
يونس جنوحي
من التجارب المهمة التي عاشها المصور الأمريكي توماس ماكافوي، تلك التي تتعلق بالحفلات غير الرسمية التي ترأسها الملك الراحل محمد الخامس داخل القصر الملكي في الرباط، سنة 1956.
ورغم أن ماكافوي كان كتوما، أو لنقل «مُقلاّ في الكلام» بخصوص تجاربه المهنية -بشهادة أصدقائه المقربين- فإن عددا من الأجانب تحدثوا، في شهادات كثيرة، عن هذا النوع من الحفلات التي وثق لها ماكافوي في أرشيفه الشخصي.
من خلال الصورة بدا واضحا أن الملك الراحل كان متحررا تماما من البروتوكول، يحمل كأس شاي في يده، ويحيي ضيوفه بنفسه ويتجول بينهم بكل حرية.
ضيوف هذا النوع من الحفلات غالبا ما يكونون من أوساط حكومية ومخزنية، بالإضافة إلى دبلوماسيين أجانب، ثم أصدقاء القصر الملكي من فنانين ومحيط الأسرة الملكية. وتحدث عسكريون فرنسيون، على وجه الخصوص، عن هذا النوع من الحفلات التقليدية التي حضرها عدد منهم، بدعوة من القصر الملكي، سيما في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تتوتر العلاقة بين القصر والإقامة العامة بسبب علاقة السلطان بالحركة الوطنية.
وعلى ذكر الحركة الوطنية، فإن رموزها كانوا ضيوفا دائمين على هذا النوع من الحفلات المغربية. وفي مجموعة أرشيف ماكافوي يظهر أن شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي تردد على أكثر من حفلة من هذا النوع خلال مقام هذا المصور الأمريكي في الرباط، ووثق لجلسات ثنائية (سوف نعود إليها لاحقا) جمعت شيخ الإسلام بشخصيات سياسية مغربية.
ورغم أننا لم نعثر في الشهادات، التي نقلها أصدقاء ماكافوي عنه، على أي إشارات لهذا النوع من الحفلات التي حضرها في الرباط، إلا أن أمريكيا آخر، هو العقيد «ت. نيومان»، تحدث عن ذكرياته المغربية، عندما كان أحد المسؤولين العسكريين داخل القاعدة الأمريكية في القنيطرة، ووجهت له دعوة في إحدى المناسبات لحضور احتفال ترأسه السلطان محمد بن يوسف. واستعاد هذه الذكريات مصحوبة بصور توثق لمهمته العسكرية في المغرب، قائلا:
«كانت الدعوة تنص على الحضور لحفل غير رسمي.. وهو ما يعني أنه أمكنني الحضور ببذلة أنيقة مريحة بدل البذلة العسكرية. كان مخططا أن ينطلق الحفل مع تمام الساعة التاسعة مساء، وفعلا دون أي دقيقة تأخير، انطلق الحفل، وخرج السلطان ليحيي المدعوين واحدا واحدا، وسرعان ما اندمج الجميع في أحاديث جماعية، ثم ثنائية، أو في إطار مجموعات مصغرة.
كانت هناك فرقة مغربية تعزف موسيقى مغربية بهدوء شديد، إلى درجة أنه يصعب تحديد موقع جلوس أفرادها، الذين كانوا يفترشون الأرض، على خلاف كل الفرق الموسيقية التي سبق لي أن رأيتها في حياتي، والتي يعتلي أفرادها المنصة ويجلسون على الكراسي أو يؤدون وصلاتهم واقفين.
المشهد، الذي علق بذاكرتي، أن أحد الضيوف الفرنسيين أبدى إعجابه بالحلويات التي قدمت لنا في تلك الأمسية، وعندما علم السلطان بالموضوع، أمر أن تخصص له كمية كافية من الحلويات المغربية لكي يستمتع بها في بيته».





