
في ظل التقلبات المناخية التي تشهدها المملكة، وما رافقها من نشرات تحذيرية للأرصاد الجوية، والتي تأرجحت بين المستويين البرتقالي والأحمر، أصبح المواطن المغربي مهتما أكثر من أي وقت مضى بأخبار الأمطار والرياح والزمهرير.
في أنشودة أحمد بوكماخ، “جاء المطر”، والتي حملت تنبيهات لجيلنا من مضاعفات زخات المطر، وتمنعنا نحن الأطفال من اللعب، نلمس إشارات أشبه بتحذيرات الأرصاد الجوية حين تدعونا إلى التسلح بالحيطة والحذر ونحن نعيش تحولا مناخيا انتقل بنا من حالة الجفاف والقحط إلى وضع مناخي ارتفع فيه منسوب المياه فتجاوز احتياجاتنا من المطر.
اليوم أصبحت محتويات التقلبات الجوية الأكثر إقبالا من باقي المحتويات على منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت الأرصاد الجوية قبلة يومية تلتقي فيها كل أطياف المجتمع، بل إن الأرصاد الجوية لم تعد مجرد مؤسسة للإشعار بالمطر وقياس حرارة الجو، بل أضحت علما يتجاوز القراءات الفلكية إلى دراسة كافة التقلبات التي تحدث ضمن الغلاف الجوي للأرض، فضلا عن الاهتمام بتوقع تغيرات الطقس اليومية.
الرصد الجوي ليس علما حديثا بل له جذور تعود إلى زمن الحضارة اليونانية، ويمكن اعتبار الفيلسوف اليوناني “أرسطو” مبتدع أو مؤسس علم الأرصاد الجوية أو علم الظواهر الجوية، وبذلك يكون أول ظهور لعلم دراسة الجو أو الأرصاد الجوية في زمن الإغريق، قبل أن يتم تأسيس أول شبكة للرصد الجوي بإيطاليا في القرن السابع عشر على يد “فيرنانديز الثاني”، وانتظر العالم حتى 1951 لتتشكل “المنظمة العالمية للأرصاد الجوية” تحت مظلة الأمم المتحدة، لتصبح بذلك أعلى هيئة تنظم عمليات الرصد وانتقال المعلومات الجوية حول العالم.
وفي المغرب، يعود ميلاد المديرية العامة للأرصاد الجويـة إلى بداية الستينات، كخدمة عمومية لصالح مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، قبل أن تعرف عدة تقلبات هيكلية.
“الأخبار” تسلط الضوء على هذا المرفق الذي لا ينتبه له المغاربة إلا في القحط وشدة المطر.
الأرصاد الجوية في رسائل الملك لمؤتمرات المناخ
رغم أن تأسيس المنظمة العالمية للأرصاد الجوية يرجع لسنة 1873، قبل أن يتم تحويلها إلى وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة سنة 1951، إلا أن إنشاء المديرية العامة للأرصاد الجوية المغربية تأخر إلى سنة 1961. غير أن المديرية العامة للأرصاد الجوية ظلت تقدم مساهمة خاصة في برامج وأنشطة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التي انضم المغرب إليها كعضو في يناير 1953.
في سنة 1990، أُلحقت هذه المؤسسة بوزارة الأشغال العمومية. وفي سنة 2023، أصبح المرفق معروفا باسم “مغرب-ميطيو”، مع منحه صفة مؤسسة عمومية خاضعة لوصاية وزارة التجهيز والماء.
وكانت نقطة التحول الرئيسية للمديرية العامة للأرصاد الجوية في عام 1990، من خلال ارتباطها بوزارة الأشغال العمومية. وبالإضافة إلى التوجيهات الملكية للراحل الحسن الثاني، خلال المقابلة التي أجراها في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بمناسبة قمة الأرض (مؤتمر ريو) في عام 1992، وكذلك عبر الرسالة التي وجهها إلى الدورة الثامنة للمجلس الأعلى للماء والمناخ سنة 1994، والتي تضمنت التوجهات الاستراتيجية للنهوض بالأرصاد الجوية الوطنية.
وخلال مؤتمر الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية (كوب 21) المنعقد بباريس سنة 2015، دعا الملك محمد السادس، عبر رسالة قرأها شقيقه الأمير مولاي رشيد، إلى “تطوير آلية قانونية شاملة وعملية ومتوازنة وكونية، تمكن من الحفاظ على ارتفاع حرارة الأرض دون مستوى درجتين مئويتين، والتطلع نحو اقتصاد خال من الكربون”، منبها إلى أن التهديد الذي صار عالميا، بحيث لا يمكن لأي قارة الإفلات من آثار التغيرات المناخية.
وجاء تنظيم المغرب لمؤتمر المناخ “كوب 22” في نونبر 2016، ليكشف أهمية الرصد المناخي، كما أوضح الخطاب الملكي، الذي وجهه محمد السادس، في الجلسة الرسمية مدى أهمية الرصد المناخي. وقال العاهل المغربي: “إن بلادنا تعتبر من بين أول الدول التي ساهمت في بلورة وعي عالمي بشأن تغير المناخ، وذلك منذ مشاركتي في قمة الأرض بـ”ريو” البرازيلية سنة 1992، حيث ترأست آنذاك بصفتي ولي العهد وفد المغرب. لقد أصبح من الضروري، توحيد التربية على قضايا البيئة والتوعية بدورها المصيري، في ضمان مستقبل البشرية، ثم إن المغرب سيكرس جهوده، خلال ولايته، والموارد المالية المتاحة، في هذه الفترة القصيرة، للنهوض بهذه المهمة الصعبة والنبيلة”.
الأرصاد الجوية من وصاية الفرنسيين إلى المغربة
اهتم المستعمر الفرنسي بالجانب المناخي منذ شتنبر 1928، عبر وزارة الملاحة الجوية، ونظمها ظهير 2 أكتوبر 1928، الذي أوكل لهذه الوزارة اختصاصات الرصد المناخي على المستوى الجوي، خاصة في تدبير تنقل الطائرات سواء الخفيفة أو الثقيلة، وهو الظهير الذي حمل توقيع وزير المستعمرات الفرنسية، قبل أن يتكفل عالم فرنسي جيولوجي يدعى هيبير بالأرصاد الجوية وعهد إليه بالإشراف على هذا الجانب بإمكانيات تقنية ولوجستيكية بسيطة. وكان علينا انتظار شهر أبريل من سنة 1929 لتعيش فرنسا لحظة تأسيس مصلحة الأرصاد الجوية الاستعمارية، والتي لا تربطها أي علاقة مع الأرصاد الفرنسية التابعة للطيران.
ولأن المغرب كان مستعمرا من طرف قوتين استعماريتين، وهما فرنسا وإسبانيا، فإن هذه الأخيرة كان لها اهتمام بالرصد المناخي للمنطقة الشمالية من المغرب وكذا الأقاليم الصحراوية التي كانت خاضعة للاستعمار الإسباني.
أغلب المشتغلين في عالم الأرصاد الجوية الاستعمارية أو الفرنسية وحتى الإسبانية، جاؤوا لهذا القطاع من قطاعات أخرى كالمعادن والطرقات في غياب شعبة خاصة بالأرصاد.
وبعد حصول المغرب على الاستقلال، كان لابد من استمرار بعض المهندسين الفرنسيين بالخصوص في مهامهم ضمن مصالح وزارة التجهيز التي كان يشرف عليها محمد الدويري، دون أن يعير اهتماما لهذه المصلحة التي تم التعامل معها كبنية تكميلية.
في غياب توثيق رسمي، تتحدث بعض الكتب القديمة عن الأرصاد الجوية، وتشير إحداها إلى أن أول عملية رصد مناخي تمت في المغرب ترجع لسنة 1896 بمدينة الصويرة، وهو ما يبرز الحاجة إلى متحف وطني للأرصاد الجوية المغربية.
لكن منذ نشأتها في بداية الستينات ظلت الأرصاد الجوية المغربية، مصلحة وطنية رائدة في مجال الأرصاد الجوية والمناخ، ولعبت دورا مهما على الساحة الوطنية والدولية من خلال توفير الخدمات المتعلقة بالجانب المناخي خاصة على مستوى التنبؤات.
وهنا لا بد من التوقف عند جنود الخفاء الذين عاشوا زمن التقشف وضعف الإمكانيات، لكنهم ضحوا بالكثير كي يستمر قطاع لا يهتم به المواطن العادي إلا في شح المطر وفيضه.
منذ بداية الستينات برزت أسماء عديدة في قطاع الأرصاد الجوية المغربية، نذكر منهم: بناصري وشعشوع وبلفايدة وبنعرفة وأنصاري وموحودي ومفيد وسلاسي وكسيكس وشفقي وغيرهم من الوجوه التي نذرت حياتها لخدمة الرصد الجوي وجس نبضه، منهم من درس في معاهد أوربية ومنهم من نهل من معين المدرسة الحسنية للأشغال العمومية بالمغرب، والتي تعتبر الوحيدة التي تقدم تدريبا في مجال الأرصاد الجوية، وتفرز مهندسين مختصين في قطاع الرصد الجوي في إطار اتفاق ثلاثي بين إدارة الأرصاد الجوية الوطنية ومدرسة الأرصاد الجوية في تولوز.
لويس جانتي.. مهندس جيولوجي حملت اليوسفية اسمه
عرفت مدينة اليوسفية لدى العامة باسم “الويجانطي” والحال أن المقصود هو المهندس الفرنسي “لويس جانتي” الذي ارتبط بحاضرة “احمر” وحجز لها في قلبه مكانة خاصة، يكفي أن قبائل هذه المنطقة التي وطأت تربتها أقدام عقبة بن نافع الفاتح الكبير لبلاد المغرب.
ولد لويس جانتي عام 1868 في فرنسا، لكنه هاجر رفقة والده صوب الجزائر التي قضى فيها طفولته وشبابه، ثم عاد إلى فرنسا وتحديدا لجامعة السوربون، التي أنهى فيها تعليمه العالي بشهادة الدكتوراه في هندسة المعادن، ما مكنه من الاشتغال في المناجم التي كان يستغلها المستعمر الفرنسي.
حل لويس بالصويرة عام 1902 في إطار مهمة ظاهرها علمي وباطنها استكشافي، قبل أن ينتقل إلى مراكش حيث كلف بإعداد خريطة جيولوجية للمنطقة، لكنه عاد إلى فرنسا أثناء دخول القوات الاستعمارية إلى وجدة، حيث قرر استكمال دراسته الجامعية وتحول إلى أستاذ في جامعة السوربون.
كان أول من فكر فيه المقيم العام الفرنسي المارشال ليوطي بعد تعيينه مقيما عاما في المغرب، هو لويس جانتي، إذ وجه له دعوة لشغل منصب مستشار علمي في مجال المناخ، فقبل العرض بشرط الموافقة على مشروع يرمي إلى بناء “المعهد العلمي الشريف” ويختص بإعداد الخرائط الجغرافية لمغرب كان عصيا على الفهم، وبعد ثمان سنوات خرج المشروع إلى الوجود.
انكب لويس على تكوين فريق عمل يسهر على إعداد أبحاث ميدانية في بلد يرفض الحماية الفرنسية، وسارع إلى إدخال مجموعة من الأجهزة التي تساعد على التنبؤ العددي بالطقس، والتغييرات المناخية، والتنبؤات العامة، والتنبؤات البحرية، والتنبؤات الخاصة بالطيران الجوي، وخدمات المناخ والتغيرات المناخية والتنقيب عن مناجم ظلت لسنوات تشتغل بشكل بدائي، وبفضل جهوده تم استغلال العديد منها خاصة في مجال الفوسفاط.
عاش لويس هائما على وجهه عاش حياة الترحال بين مناطق المغرب إلى أن توفي عام 1925 بوباء موسمي.
بيير لوغوا.. مسؤول بمركز الأرصاد الجوية ومساند لاستقلال المغرب
في كتابه “ذاكرة الطيران” يتحدث الطيار الفرنسي السابق، بيير لوغوا” عن علاقته بالأرصاد الجوية، حين سيتم تعيينه طيارا في القاعدة الجوية بمراكش سنة 1953، بعد أن أنهى مهامه في ميدان الحرب العالمية الثانية، واستكمل تكوينه العلمي في مدرسة سان سير العسكرية.
يقول بيير: “وجدت نفسي أعمل كمتنبئ جوي في المغرب، الذي كان آنذاك تحت الحماية الفرنسية، في مراكش، في القاعدة الجوية التابعة للقوات الجوية الفرنسية، والتي كانت تدرب طياري المقاتلات. كان أخي يتدرب هناك. لم يكن في محطة الأرصاد الجوية سوى ستة أو سبعة مهندسين وفنيين ومجندين. وكان المغربي الوحيد، يدعى أحمد مسؤولا عن صيانة المحطة. وكما هو الحال في معظم محطات الأرصاد الجوية، كانت العلاقات المهنية والعائلية أخوية، لكنها لم تكن منفتحة على المجتمع المغربي. أدركت ذلك سريعا، مما دفعني إلى استئجار غرفة في المدينة القديمة، بالقرب من باب دكالة”.
كشف بيير عن الوسائل البسيطة التي اشتغلت بها المحطة، بالاعتماد على الهاتف والتلغراف، وبفضلهما جمعت محطة مراكش الرئيسية بيانات الرصد من المحطات المحيطة بها كأكادير، ورزازات، آسفي، وأجرت قياسات جوية باستخدام بالونات مملوءة بالهيدروجين، يتم تتبعها بواسطة جهاز ثيودوليت.
“تطلب ذلك مهارة بصرية فائقة، وكان الغرض الأساسي للمحطة هو الحماية الجوية للمجال الجوي المحيط بالقاعدة الجوية 707، وكذلك الرحلات الجوية فوق شمال المغرب، وحتى الرحلات المتجهة إلى باريس عبر الدار البيضاء. وشاركنا، بشكل ثانوي، في جهود مكافحة أسراب الجراد التي دمرت المحاصيل، وفي التنبؤ بالعواصف الرملية، وفي توقع أولى العواصف الرعدية في أواخر الصيف”.
كان ألبير كوت يرأس محطة أكادير للأرصاد الجوية، من أنشط المسؤولين عن المحطات المنتشرة في ربوع المغرب، لكن بيير شكل الاستثناء حين كان من مساندي استقلال المغرب، بصفته عضوا في حركة الضمير الفرنسي الداعمة لاستقلال المغرب، فضلا عن اهتماماته النقابية.
يتحدث لوغوا عن بدايات مركز الأرصاد الجوية الإقليمي بالدار البيضاء، فيقول: “تلقيت في أوائل عام 1956، تعيينا للالتحاق بمركز الدار البيضاء، كان المركز يقع داخل مجمع مطار معسكر كازيس، “مطار أنفا” هناك سكن خبراء الأرصاد الجوية وعائلاتهم في مجمع سكني مجاور، مُشكلين مجتمعا كبيرا كان على صلة وثيقة بمجتمع مراقبي الحركة الجوية، وفي الوقت نفسه منافسا لهم. اعتمد العمل المتعلق بحماية الطيران من تقلبات الطقس على تقنيات أكثر تطورا، تستند إلى نماذج تنبؤية كان تصميمها قيد التطوير على المستويين الوطني والدولي. هيمنت شخصية واحدة على عالم خبراء الأرصاد الجوية الصغير في الدار البيضاء، بل وفي المغرب بأسره: روبرت كازالي، بفضل كفاءته المهنية، كان رائدا في الأرصاد الجوية البحرية، ونشاطه النقابي والسياسي، وعلمه الغزير. أنهى مسيرته المهنية مديرا لمنطقة الأرصاد الجوية الجنوبية الغربية”.
بعد استقلال المغرب عاش معظم موظفي الأرصاد الجوية حالة قلق حول مصيرهم الوظيفي، لذا اختار كثير منهم العودة إلى فرنسا ابتداء من سنة 1958. وعاد لوغوا إلى باريس في المكاتب المركزية للدائرة الوطنية للأرصاد الجوية.
ماريس.. امرأة جمعت بين رصد الأجواء والتحليق في السماء
تحتاج سيرة ماريس باستيي التوقف عندها للتأمل في إصرار فتاة على ركوب التحدي مهما كان الثمن. فقد ولدت ماري يوم 27 فبراير 1898 في مدينة ليموج الفرنسية، وتوفيت في مدينة بورن يوم 6 يوليوز 1952، وفي رصيدها رقم قياسي في ساعات التحليق الجوي، كما أنها حطمت رقما قياسيا في تخليد اسمها الذي أطلق على أكثر من شارع ومدرسة ومسرح ومدارس لتكوين فن الطيران.
ولدت ماريس في بيت صغير بزنقة “بومونت” في ليموج، وهو الزقاق الذي يحمل اليوم اسمها، عاشت حياة اليتم بعد وفاة والدها وعمرها لا يتجاوز عشر سنوات، ما حولها إلى يافعة صعبة المراس خاصة بعد أن اختارت دخول عالم الشغل لمساعدة والدتها على تدبير لقمة العيش، إذ اشتغلت في مصنع صغير للأحذية. تزوجت مبكرا وعمرها لا يتجاوز 17 ربيعا لكن زوجها سرعان ما توفي، فتعرفت حينها على طيار يدعى لويس ينحدر من مدينة تولوز الفرنسية، ومعه اكتشفت فن التحليق الجوي وأصرت رغم ضعف رصيدها الدراسي على الطيران.
ساعدها زوجها على دخول المغامرة، لكنه أصر على أن تختص زوجته في رصد الأحوال الجوية وقراءة التنبؤات الخاصة بالتحليق الجوي، وفي شهر شتنبر من عام 1925 حصلت على شهادة الكفاءة المهنية في رصد الطيران، وأمام استغراب لجنة الاختبار تمكنت من الجمع بين المهام المكتبية خلف شاشة التوقعات وبين التحليق دون خطأ في أجواء مدينة بوردو الفرنسية، والأغرب أن تمارس تحليقا استعراضيا خلال الاختبار التطبيقي.
بعد عام واحد من حصول ماريس على شهادة الرصد الجوي للطيران المدني، توفي زوجها الطيار، في حادثة جوية خلال نزوله أرض المطار في ظروف مناخية مضطربة. حينها قررت المرأة الثكلى أن تخصص ما تبقى من حياتها لتكوين جيل جديد من الربابنة والمختصين في الرصد، لكن التجربة دامت ستة أشهر قبل أن يتم إغلاق مدرسة التكوين، فقررت شراء طائرة خاصة بها تمكنها من التحليق متى شاءت، خاصة وأنها أول فرنسية تمارس مهنة الإشهار من الجو، حيث كانت ترسل وهي فوق باريس قصاصات إشهارية ملونة، كما حطمت الرقم القياسي الفرنسي في عدد ساعات التحليق جوا والتي بلغت 37 ساعة، ما مكنها من الحصول على أوسمة ونياشين من الحكومة الفرنسية.
لكن حلمها الكبير كانت تختزله في إنشاء مدرسة لتكوين الطيارين والمرصدين، وهو ما تأتى لها في مطار أورلي حيث أنشأت “مدرسة ماريس للطيران”، كما شاركت في الحرب العالمية الثانية وكانت تقطع المسافات بين باريس والجزائر أو الدار البيضاء كل أسبوع، لكنها كانت تتوقف في وجدة المدينة التي نسجت معها علاقة مودة وحرصت على زيارتها كلما حلقت نحو الجزائر، بل إنها نظمت مبادرات إنسانية في ثانوية البنات بوجدة والتي حملت اسم ماريس قبل أن يحصل المغرب على الاستقلال.
ماتت ماريس في حادث جوي يوم 6 يوليوز 1952 بمطار ليون، ودفنت في باريس بمقبرة مونبرناس وهي برتبة قبطان.
محمد بلعوشي.. درس الطب وأصبح خبيرا في التنبؤات المناخية
يعد محمد بلعوشي من أوائل مقدمي نشرات الأحوال الجوية على التلفزيون المغربي، كان ذلك في زمن الجفاف حين تمت الاستعانة به ليس فقط لخبرته الواسعة في هذا المجال، بل كونه من أوائل مهندسي الأرصاد الجوية في المغرب، ولقدرته على التبليغ بشكل سلس، في زمن كان فيه الحديث عن التنبؤات المناخية ضربا من الشرك.
ولد محمد بلعوشي في مدينة وجدة سنة 1952، ودرس في مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية المجاورة لمسكن عائلته، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا في شعبة علمية سيلتحق بالعاصمة الرباط حيث انضم لكلية الطب، سنة 1971، بناء على رغبة والده، في فترة زمنية كانت فيه الجامعة المغربية تعرف احتقانا طلابيا.
اضطر الفتى الوجدي إلى تغيير بوصلته الدراسية من الطب إلى الهندسة المناخية، فانضم إلى مصلحة الأرصاد الجوية التابعة لوزارة التجهيز، وهي المصلحة التي لم تكن لها بالغ الأهمية في منظومة الوزارة، لذا قرر السفر إلى تونس برعاية من وزارة الديوري والتحق بمدرسة الطيران المدني والأرصاد الجوية، التي تدرب الطيارين والملاحين الجويين ومهندسي الأرصاد الجوية، من مختلف دول المغرب العربي، وبعد أربع سنوات، تخرج بشهادة في هندسة الأرصاد الجوية وعاد إلى وطنه. كان ذلك عام 1978.
تلقى تعيينا ألحقه بمركز الأرصاد الجوية بالدار البيضاء، وتحديدا بمطار أنفا، تحت إشراف رئيس المركز وكان فرنسي الجنسية، اقتصرت مهمته على تحديد مناطق الاضطرابات الجوية أو التجلد، بالإضافة إلى مناطق قص الرياح التي يجب على الطيارين تجنبها، في ظل غياب وسائل العمل المتطورة التي لم تكن تصل لما كانت تتوفر عليه تونس.
في سنة 1980، تمت ترقية بلعوشي إلى قسم التنبؤات الجوية العامة، وفي العام الموالي خطا خطواته الأولى في عالم التلفزيون، حين شارك في أولى نشرات الأحوال الجوية في القناة الرسمية وكانت الوحيدة.
يرجع الفضل في جمع بلعوشي بين الأرصاد الجوية وتقديم حصة النشرة الجوية على التلفزيون، لمنشط فقرة جوية بالقناة الفرنسية الثانية ميشال شوفالييه، حين التقاه صدفة خلال دورة تكوينية في فرنسا وتعرف عليه قبل أن يصبح ملهمه في مجال التنشيط التلفزي.
إلى جانب ذلك، درس محمد بلعوشي تخصصه، وكان العديد من كبار موظفي المديرية الوطنية للأرصاد الجوية من طلابه، وأنهى مساره في مجال العمل الخيري بمسقط رأسه وجدة.
النشرة الجوية في التلفزيون المغربي بين الفاضيلي والفيزازي
حين رفع الإعلام المرئي شعار “التلفزة تتحرك” منتصف الثمانينات من القرن الماضي، تحولت فقرة النشرة الجوية التي كانت تعرض بعد شريط الأخبار الرئيسية على القناة الأولى، من فقرة إخبارية إلى فسحة فنية يقدمها الفنان الكوميدي الراحل عزيز الفاضيلي بخفة دم، حتى أصبح المغاربة ينتظرون انتهاء الأخبار الرئيسية ليحمل إليهم الفاضيلي أخبار الطقس بمقاربة فنية.
جالس عزيز الفاضلي خبراء الأرصاد الجوية وجمعته لقاءات عديدة مع محمد بلعوشي حتى يجمع بين المعلومة الصحيحة والقالب الفني، مستخدما طريقته المتميزة في تقديم النشرة الجوية، حيث استطاع أن يجعل من هذه الفقرة محطة استراحة وترويح عن النفس لدى المتابعين.
لعب الطيب الصديقي دورا كبيرا في الدفع بالفاضيلي نحو قسم الأخبار بالتلفزيون، رفقة المهندس الفرنسي باكار وإقناعه بتقديم نشرة جوية بقالب ساخر دون أن يخدش مشاعر المغاربة الذين لهم حساسية من التنبؤات المناخية.
وباقتراح من بلعوشي استدعى التلفزيون المغربي الصحافي الفرنسي ميشال شوفالييه، ومكنه من آليات الاشتغال على النشرات الجوية بطريقة مختلفة، حولت النشرة الجوية من مادة إخبارية تختم المواد الإخبارية السياسية والاجتماعية والرياضية إلى فسحة للترويح بعد شريط الأخبار الطويل.
بعد انتهاء فترة التعاقد مع الفاضيلي أسندت إدارة الأخبار للصحفية سميرة الفيزازي نشرة أحوال الطقس، بعد مرض طارئ لإحدى مقدمات هذه الفقرة التي كانت تتابعها سميرة بحماس خاصة حين كان أمرها موكولا للفنان عزيز الفاضيلي.
وقع الاختيار على سميرة الفيزازي لتقديم نشرات الأحوال الجوية، وأصبحت متابعة للنشرات الأجنبية للوقوف على أهم مستجدات تقديم هذه الفقرة التي تشد اهتمام المتلقي خاصة أثناء ارتفاع صبيب التساقطات المطرية، أو عندما حين ينحبس الغيث فيتجمع الناس حول النشرة أملا في الانفراج.
استأنس المغاربة بالوجه الحسن لسيدة الأرصاد الجوية، واعتبروها “فأل” خير على البادية، حين تبشر الناس باقتراب “سحب محملة بالمطر”، كما عرفت بين زملائها في العمل بالصبر والجدية في العمل.
حين تعرضت حافلة الأرصاد الجوية للرشق بالحجارة
منذ أوائل عقد الثمانينيات من القرن الماضي، عاش المغرب فترات جفاف صعبة، إذ استمر خلال بعض الفترات خمس سنوات أو أكثر، وكان المغاربة حينها في كل مرة يقيمون صلاة الاستسقاء، طلبا للغيث.
وكان الوضع المناخي أكثر قساوة في سنوات 1986 و1987 و1991 و1993 و1994، و1995، إذ كانت خلالها التساقطات المطرية ضعيفة، ونتج عن ذلك شح في المواد الغذائية المعروضة في الأسواق، وهجرة واسعة للقرويين إلى المدن.
ومن أشهر السنوات، التي لم تشهد تساقطات مطرية سنة1981، التي كانت سنة كارثية بالنسبة إلى المغرب، وهو ما جعل الحسين يوعابد، مسؤول التواصل بمديرية الأرصاد الجوية، يشبه قلة التساقطات المطرية خلال الأربع سنوات الأخيرة بجفاف 1974 و1995، إذ لم تسجل خلالهما تساقطات مطرية قوية.
وبسبب قلة التساقطات لسنوات متتالية، لجأ المغرب إلى الاستمطار الاصطناعي، من خلال تلقيح السحب بمواد كيماوية، وذلك منذ عام 1984، سواء تأخرت التساقطات المطرية أم لا.
