
عاش متطوعو المسيرة الخضراء لحظات ترقب وانتظار لإشارة ترسلهم نحو الحدود الوهمية، لاسترجاع الصحراء التي احتلها الإسبان.. لكن الانتظار لم يكن مقرونا بالملل أبدا، بل إن مخيم الطاح تحول منذ الليلة الثانية إلى مهرجان فني متنوع الثقافات ومسرح في الهواء الطلق وفرجة مباحة للجميع.
وخلال فترة الانتظار بمخيم طرفاية، ظهرت مواهب في التنشيط الفني، وأصبحنا نعيش كل مساء في مسرح كبير يمنح الفرجة المتنوعة، ويجعلنا نعيش بجوارحنا أفخم الحفلات التي تتمثل فيها كل أصناف الفولكلور المغربي الأصيل.
في هذه المنطقة وفوق رمال طرفاية كتب التاريخ قصة سانت أكزيبيري، هنا كان هذا الطيار المختص في مجال البريد الجوي، يقوم برحلاته من فرنسا صوب جنوب إفريقيا، وشاءت الأقدار يوما أن سقط في تراب إقليم طرفاية.
اضطر إلى التوقف في طرفاية، بعد أن انبهر بحفاوة الاستقبال، ليستقر بتلك المدينة، وألف عدة كتب، من أشهرها «الأمير الصغير»، الذي ترجم لعدة لغات.
هنا عاش الطيار سانت بين عامي 1927 و1929، حيث كانت له تجربة إنسانية ومهنية متميزة في هذه البقعة الصحراوية من المغرب، وتخليدا له يوجد في طرفاية متحف يسلط الضوء على مسار إكزوبيري طيارا ويستعرض، أيضا، إرثه الأدبي والإنساني.
نعود إلى أجواء المخيم والحياة اليومية للمتطوعين، حيث لابد من الإشارة إلى الأجواء العائلية التي خيمت على الفضاء، بل إن هذا التجمع شهد حفلات خطوبة وأثمر زواجا ونسج علاقات تعارف ستمتد إلى ما بعد المسيرة الخضراء.
تحولت المسيرة الخضراء إلى مدرسة للمواطنة بالمغرب، تامغرابيت، التي تميز الإنسان المغربي أينما حل وارتحل، لمسناها في مشاعر المتطوعين حين يصدح النشيد الوطني كل صباح، أو عندما يردد الجميع بحماس كبير أشهر أغاني المسيرة الخضراء.
من أبرز الأغاني التي اخترقت وجدان المتطوعين، وطبعا جميع مكونات المخيم بمن فيهم نحن أعضاء غرفة القيادة الميدانية، أغنية «ناديني يا ملكي» للمطرب إسماعيل أحمد، وتعد هذه الأغنية محطة أساسية في الحياة الفنية للمطرب، تقول كلماتها:
«طايع راضي نموت شاهد أنا وولادي
نضحي بشبابي ونهدي عمري وما عندي
في سبيلك يا بلدنا
ناديني يا ملكي، يا حبيب الشعب
تلكَاني طايع، ناديني يا ملكي».
هذه الأغنية أرخ بها المطرب إسماعيل أحمد لحرب الرمال التي نشبت بين المغرب والجزائر سنة 1963. وهي أغنية كتبها حمادي التونسي ولحنها عبد القادر الراشدي.
لم يقتصر الجانب الطربي على هذه الأغنية الراسخة في تاريخ المغرب، بل كانت أغنية «العيون عينيا» لمجموعة جيل جيلالة، أبرز عنوان لهذا الاستنفار الفني الذي بلغ صداه كل خيمة. فكلما فتح المتطوعون المذياع إلا وتأتي أصوات وأنغام هذه الفرقة الغنائية، حاملة روح التعبئة الوطنية لقضية تعد من أهم القضايا المغربية.
ولم يحظ عمل غنائي في تاريخ الأغنية المغربية العصرية بمثل شهرة وانتشار نشيد «نداء الحسن»، وهو من نظم الزجال فتح الله المغاري وألحان عبد الله عصامي.
في اليوم الخامس من حياتنا في المخيم، فاجأنا والد العامل صالح زمراك بإطلالة، جاءنا على متن سيارته من فم العنصر ضواحي بني ملال قاطعا مسافة 1200 كيلومتر قصد تقديم كبشين من نوع الصردي هدية للمتطوعين.
هذا القائد الأمازيغي السابق الذي عايش الفترة الاستعمارية، وتمت إقالته من طرف الحماية الفرنسية سنة 1953 بسبب مواقفه الوطنية ورفضه اقتسام كعكة السلطة مقابل التوقيع على عريضة الخيانة..، ضحى بمنصبه رافضا الانخراط في مسلسل الخيانة، وأدار ظهره لتيار الخونة الذين سعوا جاهدين لتثبيت البيعة لـ«سلطان» المستعمر بنعرفة.
كانت هذه الزيارة مؤثرة جدا، خاصة وأن والد صالح زمراك لم يمنح نفسه فرصة الاستراحة، بل أدى المهمة وقرر العودة إلى فم العنصر، قاطعا مسافة 1200 كيلومترا.. في طريق مختنق بالسيارات والشاحنات والحافلات القادمة والعائدة من الصحراء.





