
يونس جنوحي
ما إن حلت ساعة المؤتمر الإسلامي في تلك الأيام الشاحبة من أكتوبر سنة 1986، حتى شحذت سوريا ومعها إيران أسلحتها لإعلان ملتمس طرد المغرب من «المؤتمر الإسلامي»، بسبب تطورات المفاوضات بين الدول العربية وإسرائيل ومساعي إنهاء الصراع في الشرق الأوسط.
بالنسبة للملك الحسن الثاني، فإن مساعي حافظ الأسد لم تكن مُفاجئة، لكن موقف إيران كان انحيازا لسوريا فقط. فقد كانت إيران متورطة في صفقة شراء أسلحة من إسرائيل، وفي الوقت نفسه تدعو لطرد المغرب بسبب موقف الملك الراحل بخصوص السلام وفض النزاع العربي- الإسرائيلي.
وفي الوقت الذي كان فيه المغرب يترأس لجنة القدس، ويعمل الملك الحسن الثاني، بشكل منفرد، على تقديم المساعدة لياسر عرفات في عز تخلي حافظ الأسد والقذافي وغيرهما عن مساعدة الفلسطينيين.. اختارت كل من سوريا وإيران أن تزايدا على المغرب، في نزاع ظاهره القضية الفلسطينية، وفي كواليسه خلافات سياسية سببها تأييد البلدين معا -سوريا وإيران- للانفصال في الصحراء، بل وتمويل الانفصاليين والجيش الجزائري لإبقاء الصراع متقدا على الحدود.
نعود هنا إلى السفير محمد التازي، ليحكي عن تلك الدقائق العصيبة من قلب القاعة التي احتضنت المؤتمر في بناية الأمم المتحدة في نيويورك:
«وامتلأت القاعة بالوفود الإسلامية، ووصل الدكتور الفيلالي إلى منصة الرئاسة، وعن يمينه الأمين العام للمنظمة، وعن يساره الأمين العام المساعد في الشؤون السياسية، ووسط دهشة واستغراب أعضاء الوفد المغربي، جلستُ في مقعد رئيس الوفد، وقال الرئيس وزير خارجية المغرب:
-الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
السيد الأمين العام، السادة الوزراء رؤساء الوفود..
وارتفعت أصوات في القاعة. نقطة نظام، نقطة نظام..
فانحنى الأمين العام على رئيس الجلسة ليبلغه أن رئيس وفد إيران ورئيس وفد سوريا يطلبان نقطة نظام.
وأعطى الرئيس الكلمة لرئيس وفد إيران.
رئيس وفد إيران (لا يوجه كلامه للرئيس وإنما للحاضرين):
-لست أدري بأي صفة يكلمنا هذا المتحدث؟ فالاجتماع هو اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية، والمتحدث ينتسب إلى دولة كانت إسلامية، أما اليوم فإنها بعيدة عن الإسلام والمسلمين، لذلك أطلب منه باسم الإسلام أن يغادر المنصة والقاعة، هو والوفد المرافق له..
وما كاد ينهي كلامه، ويشرع الدكتور الفيلالي في مواصلة إلقاء كلمته، حتى ارتفعت أصوات، وعلا ضجيج من مقاعد الوفد السوري، يطالب بنقطة نظام، ويستجيب له رئيس المجلس، وكنت أتمنى لو لم يفعل.
رئيس الوفد السوري:
-إنني أؤيد كل ما قاله زميلي رئيس الوفد الإيراني.. إن الدكتور الفيلالي صديقي وأحترمه، والشعب المغربي ناضل معنا في الجولان، ونحن نكن له كل تقدير، فمعركتنا ليست مع الوزير ولا مع الشعب، وإنما مع النظام.
ويضيف رئيس الوفد السوري قائلا:
-لذلك سيدي الوزير أرجو أن تستجيب لإرادة المجلس وتترك الرئاسة.
وانتظرت أن يطلب الكلمة للرد أي وفد، وساد الصمت في القاعة، ولعلهم كانوا يتوقعون أن يجمع الدكتور الفيلالي أوراقه ويغادر المنصة.
ورفعت يدي أطلب الكلمة، وقال رئيس المجلس:
-الكلمة لرئيس وفد المغرب.
وكان تدخلي هو الاتي:
-السيد الرئيس، أصحاب المعالي الوزراء، السادة أعضاء الوفود، استمعت إلى رئيس الوفد الإيراني ورئيس الوفد السوري، وهما يتحدثان بحماس عن الإسلام والمسلمين، وعن القضية الفلسطينية والمخاطر التي لحقت بالشعب الفلسطيني من جراء لقاء إفران، وأبدأ بإيران الغيور نظامها على الإسلام والمسلمين، وردي على «هوهوة» رئيس وفدها هو أن المغرب لم يستورد سلاحا من إسرائيل ليقتل به أطفال العراق والمسلمين، ولعلكم شاهدتم يوم أمس في قنوات التليفزيون عمال ميناء هرمز الإيراني والمسلمين حقيقة لا ادعاء، يرفضون تفريغ شحنة من الأسلحة التي اشتراها النظام الإسلامي الإيراني من إسرائيل، ثم تزعم إيران أنها تسلح المقاومة الإسلامية في لبنان لمحاربة الصهيونية. هل يستطيع رئيس الوفد الايراني أن يكذبني؟
إني أتحداه باسمكم جميعا، وسأتوقف لحظة عن مواصلة كلامي لأعطيه الفرصة للرد وأرجو من الرئاسة ألا تحرم الوفد الإيراني من دفع هذه التهمة عن سمعة بلاده الإسلامية، والتي خدعت المسلمين حين أقفلت مقر البعثة الإسرائيلية في طهران وسلمتها للأخ «هاني الحسن» ممثل منظمة التحرير الفلسطينية لدى الثورة الإيرانية.
ولم يتكلم رئيس الوفد الإيراني، ولم يطلب الرد».
كان هذا مقتطفا من الرد على إيران.. فكيف كان الرد المغربي على حافظ الأسد إذن؟