في هذه الظرفية المناخية الحرجة، كانت النشرة الجوية التي يقدمها التلفزيون المغربي عبر محمد بلعوشي، تتعرض لانتقادات واسعة من رجال الدين، خاصة الفقرة المتعلقة بالتنبؤات المناخية، وهو ما اعتبره كثير من الخطباء في منتصف الثمانيات بالكفر والشرك بالله من خلال العلم بالغيب، لاسيما في فترة جفاف ربطه المتطرفون بالعقاب الإلهي، وتزامن تأخره مع انطلاق جحافل الجراد في مختلف جهات البلاد، مما يعني أن مؤشرات مجاعة كانت تلوح في الأفق. واستمر الجفاف مخيما على البلاد حتى بدأت فئة من الناس تطلق على النشرة الجوية “نشرة الجفاف”.
يقول بلعوشي عن هذه الفترة: “تعرضت لانتقادات واسعة، وصلت حد رشق حافلة الأرصاد الجوية بالحجارة من طرف متطرفين، ولذلك لجأت لعالم الدين الوجدي مصطفى بن حمزة وحكيت له ما حصل من جدل حول التنبؤات المناخية وما نستند إليه من ضوابط علمية، فآزرني”.
الشعشوع.. أول من قدم النشرة الجوية في التلفزة المغربية
ولد عبد السلام في مدينة تطوان سنة 1942، اختار دراسة تخصص الرصد الجوي عن طريق الصدفة. بعد تخرجه بدرجة مهندس التحق بالأرصاد الجوية المغربية في الدار البيضاء، مباشرة بعد نشأتها، وكان من الأوائل المغاربة في قطاع كان يحكمه الفرنسيون.
تمكن عبد السلام الشعشوع أن يبصم على مسار مبهر ليس فقط كمتخصص في الأرصاد الجوية، بل ويبدع كإعلامي حظي بشرف تقديم النشرة الجوية وتقديمها في التلفزة المغربية بطريقة سلسة تجمع بين التنشيط وتقديم المعلومات. وجعلها مادة محببة لدى المشاهدين ومستمعي الإذاعة، كما يرجع له الفضل في بروز أسماء أخرى سارت على نفس الدرب كمحمد بلعوشي وأحمد بلفايدة ولطيفة كيتان وغيرهم.
في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء قال عبد السلام الشعشوع، إن سر نجاحه في مجال تخصصه يعود إلى تفانيه في عمله واجتهاده المتواصل والعمل بالنصائح وبحثه المستمر عن الجديد وتضحيته بوقته واهتمامات أخرى، حتى أنه لم يتمتع بعطلة سبت أو أحد أو عيد طوال 15 سنة، لا لشيء إلا ليكون في موعده اليومي مع المتتبع رغم ضعف إمكانيات العمل التقنية والعلمية في الستينات والسبعينات والثمانينات.
“لرجل الأرصاد الجوية مواهب لا تقف عند أحوال الطقس، له طلاع واسع بالموسيقى الأندلسية، بحكم انتسابه لعائلة تطوانية أصيلة أنجبت موسيقيين معروفين، مثل جده أحمد الشعشوع، الذي كان من أبرز العازفين على العود. وهذا النبوغ الموسيقي ظهر في نجليه المهدي الذي يترأس جوق المعهد التطواني وشقيقه الأمين الذي يرأس بتطوان مؤسسة خاصة للحفاظ على الموسيقى الأندلسية”.
بعد إحالة عبد السلام على التقاعد انخرط في جمعية تطاون أسمير، على اعتبار أن اتجاهها وأهدافها تتوافق وتطلعاته، وحرصه الدؤوب على المحافظة على هوية مدينة تطوان ونواحيها كتراث حضاري يعكس غنى التراث المغربي. كما انشغل بفن الكاريكاتير والإبداع المسرحي ضمن رواد جمعية المسرح الأدبي، وكان يشرف مع زملائه في المجال على تنظيم مهرجان تطاون المتوسطي للمسرح الدولي المتعدد.





