حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

خُلِقَ ليعترض 

في كل زمن هناك من يختار أن يكون ضدّ كل شيء. ضدّ السلطة، وضدّ المعارضة، وضدّ المؤسسات وضدّ الشمس إن أشرقت في غير الموعد الذي يناسب مزاجه. هؤلاء ليسوا ثواراً ولا فلاسفة وجوديين، بل عشّاق النفي الدائم، الذين يجدون في العدمية مأوى نفسياً مريحاً يحررهم من عبء التفكير في البدائل أو تحمل مسؤولية التغيير الحقيقي.

العدمية ليست فكراً جديداً، فهي قديمة قدم الفلسفة ذاتها، لكنها اليوم ترتدي قناع «النضال» وتختبئ وراء شعارات لامعة عن «الكرامة» و«العدالة» و«التنمية». غير أن جوهرها واحد: كل ما تفعله الدولة خطأ، وكل ما تنجزه الحكومة مؤامرة وكل مشروع وطني ضخم هو «تبذير للأموال العامة» حتى لو كان سيضع البلاد على خارطة العالم.

خذ، مثلاً، النقاش الدائر حول تنظيم كأس العالم 2030. ما إن أُعلن عن الحدث حتى خرجت جوقة العدمية الافتراضية في مظاهرة رقمية، تحمل شعارات «لا لكأس العالم» و«الأولوية للتعليم والصحة». شعارات جميلة ظاهرياً، إلا أنها تخفي خلفها منطقاً ساذجاً يرى التنمية كقطاعات متنافرة لا كمنظومة متكاملة. فهل الاستثمار في البنية التحتية الرياضية يتعارض مع بناء مستشفى أو مدرسة؟ وهل تنظيم تظاهرة عالمية هو خيانة للفقراء أم فرصة لتسويق البلاد وخلق الثروة؟

العدمي لا يهمه الجواب، لأن العدمية لا تبحث عن الحقيقة، بل عن الموقف. المهم أن ترفض، أن تصرخ، أن تكتب منشوراً غاضباً يجلب الإعجابات ويمنحك شعوراً زائفاً بالبطولة. إنهم جنود «الكيبورد» الذين يوزّعون شهادات الوطنية والخيانة كما توزّع النقاط في مباراة افتراضية.

ما يميز العدمية الجديدة في المغرب أنها لم تعد نخبوية كما كانت في مقاهي المثقفين؛ بل أصبحت جماهيرية تُروّج عبر «الترند» و«الهاشتاغ». فبدل أن يسأل الشباب كيف يمكن تحويل الحدث الرياضي إلى رافعة اقتصادية، يسألون فقط: كم صرفت الدولة؟ وبدل أن يناقشوا إصلاح منظومة التعليم أو العدالة الجبائية، يختزلون كل شيء في عبارة: «البلاد ما عطاتنا والو».

والطريف أن هؤلاء العدميين يرفضون كل مبادرة باسم الفقراء، دون أن يقدموا للفقراء حلاً واحداً. ينتقدون الدعم الاجتماعي دون أن يقترحوا بديلاً، ويهاجمون الاستثمار دون أن يقدموا مشروعاً إنتاجياً، ويشككون في المؤسسات دون أن يبنوا مؤسسة واحدة. وكأن رسالتهم الوحيدة هي: «إن لم تستطع إقناعهم بذكائك، فأبهرهم بغبائك».

في المقابل، لا أحد ينكر أن هناك اختلالات أو تأخراً في بعض المجالات، غير أن الفرق بين النقد البنّاء والنقد العدمي أن الأول يسعى للإصلاح، بينما الثاني يتغذى على الإحباط. النقد البنّاء يطرح سؤال «كيف نحسّن؟» أما العدمية فتكتفي بسؤال «لماذا نتعب؟». إنها فلسفة الكسل المقنّع في ثوب الوعي.

قد يقول قائل: «لكن العدمية أيضاً شكل من أشكال الوعي!»، نعم، إذا كانت نيتشية تبحث في معنى الوجود، لا إذا كانت «فيسبوكية» تبحث في عدد المشاركات. العدمية التي نراها اليوم ليست تمرّداً فلسفياً على الفراغ، بل تمرّداً فارغاً على أي امتلاء. هي رفض لكل شيء، حتى لما قد يكون في صالح الناس، لأن الاعتراف بالنجاح يقلل من قيمة الشكوى، والشكوى صارت رأس مالهم الرمزي.

ومن المفارقات المضحكة أن كثيراً من هؤلاء العدميين يعيشون يومهم بفضل ما تنجزه الدولة التي يهاجمونها: طريق سيّارة بناها «الفاسدون»، إنترنت وفره «اللوبي»، مستشفى عمومي «فاشل» لكنهم يقصدونه عند أول وعكة. يعيشون في رحم النظام وهم يلعنونه، تماماً كما يلعن السمك البحر وهو يتنفس ماءه.

العدمية حين تتحول إلى موقف جماعي، تصبح خطراً أكبر من الفساد ذاته. الفاسد يسرق المال، أما العدمي فيسرق الأمل. والأمم لا تسقط حين تُنهب خزينتها، بل حين يُنهب إيمانها بالمستقبل.

لا أحد يقول إن الدولة معصومة، ولا إن الحكومة بلا أخطاء، إلا أن اختزال الواقع في سوداوية مطلقة لا ينتج وعياً بل عجزاً. والوعي لا يُقاس بحدة الغضب، بل بقدرة النقد على أن يفتح طريقاً.

العدمية اليوم ليست رفضاً للنظام، بل استقالة من التاريخ. فحين يتحول الرفض إلى مهنة، تصبح الثورة سلعة والغضب أداءً مسرحياً بلا مضمون. وربما لهذا السبب يصرّ العدميون على البقاء في الظل؛ لأن النور قد يفضح خواءهم الفكري، تماماً كما يفضح ضوء الصباح من يتخفّى في العتمة.

لا أحد يطلب من العدمي أن يصفّق، بل فقط أن يفكر، أن يخرج من دائرة النفي إلى دائرة الفعل، أن يدرك أن النقد ليس مرادفاً للرفض، وأن المعارضة لا تعني التخريب. فالوطن لا يُبنى بالصراخ، بل بالاقتراح، ولا يُقاس حبّ الوطن بعدد المنشورات، بل بصدق الرغبة في إصلاحه.

العدمية ليست خطراً لأنها تكره الدولة، بل لأنها تمنعنا من الحلم بها أفضل. والذين يرفعون اليوم شعار «لا لكأس العالم» قد يرفعون غداً شعار «لا للحياة»، لأن من يتغذى على الرفض لا يعيش إلا حين يعارض.. لكن الحياة، كما التنمية، لا تحتمل هذا الفراغ الطويل.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى