
الغرب لا يمل من تقديم نفسه كالمعلم الصارم في مدرسة الحرية العالمية. يقف على منصاته اللامعة ليعطينا دروسًا عن حرية التعبير وكأننا تلاميذ كسالى لم نحفظ الدرس. لكن حين تنظر عن قرب، تكتشف أن الغرب نفسه صار يعيش في قاعة امتحان مراقبة بالكاميرات، حيث كل كلمة محسوبة، وكل جملة يجب أن تمر عبر جهاز كشف الصوابية السياسية. نعم، تلك الصوابية التي تحولت إلى ديانة جديدة، تُوزَّع فيها صكوك الغفران على من يردد التعابير الصحيحة، وتُفرض العقوبات على من يتجرأ على المزاح خارج القاموس المقرر.
المشهد في الغرب اليوم لا يختلف كثيرًا عن عروض السيرك: المهرج مسموح له بالضحك، لكن فقط في اللحظة المناسبة. جرب أن تضحك في غير وقتك، ستجد نفسك مطرودًا من الخيمة. وخير مثال على ذلك ما حدث قبل أيام لجيمي كيميل، أحد أشهر مقدمي البرامج الساخرة في أمريكا. الرجل لم يرتكب جريمة سوى أنه علّق بسخرية على اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك، فاندلعت عاصفة من الغضب الرقمي، ثم السياسي، ثم المؤسسي، وانتهى الأمر بإلغاء برنامجه. حرية التعبير هنا تشبه عقد عمل، صالحة ما دامت لا تمس المقدسات الجديدة، وإلا فسخ العقد فورًا مع اعتذار علني أمام الجمهور الغاضب.
لكن الغريب أن الغرب، رغم غرقه في هذه الرقابة اللطيفة، لا يتوقف عن مهاجمة دول العالم العربي باعتبارها مقبرة للكلمة الحرة. صحيح أن عندنا رصيدًا لا بأس به من المشاكل، لكن، على الأقل، لم نخترع بعد تقنية «الإلغاء عبر الهاشتاغ» ولا أسسنا وزارات للصوابية السياسية تتابع كل تغريدة وتزنها بميزان الذهب. عندنا الرقابة واضحة وفجة، أما عندهم فهي مغلفة بالسكر النباتي: تُمنع من الكلام باسم الدفاع عن التنوع، وتُطرد من منصتك باسم حماية مشاعر الآخرين.
الازدواجية هنا تصرخ بأعلى صوتها. الغرب يحاضر فينا عن حرية الصحافة بينما صحافي، مثل جوليان أسانج، يقبع في السجون لأنه تجرأ وكشف بعض أسرارهم القذرة. إدوارد سنودن يعيش منفيًا لأنه فضح أن «أرض الأحرار» تتجسس على مواطنيها أكثر مما تفعل أي دولة بوليسية في العالم الثالث. هؤلاء ليسوا معارضين عربًا يشتكون من رقابة حكومية، بل أبناء الديمقراطية الغربية نفسها الذين اكتشفوا أن القلم هناك قد يتحول بسرعة إلى حبل يلتف حول الرقبة.
المضحك أن الغرب يصرّ على أن ازدواجيته ليست ازدواجية، بل «نضجا ديمقراطيا». فإذا منعتَ رأيًا مخالفًا في العالم العربي فأنت قمعي، أما إذا فعلت نفس الشيء في واشنطن أو باريس فأنت تدافع عن قيم المجتمع. وإذا احتجزت مظاهرة في الرباط فأنت ديكتاتور، أما إذا قمعت احتجاجًا في لندن فأنت فقط «تحافظ على النظام العام». معادلة بسيطة: القمع عندنا تهمة وعندهم فضيلة.
ولا تتوقف المسرحية عند حدود السياسة. هناك أيضًا صناعة كاملة لتحويل المآسي إلى محتوى ترفيهي. الولايات المتحدة التي أسقطت آلاف الصواريخ على العراق لم تكتفِ بالدمار، بل عادت بعد سنوات لتبيع القصة في شكل فيلم أو مسلسل، حيث يظهر الجندي الأمريكي المسكين وهو يكتب رسالة دامعة لأمه من قلب بغداد. العراقي الذي فقد أسرته يُختصر في مشهد جانبي، بينما تحتل دموع الجندي الشاشة الرئيسية. هكذا تتحول المأساة الكبرى إلى رواية بطولية، وتتحول آلة الحرب إلى شركة إنتاج درامي.
والأجمل أن هذا المحتوى نفسه يُسوَّق إلينا باعتباره ذروة الإنسانية. نحن مطالبون بأن نتعاطف مع من غزانا، وأن نفهم صدماته النفسية، بينما لا أحد يفكر للحظة في عرض صدماتنا نحن. هل شاهدت يومًا فيلمًا عن طفل عراقي يتيم أو عن أم سورية فقدت أبناءها؟ طبعًا لا، فهذه القصص لا تناسب سوق الترفيه الغربي.
لكن فلنكن منصفين، الغرب بارع فعلًا في هندسة الخطاب. يعرف كيف يبيعنا وهم الحرية وهو يمارس رقابة مشددة على مواطنيه. يعرف كيف يفرض معاييره الأخلاقية علينا بينما يخرقها في الداخل. يعرف كيف يقدّم قمعه كعلامة نضج، بينما يضع قمعنا نحن في خانة البدائية. وحتى حين يتعرض هو نفسه لفضيحة، يجد طريقة لتحويلها إلى مادة تسويقية.
القصة، إذن، ليست عن حرية حقيقية، بل عن احتكار للخطاب. الغرب يريد أن يبقى الموزع الحصري لشهادات الحرية في العالم، مثلما يحتكر توزيع الأفلام أو التكنولوجيا. نحن مسموح لنا أن نستهلك شعاراته، لكن لا يحق لنا أن ننتج نسختنا الخاصة. وإذا تجرأنا وفعلنا، اتُهمنا فورًا بالرجعية والتطرف.
كل ما يفعله الغرب هو إعادة إنتاج القمع بشكل أنيق. عندنا الشرطة تمنع مظاهرة بالعصا، وعندهم تويتر يلغي حسابك بابتسامة. عندنا الرقابة تُمارَس بالقوانين، وعندهم بالصوابية السياسية. عندنا سجون حقيقية، وعندهم إلغاء رقمي قد يكون أشد قسوة لأنه يطردك من الحياة العامة تمامًا. الفرق الوحيد أن قمعهم مزوّد بواجهة زجاجية تعكس الضوء، فيبدو أكثر بريقًا وأقل خشونة.
وهكذا، بينما نستمع كل يوم إلى خطبهم عن «حرية التعبير»، نكتشف أن ما يعرضونه ليس حرية بل مسرحية. وأن ما يبيعونه ليس قيمة إنسانية بل سلعة مدفوعة الثمن. وأن ما يمارسونه ليس نضجًا ديمقراطيًا بل ازدواجية وقحة. ومع كل ذلك، لا يزالون يطالبوننا بالتصفيق، وربما بالبكاء قليلًا أمام الشاشة، حتى نصدق أن الكابوس الذي نعيشه اسمه «الحلم الغربي».





