حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

استعراض طيران فوق “ولاد يعيش”

 

 

يونس جنوحي

 

رغم أن اسمه ارتبط بلعنة المعتقل السري سيئ السمعة “تازمامارت”، إلا أن صالح حشاد من كفاءات المغرب في مجال الطيران العسكري، وأحد شهود المرحلة على تأسيس سلاح الطيران في المغرب، وتسلّمِ المغرب للقاعدة الجوية بعد رحيل القوات الأمريكية.

رحل عنّا صالح حشاد الأسبوع الماضي، وشيعه أحباؤه إلى مثواه الأخير.. هو الذي كان يعتبر أن حُريته صودرت منه قبل عقود عندما لم يعد مسموحا له بأن يُحلق بالطائرة المقاتلة في الأجواء. مات حشاد للمرة الثانية إذن، والأخيرة.

اقتنصته أعين الباحثين الفرنسيين عن التلاميذ المتميزين في مادة الرياضيات خلال أربعينيات القرن الماضي، وأخذوه من “ولاد يعيش” نواحي بني ملال، لكي يرسم لنفسه مسارا أكاديميا ملفتا أهله مباشرة للالتحاق بتخصص الطيران العسكري، ويتدرب في فرنسا على التحليق بالطائرات الصغيرة التي يعود زمن استعمالها إلى الحرب العالمية الأولى. ومع بوادر استقلال المغرب خريف 1955، عاد حشاد إلى المغرب واشتغل بداية في إيصال الطرود البريدية من الأقاليم الجنوبية نحو الرباط.

تدرب حشاد على طائرات الـ”ميگ” السوفياتية، التي تسلمها المغرب من الروس وامتد العمل بها إلى حدود 1962. وبعدها جاء عهد الـ”F5″ الأمريكية الشهيرة. رحل حشاد إلى الولايات المتحدة، وتدرب على الطائرات الأمريكية في إطار الاتفاق العسكري بين الحسن الثاني والرئيس كينيدي. تفوق حشاد على الطيارين الأردنيين والإيرانيين والمصريين، وأحرز الـ”Top Gun”، أرفع جائزة أمريكية للطيارين العسكريين المتنافسين على الـ”إف 5″.

ومن أطرف ما حكاه لي حشاد شخصيا أنه عندما أنهى التدريب، قدم له العسكريون الأمريكيون الطائرة المقاتلة بموجب الاتفاق العسكري بين المغرب والولايات المتحدة، وطار بها بنفسه، قاطعا المحيط الأطلسي ليحط بها في قاعدة القنيطرة في رحلة قاربت ثماني ساعات.

ظهر صالح حشاد في الفيلم الوثائقي “الطريق إلى تازمامارت” الذي أنتجته قناة Télé Maroc” ” الفضائية، وقدم شهادة مُلفتة تتعلق بما عاشه أثناء انقلاب سنة 1972 الذي استهدف طائرة الملك الراحل الحسن الثاني. وقبل التصوير أخبرني أنه يتمنى أن يشاهد صورا لمحاكمته بعد أن شُفي تماما من “المرحلة”. وفاجأتُه عندما قدمت له شريطا، ظهر في الفيلم وهو يطالعه، ويرى نفسه شابا ماثلا أمام هيئة الحكم التي كان من بين أفرادها الجنرال الدليمي، أحد الناجين من الانقلاب..

انتقلتُ مع حشاد، أحمد المرزوقي، والطيار المفضل الماگوتي رحمه الله، وامجاهد، وآخرين إلى تازمامارت، ووقف صالح فوق تربة المعتقل سيئ السمعة.. ورغم أن الجدران الخرسانية نُسفت بكاملها، إلا أن آثار زنزانته الضيقة كان لا يزال ظاهرا فوق الأرض القاسية. كان لافتا أن يتعرف حشاد على مكان زنزانته وزنازين أصدقائه.. ووقف في مكانه وأغمض عينيه للحظات.. احترمتُ اللحظة ولم أطرح أي سؤال.

سبق لي مرة أن سألتُ صالح حشاد عن اللحظة التي يختصر فيها تجربته في الطيران. فرد بدون تفكير قائلا إن أروع تجربة طيران عاشها في حياته، عندما حلّق فوق قريته “ولاد يعيش” نواحي بني ملال.

في نهاية خمسينيات القرن الماضي، كان حشاد مكلفا بنقل البريد من الرباط نحو إدارات الأقاليم الجنوبية في الصحراء. ووقتها لم تكن هناك أجهزة تعقب بالأقمار الصناعية، وكان نظام الطيران “متسامحا”. كان يُسمح للطيارين بالتوقف للتزود بالوقود والانحراف “قليلا” عن مسار الرحلة. وكان قد وعد عائلته في “الدوار” أنه سوف يحلق فوق رؤوسهم.

وصل حشاد فوق “ولاد يعيش”، وقت الظهيرة في يوم قائظ. وبدأ يؤدي حركات استعراضية فوق منزل العائلة، لكن خيبته كانت كبيرة عندما لم يخرج أحد من أهل الدار لتحيته. أحس، رحمه الله، أن جهده في تغيير مسار الرحلة نحو “الدوار”، قد ضاع. وقرر أن يؤدي حركة أخيرة يقترب فيها من الأرض. لا شيء. عندما انعطف حشاد بالطائرة لكي يغادر أجواء القرية، لمح صفا طويلا من أفراد عائلته، نساء ورجالا، خرجوا جميعا إلى الحقل الشاسع المقابل للدار. الرجال يلبسون الجلابيب البيضاء، ويضربون الدف، والنساء يرتدين “القفاطين”، وانخرطوا جميعا في رقصة احتفال بـ”صالح” الطيار. لقد تأخروا لأنهم كانوا يلبسون ما يليق باللحظة!

لم يتمالك حشاد نفسه لينعطف مرة أخرى، ويؤدي من أجلهم بضع مناورات بالطائرة الصغيرة، وتقلّب في سماء الدوّار، محققا حلم الطفولة..

حكى لي سي حشاد هذه القصة ونحن في تازمامارت، وحكاها لي مرة أخرى في مقهى بمدينة القنيطرة. في تازمامارت لم يبك. لكن في مقهى القنيطرة، ذرف دمعة وحيدة، لم يبذل جهدا ليمسحها.. “ولاد يعيش” فقدت ابنها، أول من حلق فوق رؤوس عائلته بطائرة “الخِدمة” لكي يؤكد لهم أنه طيار فعلا. وعندما ذهب إلى تازمامارت، تأكد لهم جميعا أنه طار مرة، في زمن ومكان غير مُناسبين..

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى