
يستعمل الناس اليوم الشبابيك الأوتوماتيكية على صعيد العالم في صرف أموالهم من البنوك وتحويل العملات وأداء فواتيرهم أينما كانوا ودون حاجة إلى الانتقال إلى البنوك. هذه الفكرة مع سهولة تصورها الآن في حياتنا، لا يمكن لأحد أن يعتبرها اليوم بأنها مجرد فكرة طرأت في بال مهندس مغمور سعى بكل جهد على أن ترى النور فتحقق له ذلك.
هذه قصة اختراع أول شباك أوتوماتيكي سهل حياة الملايين من الناس عبر العالم من خلال الأسكتلندي John Shepherd Barron جون شيفرد بارون (1925-2010)، الذي يعتبر على نطاق واسع أول من اخترع جهاز السحب الآلي سنة 1967، بالرغم من أن هناك الكثير من براءات الاختراع التي سجلت باسم مخترعين آخرين في الوقت نفسه. فقد جاءته الفكرة ذات يوم عندما لم يستطع الحصول على النقود بسبب عطلة نهاية الأسبوع يوم السبت والأحد وقد كان في حاجة ماسة إلى المال، فتبلورت لديه الفكرة التي كان عنوانها “بنك مفتوح 24 ساعة 7 أيام في الأسبوع”.
في تلك اللحظة بالذات حل الإلهام عليه، ومرت فكرة ألمعية في ذهنه، فقال مع نفسه: “إذا كان بالإمكان الحصول على لوح شوكولاتة من جهاز آلي في أي وقت في اليوم، فلماذا لا يحصل ذلك مع الأوراق النقدية أيضًا؟” .يقول عن هذه الفكرة في إحدى حواراته: “سيطرت علي فكرة أنه يجب أن تكون هناك وسيلة كي أصل إلى أموالي في أي مكان في العالم، فاستلهمت الفكرة من ماكينة تخرج قطعًا من الشوكولاتة مع استبدال الشوكولاتة بالنقود”.
لم يتردد جون بارون فتوجه إلى بنك باركليز البريطاني الشهير حيث التقى بمدير تنفيذي كبير يعمل في هذا البنك، فطلب أن يأخذ من وقته 90 ثانية فقط، ليعرض عليه فكرته الخاصة بتقديم الأموال بشكل آلي، ومن محاسن الصدف لما سمع المدير الفكرة وفي غضون 85 ثانية وافق على الفكرة، ولكنه طلب من جون بارون أن يحولها إلى آلة أو ماكينة سهلة الاستعمال، وبالتالي فإنه سيشتري منه هذه الآلة الغريبة فورًا. وقد استغرق الأمر عامين ليتمكن جون بارون من إنجاز فكرته على أرض الواقع، حيث توصل في النهاية إلى أول نموذج لجهاز لصرف الأموال آليا.
أول تجربة أمام العموم لجهاز الصرف الآلي كانت في يوم 27 يونيو 1967 بمدينة Enfield إنفيلد في شمال لندن، حين تم تركيب أول نموذج لجهاز الصراف الآلي لدى بنك باركليز وذلك لأن نوافذه العالية توفر مساحة كافية أسفلها لضمان أمن وسلامة المعدات. وكان الممثل الكوميدي البريطاني ريغ فارني أحد النجوم الكوميديين في تلك الفترة في التليفزيون البريطاني أول شخص يستخدم شباكا أوتوماتيكيا، كنوع من الدعاية والإشهار في حفل الافتتاح.
بداية الشباك الأتوماتيكي وانتشاره
عند بداية الشباك الأوتوماتيكي، استخدم أول عملاء سحبوا أموالهم شيكات خاصة معالجة بمادة كاربون 14 المشعة، وكانت الآلات مصممة بصورة تمكنها من التعرف على الشيكات، وإخراج النقود بمجرد أن يدخل العميل رقم التعريف الشخصي والسري، ولم تكن بعض الأجهزة تقوم بإرجاع الشيكات المعالجة على الفور،عوضًا عن ذلك يتم إرسالها عبر البريد. وسيتطور هذا الابتكار باختراع البطاقات المغناطيسية التي عوضت الشيكات بصفة نهائية.
عرف اختراع جون بارون انتشارا واسعا في البلدان الأوروبية فيما ظلت البنوك الأمريكية غير متحمسة أو كما قال جون بارون في إحدى حواراته الأخيرة: “إن البنوك الأمريكية استقبلت الفكرة في البداية بفتور واعتبرتها فكرة أوروبية حمقاء لن تلقى رواجا في الولايات المتحدة الأمريكية”. لكن، من وجهة تاريخية كانت الولايات المتحدة الأمريكية أسبق إلى اختراع أول شباك أوتوماتيكي في نيويورك سنة 1939 على يد لوثر جورج سيمجيان ذي الأصل الأرميني الذي لم يكتف باختراعه فقط، بل قام بتركيبه في سيتي بنك. لكن بعد مضي 6 أشهر أزيل بذريعة عدم إقبال العملاء.
بعد نجاح اختراع جون بارون أدرك الأمريكيون أهميته وحاولوا قدر مستطاعهم نسبة هذا الاختراع إلى بلادهم. لكن الشباك الأتوماتيكي لجون بارون كان قد شق طريقه وحسم الخلاف لصالحه والاحتفاظ أخيرا باختراعه.
الشباك الأتوماتيكي وحكاية الرمز السري
إذا ما تساءل المرء اليوم عند استعماله للشباك الأتوماتيكي عن سبب اعتماد الرمز السري على أربعة أرقام وليس أكثر من ذلك. فمن المعروف أن زيادة عدد أرقام كلمة المرور قد يساعد على حماية استخدام الشباك الأتوماتيكي. ففي البداية كان جون بارون قد اقترح أن يتكون الرقم السري من 6 أرقام، لكن أثناء إجراء تجاربه بمساعدة زوجته التي كانت في كل مرة غير قادرة على تذكرها دفعته إلى تعديل اقتراحه والاحتفاظ بأربعة أرقام، وجعل الرمز السري أكثر سهولة، ومنذ ذلك الحين لم يتم تغيير هذا النمط رغم التقدم التكنولوجي المذهل والمخاطر الأمنية المتزايدة حتى أصبح اليوم من المستحيل تعديله أو إحداث أي تغيير عليه.
واجه جون بارون منافسين له في هذا الاختراع من أهمهم المهندس الأسكتلندي جيمس غودفيلو الذي اخترع خلال الفترة نفسها جهازا آخر مختلف يستعين فيها ببطاقة بلاستيكية مثقوبة وطريقة خاصة لإثبات هوية المستخدم. جيمس غودفيلو الذي صرح بشكل متأخر للصحافة قائلا: “أكثر ما يجعلني نادماً هو أنني لم أظهر إعلامياً على الإطلاق، وأنني لم أتحدث حول الأمر إلا عندما حصل بارون على وسام الإمبراطورية البريطانية في سنة 2005، وهو ما كان بمثابة غصة في حلقي، وجعلني أحدث القليل من الضجيج. في الفترة بين عامي 1966 و2005 لم أقل أي شيء، وهو ما كان الخطأ الأكبر”.
في النهاية استطاع جون بارون باختراعه للشباك الأوتوماتيكي وعدة اختراعات أخرى أقل أهمية أن يحدث تطورا كبيرا في حياتنا المعاصرة.





