
لم أكن زائرا عاديا، بل موفدا رسميا، لذا أُعلن عن وصولي بإرسال برقيتين من وزارة الداخلية المغربية إلى نظيرتها الجيبوتية. بدا واضحا أنه ستكون في انتظاري في المطار شخصية رسمية، كما جرت العادة، حيث يستقبل المبعوث الحكومي من بلد آخر عند مدخل الطائرة. لكن لسوء الحظ، لم يكن الأمر كذلك. لم يكن أحد في انتظاري في المطار، بل الأسوأ من ذلك أنني بقيت عالقا هناك لفترة طويلة جدا لعدم حيازتي تأشيرة دخول.
غادر المسافرون الفرنسيون، الذين رافقوني في الرحلة، المطار سريعا بعد تفتيش أمني سريع وعابر، وكنت الوافد الوحيد الذي منع من دخول البلاد من قِبل رئيس شرطة متصلب الرأي، لا تعنيه توضيحاتي ولا يكلف نفسه عناء الاستماع لدفوعاتي، واكتفى بالقول إنه لم يتلق أي معلومات أو تعليمات بخصوص وصولي.
تأبطت حقيبتي وبدا المطار فارغا، وحده هذا الشرطي متصلب الرأي، وصاحب مقهى نائم يفتقر للزبائن، يستعدان للمغادرة. أصبحت شبه معتقل في بهو مطار مهجور تماما، حيث بدا أن لا أحد يعلم بزيارتي، رغم إرسال برقيتين، ولا قائد الشرطة، وهو عربي من أصل يمني اقتنع بكلامي ومحاولاتي إقناعه بأسباب النزول.
يا إلهي! كيف يغلق هذا الرجل جميع منافذ الحوار، وأنا الموفد من وزير الداخلية المغربي لنظيره الجيبوتي الحامل لدعوة رسمية، اقتنعت بفشل مهمتي وانتابني شعور بالضيق والحيرة من وقاحة هذا الشرطي المنغلق، فقررت دعوته لتناول كوب قهوة في «كافيتيريا» المطار، على أمل تليين موقفه وإيجاد مخرج لـمغامرتي «الفاشلة». قبل الدعوة على مضض وكنا نحن الاثنان زبونين وحيدين على منضدة أمام أكواب القهوة العادية، قبالة آلة صنع القهوة المائلة، نتحدث في أمور شتى. شيئا فشيئا تمكنت من شرح مقاصدي أمام محاوري الوقح.
أعدت شرح الهدف من زيارتي وأسباب عدم حصولي على تأشيرة دخول إلى جيبوتي، وأعلنت استعدادي لمغادرة هذا المطار، الذي أصبح كئيبا في نظري، بأسرع ما يمكن، وكيف انتابني شعور بالضياع في قلب إفريقيا ومعاملتي مثل مهاجر غير شرعي.
لم يأت خلاصي من هذه الورطة إلا بفضل سحر ورقة نقدية من فئة مئة دولار أمريكي، أخرجتها من جيبي لدفع ثمن المشروبات، ما جعل عيني الرجل تتسعان من شدة الدهشة. ولأنني لم أجد من صاحب المقهى ما يعيد لي الباقي (الصرف)، فقد كان صندوقه فارغا تماما، طلبت منه أن يسلم ما تبقى لرئيس مركز الشرطة.
وكأنها معجزة، تغير موقف الشرطي، فأصبح أكثر تفهما، واقتنع بختم جواز سفري وفتح الطريق لي فورا لدخول البلاد، بل وعرض علي أن يوصلني إلى المدينة بسيارته الخاصة، وبما أنه لم يكن أحد في انتظاري بالمطار، وافقت على أن يوصلني بسيارته، وهي سيارة قديمة مهترئة، وعلى امتداد الطريق كان يتحدث إلي بكلام لين ويقدم لي شروحات عكس ما أبداه داخل المطار، إلى أن توقف أمام مبنى قال لي إنه مقر الحكومة.
كان المبنى الأسطواني الشكل مقرا لحكومة جيبوتي. حمدت الله وشكرته على وصولي إلى هذا المكان بعد أن كنت على وشك الترحيل. تغلبت على جميع صعوباتي بفضل الدولار الأخضر. لم أكن حتى بحاجة لانتظار موعد مع وزير الداخلية، حيث اصطحبني إليه الشرطي نفسه على الفور. وهنا وقفت على صدق القول المأثور: «المال يفتح الطريق إلى البحر».
جرى لقائي مع الوزير في جوٍ ودي، وقدمت له الدعوة الرسمية فتسلمها بامتنان شديد. توجهت فورا إلى فندق «شيراتون» لقضاء الليلة، على أمل مغادرة جيبوتي في صباح اليوم التالي. ولكن للأسف! بدلًا من ليلة واحدة، كنت مضطرا لقضاء خمس ليال، مجبرا على القيام برحلات عديدة ذهابا وإيابا بين الفندق والمطار، دون أن أجد رحلة طيران تنهي مقامي في جيبوتي.





