من شأن الفشل الدراسي أو الخوف منه أن يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس والشعور بالعجز واليأس لدى بعض التلاميذ، في ظل الضغط الذي تشكله انتظارات الأسرة، وجعل التلميذ يحس على الدوام بأن النجاح الدراسي هو الطريق الوحيد للنجاح الاجتماعي، ما يولد له رهابا نفسيا خطيرا.
وأضاف المختص النفسي ذاته أن مسؤولية الأسرة تظل قائمة في الكثير من الحالات، بحكم أن المشاكل الأسرية والاجتماعية تلعب دورا مهما في اضطراب التوازن النفسي للمراهق، ومن العوامل المؤثرة في ذلك التفكك الأسري، والعنف داخل الأسرة، والفقر أو الهشاشة الاجتماعية وغياب آلية الحوار داخل الأسرة بين الآباء والأبناء، وهي ظروف، إن اجتمعت كلها، فبنسبة كبيرة من شأنها أن تجعل التلميذ يشعر بالعزلة وبعدم الأمان، خاصة وأن هاته المرحلة تتميز بنوع من الحساسية في تكوين شخصية التلميذ، الذي يكون في أوج مراهقته، وهي من أكثر المراحل التي تعتريها تغيرات نفسية وجسدية سريعة، ويتم خلالها البحث عن الهوية الشخصية، وتتشكل لدى « المراهق» حساسية شديدة تجاه النقد والرغبة في الانتماء إلى جماعة الأصدقاء، الأمر الذي يجعل المراهق يتأثر بسهولة بحديث الآخرين، بل قد يجعله ذلك ينزح إلى تضخيم المشكلات الصغيرة، ناهيك عن معاناته مع صراعات نفسية داخلية بهذا الخصوص، ما يدفع التلميذ، الذي لا يجد العناية المطلوبة، الكفيلة بتأهيله وإدماجه، إلى التفكير في التخلص من هاته الاضطرابات النفسية عن طريق «الانتحار».
المدرسة والصحة النفسية
لئن كان للأسرة والمحيط الاجتماعي وفترة المراهقة دور في الاضطرابات النفسية التي يتعرض لها التلميذ، والتي تدفعه إلى التفكير في «الانتحار»، فإن المسؤولية التربوية والاجتماعية للمدرسة وفضائها الأفقي تجعل لها نصيبا وافرا في هاته الوقائع الصادمة، وهو ما يؤكده الباحث سعيد البوزيدي، المختص في علم النفس التربوي، الذي يذهب إلى أن تنامي ظاهرة التنمر المدرسي ساهم بشكل كبير في اضطراب الصحة النفسية للتلاميذ والتلميذات على حد سواء، موضحا أن أشكال التنمر باتت متعددة، منها ما هو لفظي، من قبيل السخرية والإهانة، ومنها ما له علاقة بالتنمر الجسدي، على غرار الضرب وشتى أنواع الاعتداء، إضافة إلى التنمر الاجتماعي، الذي يتجسد في العزل والإقصاء، فضلا عن التنمر الإلكتروني، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تظل محل نكتة وتندر داخل الحجرات الدراسية وفضاء المدرسة. وأضاف البوزيدي أن الدراسات تشير إلى كون التلاميذ، الذين يتعرضون للتنمر، تزيد لديهم احتمالات التفكير في «الانتحار» بشكل كبير مقارنة بغيرهم، فضلا عن أن بعض القضايا الحديثة أظهرت ارتباط حالات انتحار تلاميذ بالتنمر من طرف زملائهم.
وحول مسؤولية المدرسة بهذا الخصوص، أكد الباحث ذاته أن المدرسة مسؤولة فعلا عن هذا الوضع، وأضحت مطالبة، قبل أي وقت مضى، بضرورة الاهتمام بالصحة النفسية داخل المدارس، حيث تغيب خلايا للإنصات النفسي، وانعدام الأخصائيين النفسيين الذين بإمكانهم برمجة حصص دعم نفسي للتلاميذ، علما أن موضوع الصحة النفسية لايزال محاطا بالوصم الاجتماعي، ما يجعل العديد من المراهقين يترددون في طلب المساعدة، وهو ما يجعل دور الأساتذة والإدارة التربوية مهما في هذا الجانب، من خلال الاشتغال على مراقبة كافة التغيرات السلوكية لدى التلاميذ، والتدخل المبكر في حالات التنمر، وخلق جو مدرسي قائم على الاحترام والتعاون، وتخصيص الحيز الزمن الكافي لفتح قنوات الحوار مع التلاميذ، على أن تتم إحالة الحالات الصعبة إلى مختصين نفسيين، دون إغفال الإشارة إلى ضرورة الاشتغال على أن تتحول المدرسة إلى فضاء آمن نفسيا واجتماعيا، ولا تظل فقط مكانا للتحصيل الدراسي.
ويجمع الفاعلون داخل الحقل التربوي على أنه إذا لم تتم معالجة هاته الحوادث المؤسفة، فإن من شأنها أن تقود إلى مظاهر أكثر خطورة على مستوى المستقبل القريب، وأن تجاهل الموضوع قد يزيد من معدلات الاضطرابات النفسية في صفوف التلاميذ والتلميذات، والتي تشمل الاكتئاب والقلق والعزلة الاجتماعية، وزيادة العنف داخل المؤسسات التعليمية، ناهيك عن أن استفحال ظاهرة التنمر والتساهل مع الظاهرة من قبل كافة المعنيين بالشأن التربوي، قد يتطور، في الكثير من الحالات إلى اعتداءات جسدية وسلوكيات عدوانية، وقد يصل إلى مستوى ارتكاب جرائم داخل المدارس، بالإضافة إلى تراجع الثقة في المؤسسة التعليمية، ما قد يفقد التلاميذ وأولياء الأمور الإحساس بالأمان داخل المدارس العمومية.




