حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

ثلاثية جحا

بقلم: خالص جلبي

مقالات ذات صلة

 

ليس من عادتي الإصغاء إلى المحطات الفضائية، لقناعتي بغثائها ـ في معظمها، مع وجوب عدم التعميم ـ ولا تصفح الجرائد والفيديوهات والمقالات أيضا، فهي في معظمها مسطحة مثل حدوة الحصان، تسطيحا بدون أي عمق فلا خير فيها.

والمبدأ القرآني علمنا وجوب عدم التعميم ـ حتى مع الذكاء الصناعي الجديد ـ فهناك بعض الفائدة، ولكنه غدار كاذب أحيانا، وليس ذكاء بل ختلا ومراوغة، فأسميه الخبل الصناعي.

وحين يتحدث القرآن عن أهل الكتاب يقول إنهم «ليسوا سواء، فمن أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله وهم يسجدون»، وعن بني إسرائيل يذكر: «ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون»، مقابل لعنهم على لسان داوود وعيسى بن مريم، بسبب انحرافهم البغيض: «ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون». بل خصصت سورة «البقرة» في أولها، بعد قصة الخليقة وأصناف الناس الثلاثة بين مستقيم وضال ومغضوب عليه، ثماني صفحات بـ 84 آية عن انحرافات بني إسرائيل، وأنهم بدل تصديق نبوة الصادق الأمين كانوا أول كافر به، مع أنه جاء يصدق لما معهم، وكان أستاذي جودت سعيد يكرر جملة لا أنساها: كل نبي كان يصدق جميع من سبقوه من الرسل ويكذب معاصريه.

وأغلب من يكتب يكتب من أجل أن يكتب فهو لا يكتب، فهذا هو يوم العقم العربي. والمحطات والجرائد رهينة بيد من يمولها، فلا يعقل أن يصرخ في ساحة فرعون من يغذيه فرعون، ويصيح: يسقط فرعون. وأنا شخصيا أكتب مع كل عمود ومقالة كتابة مودع. وهذا الكلام هو في الأعم الغالب، وهناك استثناءات وليسوا سواء. وهي قاعدة قرآنية علمنا أن لا نفرط في التعميم، فالحياة ليست كذلك. ولكن العرب يعيشون هذه الأيام العصر الجليدي للفكر والعقل، مجمدا 65 درجة تحت الصفر، مثل مناخ أنتاركتيكا في القطب الجنوبي، حيث ذروة البرد والتجمد.

وأنا أفضل تغذية عقلي ببروتين دسم من المعلومات من مصادر علمية خصبة، ولا يخلو يوم من كتاب جديد بأكثر من لغة أو مجلة أو بحث يرسو على طاولتي، في عصر نعيش فيه من كثرة المعلومات وليس نقصها. والتحدي في اختيار المفيد والجديد، ولو من أي مكان. واليورانيوم نادر في الطبيعة، ولكن قبضة منه تصنع قنبلة نووية، أو مصنعا للطاقة يغذي مدينة عملاقة لمدة سنة. ولا يستوي الخبيث والطيب، ولو أعجبك كثرة الخبيث. والعبرة بالكيفية، وفي القرآن قانون هام وصادق حينما يقارن بين القلة والكثرة، فيقول: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. فهذه قوانين عقلية واجتماعية، ولكن أكثر الناس لا يعقلون. وبالنسبة إلي وهي قاعدة في نظامي اليومي، إذا نظرتُ أنا في التلفزيون فهو لأمرين: إما الاستفادة من قناة «الديسكفري»، أو من يشبهها، فأزداد علما. فليس هناك من ليلة إلا وأضيف إلى خزانتي المعرفية الجديد المثير الذي تعب عليه من أنتجه وأحسن إخراجه ولو مترجما، وهذا ليس دعاية لقناة ومصدر، فهي في غنى عن دعايتي. أو أن أرتخي في نهاية نهار مشبع بالإنتاج فأصطاد فيلما من الأفلام أو مسلسلا، ونادرا ما يكون مفيدا، وعفوا من هذه الكلمة، وهي في العادة نادرة ولا تزيد على فيلم جيد في كل خمسمائة، فمن يحسن الإنتاج تافه الثقافة، ويبقى الكثير من دراما الحياة والروعة بعيدا عن يد التمثيل، غائبا في بطن التاريخ.

