
يونس جنوحي
بدون مقدمات، حقوقيون في فرنسا غير راضين عن قرار السلطات التونسية طرد مهاجرين غير شرعيين بطرق غير مباشرة. حتى أن بلاغا تداوله الفرنسيون، حمل بعض المصطلحات «العجيبة»، مثل «دفع المهاجرين إلى العودة الطوعية»، في اتهام صريح للسلطات التونسية.
وكأن المهاجرين فوق التراب الفرنسي يعيشون في النعيم، ولم يبق للفرنسيين سوى أن يقلقوا على وضعية المهاجرين من دول جنوب الصحراء، في نقاط العبور نحو أوروبا.
لو كان هؤلاء الحقوقيون قلقين فعلا على الوضع الإنساني للمهاجرين، لانكبوا على وضع المقيمين في فرنسا خارج قانون الهجرة، ولدعوا إلى تعديل قوانين تمديد الإقامة أو سحب الجنسية، وغيرها من العراقيل التي تجعل الإقامة فوق التراب الأوروبي أشبه ما تكون بالحصول على صكوك الغفران من الكنيسة الأوروبية في القرن السادس عشر.
اتهام الحقوقيين الفرنسيين للسلطات التونسية بدفع المهاجرين إلى العودة إلى بلدانهم الأصلية من نقاط تجمعهم فوق التراب التونسي، لا يخلو من «سياسة». إذ أن حكومات أوروبية لا تتوقف نهائيا عن ترحيل المهاجرين من دول جنوب الصحراء، إلى مناطق نزاع وحروب لعبت فيها السياسة الفرنسية دورا رئيسيا.
عندما أصدرت منظمات دولية مرموقة تقارير مقلقة فعلا عن ترحيل السلطات الجزائرية لمهاجرين من دول جنوب الصحراء، ورمتهم على الحدود مع المغرب في صحار قاحلة دون مؤونة وتركتهم عرضة للموت في الخلاء، لم تتحرك أي جمعية فرنسية للتنديد بسلوك السلطات الجزائرية.
أصبح المرشحون للهجرة غير النظامية إلى أوروبا، فرنسا على وجه الخصوص، يعيشون أوضاعا مقلقة أكثر من أي وقت مضى فوق التراب الأوروبي وليس في دول العبور.
حتى أن بعض الذين عاشوا تجارب مؤلمة أو فقدوا أحباءهم أثناء محاولات سابقة للعبور، قرروا اليوم الاستقرار في المغرب، و«أجّلوا» الهجرة إلى أوروبا إلى أجل غير مُسمى..
الحقوقيون الفرنسيون المدافعون عن حقوق المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء الإفريقية، تتوقف عندهم معايير الإنسانية وضغط السياسة، في «الجزيرة الخضراء». ويصابون بالخرس عندما تتسرب معطيات استغلال حكومات أوروبا، على مدى عقود، لمناجم استخراج المعادن والأحجار الكريمة، وحتى تسليح المتمردين وتمويل الانقلابات العسكرية منذ السبعينيات إلى اليوم. ولا يزال مواطنو أغلب الدول الإفريقية يعيشون على إيقاع هذه التجاوزات.
لم تنته بعد مآسي استغلال القرى الإفريقية المجاورة للمناجم، أو لنقط استخراج الذهب والأحجار الكريمة. بسبب هذه الأنشطة، يعيش مئات آلاف الأهالي عدم استقرار، بسبب تهديد الجماعات المسلحة وصراع «العصابات» على امتيازات عبور حمولات تلك المناجم نحو الشركات الأوروبية التي تبيعها في واجهات محلات أرقى العواصم الأوروبية.
آلاف المهاجرين من هذا الجحيم مرشحون سنويا للعبور نحو أوروبا، من نقاط عبور مثل تونس، الجزائر، وخصوصا المغرب. ولا يمكن أن يعبروا جميعا وكأن الأمر يتعلق بجولة سباحة بعد العصر.
لا شك أن الحقوقيين الفرنسيين طالعوا صور خبر إطلاق السلطات الجزائرية النار على مرشحين للهجرة، كانوا بصدد العبور من المياه المغربية، سباحة، إلى مليلية. وبدا واضحا أن التيار جرفهم نحو المياه الجزائرية.
إطلاق النار على المرشحين للهجرة، بهدف قتلهم وليس إفزاعهم أو منعهم من دخول المياه الجزائرية، ليس حادثا عابرا.. لكن لم نسمع حتى الآن عن أي بلاغ من هؤلاء «الحقوقيين» يندد بما يقع هناك على الحدود.
المقيمون في فرنسا، خارج قوانين الهجرة ونظام التأشيرة، يعانون هذه الأيام مع العنصرية، قبل موجة البرد القارس. لكن هناك في باريس، من لا يرون كل هذا الواقع المتجمد، ويفضلون أن يذهبوا بنظرهم بعيدا نحو الضفة الأخرى للمتوسط، لِـ«يقلقوا» قليلا على وضعية المرشحين للهجرة.. خارج القانون!