وقبل فترة كنت أراقب مع زوجتي مسلسلا تركيا فقد برعوا جدا في الإنتاج، مع ثغرات لا تخفى على العاقل، ولكن من عجيب أمرهم أنهم يختمون الكثير من مسلسلاتهم بجريمة قتل للبطل أو البطلة، والحياة ليست كذلك. ولم أفهم هذا التوجه، خلاف الأفلام الهندية التي تنتهي بحسن الختام، أما هوليوود فقد أمسكت بعصا التوجه ببراعة، ولكن أيضا مع عنف وانحلال أخلاقي في  الكثير من إنتاجهم، فأين المصير؟

وعندي مكتبة من أشرطة الأفلام الجيدة تزداد باضطراد وبثلاث لغات. وعندما أستمع إلى محاورات القنوات الفضائية العربية، أفعل كما يفعل طبيب المختبر بأخذ عينات من دم المريض، ليكتشف جرثومة من ثقافة مريضة، فهي لا تزيد في معظمها على مهاوشات وكذب ولعب بالعقول وتمجيد الأصنام، أو تنبؤات تذكر بنوستراداموس اليهودي.

وهناك من يزين برامجه ببرامج يسميها الحياة، وهي للموت أقرب. وأما المُحاور فإما كان مرتزقا، أو تعيسا، أو ميتا، أو لئيما يتسقط الكلمات، أو مهاوشا يحرض الناس بعضهم على بعض حتى تلمع الشاشة بالنيران والسباب، وهو ليس لتثقيف الإنسان، بل تجهيل العرب الذين لا ينقصهم جهل. والبارحة وقع نظري على الواعظ المصري غنيم يتحدث عن الواعظ الفلسطيني عدنان إبراهيم، فألقى به في نيران الجحيم، بدعوى الكفر، والرجل اجتهد وخالف.

وجمهور غفير من المغفلين يسمع لمثل هذه الترهات، والعبرة ليس في المعلومات بل في تدريب العقل على المنهج، وهو الذي حرض ديكارت الفيلسوف الفرنسي على وضع كتابه التنويري (المقال على المنهج). وبين العرب ومنهج العقل مسافة سنة ضوئية. وتدريب العقل على منهج الوصول إلى الحقائق، أفضل ما قدمه الفلاسفة وليس المذيعين التافهين. بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم عن الحق معرضون.

ومنهم من يراهن أنه يذيع الحقيقة كاملة بدون جدال، وهي مثل ادعاء جحا في ثلاثية الجمعة، فلم ينطق شيئا. فهو في الأسبوع الأول حين اعتلى المنبر وقف سائلا: هل تعرفون عما سوف أتحدث إليكم؟ همهم القوم وقالوا: بالطبع لا نعرف. ابتسم جحا وقال: الأفضل لكم أن لا تعرفوا، لأن سقراط كان يقول إذا كنت أعلم شيئا فهو مقدار جهلي. في الجمعة الثانية وقف يقول: وهل تعرفون عما سأتحدث هذه الجمعة؟ هنا نبه القوم بعضهم، وقالوا: نعم.. نعم.. نحن نعرف. ابتسم جحا وقال: حسنا، فلماذا أتحدث إليكم وأنتم تعرفون الحديث؟ في الجمعة الثالثة وقف فوق المنبر وقال: هل تعرفون عما سوف أتحدث إليكم هذه المرة؟ كان القوم قد احتاروا معه واتفقوا أن ينقسموا إلى فريقين من يعرف ومن يجهل، ولكن جحا كان أذكى منهم، ففاجأهم بالقول: إذن يخبر من يعلم من لا يعلم.

 

 نافذة: 

 

أنا أفضل تغذية عقلي ببروتين دسم من المعلومات من مصادر علمية خصبة ولا يخلو يوم من كتاب جديد بأكثر من لغة أو مجلة أو بحث يرسو على طاولتي في عصر نعيش فيه من كثرة المعلومات وليس نقصها

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى