حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسيةملف التاريخ

كيف واجه المخزن الأزمات قبل أكثر من قرنين؟

نظام تولية العمال كما وصفه المؤرخون

يونس جنوحي

«لولا الرسائل المخزنية وبعض الشهادات -الأجنبية على وجه الخصوص- لانقرضت كواليس أشهر التعيينات المخزنية في الدولة المغربية، خصوصا خلال الأزمات.

كيف كان المغرب يواجه الأزمات، مثل الفيضانات والكوارث الطبيعية، وصولا إلى الأزمات الأخرى التي تشتعل، بسبب إهمال المسؤولين أو المؤامرات؟

هناك آلية مخزنية ضاربة في القدم، تتحكم في التعيينات وطقوسها وأجوائها، ويمكن اليوم اعتبارها واحدة من أقدم أنظمة التعيينات في العالم، سيما وأن ملامحها ما زالت حاضرة في دواليب المخزن المغربي، وتقاليدها المرعية تعود إلى قرون خلت، كان خلالها المخزن صارما لا يتساهل في إقامة شروط التعيين والإعفاء.. وما يترتب عنهما معا من تداعيات..».

 

تعيينات مخزنية بين «انتقام» رجال الدولة ورسم «خارطة» الولاءات

رغم أن المؤرخين المغاربة وصفوا بدقة كواليس بعض القرارات السيادية البارزة في تاريخ الدولة المغربية، إلا أن كواليس الاجتماعات الحاسمة في قلب المجلس السلطاني لم يتسرب إلا القليل منها فقط، على لسان ما حكاه بعض الوزراء لأصدقائهم الأجانب، أو المؤرخين أمثال المختار السوسي وعبد الرحمن بن زيدان، أو الضعيف الرباطي. أما المسؤول الذي كشف لأصدقائه الأجانب أغلب ما دار في كواليس دار المخزن، هو الوزير المهدي المنبهي، الذي فر إلى طنجة، بعد أن انقلب عليه الوزراء في عهد المولى عبد العزيز، وفشل في إسقاط الثائر بوحمارة، ووجد في طنجة الدولية ملجأ له، وصار صديقا للقناصلة الأجانب، من إنجليز وفرنسيين وألمان وأمريكيين أيضا.

وفي جلساته مع هؤلاء الأجانب، حكى المنبهي كثيرا عن مكائد التعيينات، واعتبر نفسه دائما ضحية لمكائد حساده وأعدائه في الحكومة. كان المنبهي دائما ما يحكي عن رفض الوزراء له، لأنه كان مجرد مخزني بسيط مكلفا بالسخرة لدى الصدر الأعظم باحماد، ولم يتقبلوا أن يصبح المخزني البسيط وزيرا يفوقهم رتبة.

ورغم فشل المهدي المنبهي، وطرده من سلك المخزن، إلا أنه يبقى أحد الذين شهدوا عمليات إصلاح وتعيينات في أسلاك المخزن لمواجهة الأزمات.

فقد كان المنبهي وراء حملة تعيينات سنة 1897، جراء الفيضانات التي عرفها المغرب، والتي تزامنت مع انتشار مرضي الجدري والكوليرا، في السواحل ووسط المغرب. وكان المخزن وقتها قد عمد إلى تعيين باشوات وقواد جدد، على رؤوس القبائل التي انتفضت، وأوفدت من يمثلها للتظلم أمام السلطان الشاب المولى عبد العزيز.

كما أن قوة هذا الوزير تكمن في أنه أطلق أول حملة انتقامية من رجال الدولة، أيام المولى الحسن الأول، بعد وفاته سنة 1894. وقد كانت تداعيات تلك السنة مؤثرة، بسبب موجة الجفاف واشتداد الأزمة. فكان المهدي المنبهي وراء عزل ثلاثة وزراء في الحكومة العزيزية، أحدهم هو الوزير التازي الذي كان معروفا بعدائه للمنبهي. كما أطلق الأخير حملة تعيينات في صفوف الباشوات لكي يضمن ولاءهم، وانتقم من أغلب القواد الذين كانوا أصدقاء لباحماد، قبل وفاة الأخير سنة 1900. وهكذا استبدل «عبد السلام السرغيني» بـ«عبد الله بن يحيى»، أحد أصدقائه القدامى من دار المخزن، وعينه باشا نواحي فاس، واحتوى من خلاله أزمة ثورة مفترضة ضد المولى عبد العزيز، خلال السنة الأولى التي وصل فيها إلى الحكم -أي 1894-. وهذا الباشا باشر بدوره حملة تطهيرية ضد شيوخ قبائل تاونات، وصولا إلى تازة، واستطاع أن يوحد صفوفهم في قلب المناطق التي سيطر عليها بوحمارة لاحقا، والذي كانت كل المؤشرات تؤكد أنه ماض في جمع الأتباع ليدخل بهم إلى قلب مدينة فاس. ولم يكن الوزير يدرك وقتها أن المجاعة والجفاف، ثم الفيضان بعد ذلك، ساهمت إلى جانب بوحمارة، في المس بمخطط التعيينات الذي أطلقه منذ وصوله إلى السلطة، لكي يضمن استمراره فيها.

 

 

الرسائل المخزنية.. الشاهد الوحيد على اشتعال أجواء التعيينات والإعفاءات

«أخانا الأعز الأرضى مولانا عثمان أعانك اللّه وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد،

فقد أخبر خديمنا الحاج عمر المتوكي أنه باشر أمر الشياظمة، حتى توافقوا على ولاية الحاج أحمد ولد عمر بن العياشى على النصف المسمى بالدروع، وولاية مبارك ولد عمر الخنزة على النصف الآخر المسمى بالأحلاف، فساعدناه على ولايتهما ميلا للمصلحة، فنأمرك أن توليهما إن وردا عليك على يده، ونفذ لهما من عند الأمناء ما يحتاجان إليه مما يدفع للولاة من كسوة وطابع ونحوهما، والسلام.

في 22 ربيع الأول عام 1291 صح من أصله».

هذه الرسالة، يوجد أصلها في أرشيف عائلة المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان. وتعود إلى سنة 1874، أي خلال السنة الأولى التي وصل فيها المولى الحسن الأول إلى الحكم، خلفا لوالده محمد الرابع.

كان المولى الحسن الأول قد عين أخاه مولاي عثمان خليفة له، شأنه في ذلك شأن والده. فقد كانت عادة أغلب ملوك الدولة العلوية أن يعينوا إخوانهم وأبناءهم خلفاء لهم على أغلب مناطق المغرب. حتى أن القبائل كانت تفضل في الأغلب، أن تحظى بخليفة سلطاني من إخوان السلطان أو أبنائه، على أن يكون الخليفة السلطاني أجنبيا عنهم.

هذه الرسالة تكشف النظام الذي عكف عليه المولى الحسن الأول، والذي رافقه طيلة مساره في الحكم إلى أن توفي سنة 1894. فقد كان يولي للتعيينات أهمية قصوى، خصوصا خلال الأزمات والكوارث الطبيعية، لضمان عدم المساس بحقوق الأهالي وألا تضيع أموالهم، أو تتضاعف معاناتهم مع المسؤولين إن سقطوا في حالة تقصير.

أما الرسالة الآتية، فتأتي في سياق آخر يشرح كواليس التعيينات واعتماد المسؤولين لدى السلطان. وقد جمعها المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان، وعلق عليها أيضا:

«طولعنا بمضمون الرسم أسفله الموضوعة عليه خواتم خدامنا الستة عشر

فأجزنا مبرمهم فيه وأمضيناه، في 2 حجة عام 1307.

الحمد لله عن إذن الشريف أخ سيدنا نصره اللّه الفقيه العلامة سيدي مولاي عرفة. حضر لدى شهيديه وعمال سيدنا الواضعين طوابعهم أسفله جماعة الخلوفيين من فرق بني يعلا المذكورين بالطرة يمنته، وبعد حضورهم أشهدوا على أنفسهم أنهم راضون البقاء تحت ولاية خديم سيدنا القائد أحمد بنبوزيان اليعلاوى ويكونون عند أمره ونهيه في ما يأمرهم به من الخدمة الشريفة، بحيث لا يعصون له أمرا، ولا يخالفون له رأيا، حضورا وإشهادا تامين، أوجبوه على أنفسهم وشهد عليهم بذلك من أشهدوه وعرفهم بأتمه. وفي رابع عشر شعبان الأبرك عام واحد بعد الثلاثمئة وألف، عبيد ربه بشكله ودعائه، وعبيد ربه تعالى فلان بشكله ودعائه، الحمد لله أديا فثبت وأعلم به عبيد ربه بشكله ودعائه صح من أصله، وإثره الستة عشر طابعا المنصوص عليها».

وهذه الرسالة تكشف كواليس اعتماد السلطان الحسن الأول على أخيه مولاي عرفة سنة 1890، في تدبير بعض التعيينات، وضرورة استيفاء المرشحين لشروط، أهمها أن يتم قبولهم لدى القبائل المبايعة للسلطان، واستيفائهم للشروط، ولم يكن السلطان الحسن الأول ليثق إلا في من يقربهم منه، لينقلوا إليه تأكيد وصدق ما يُسجل في الرسائل المرفوعة إليه. فقد كان هذا السلطان يدرك جيدا أهمية التعيينات، وما يمكن أن يترتب عن أي خلل فيها، من عواقب، خصوصا خلال الأزمات.

++++++++++++++++++++++++++++

 

 

محمد الثالث.. سلطان صحح أخطاء الشيوخ وأحدث زلزالا بوظائف المخزن

قبل وفاته سنة 1790، كان المولى محمد الثالث أحد أهم السلاطين المغاربة، الذين أقاموا ثورة حقيقية في وزارة السيادة، وعزل أكثر الأسماء رسوخا في سلم الوظيفة المخزنية منذ أيام جده المولى إسماعيل.

كان محمد الثالث معجبا بشخصية جده المولى إسماعيل، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1672 و1727، ولذلك استقر بمدينة مكناس. وُلد فيها، وحكم منها، وفيها توفي.

من مكناس كان المولى محمد الثالث يدبر شؤون القبائل التي ثارت ذات زمن على جده السلطان المؤسس، وكانت بعض الكوارث الطبيعية التي ضربت المغرب في عهده، مناسبة إصلاحية غير فيها هيكلة توزيع القواد والشيوخ والباشوات. وبعض المؤرخين المغاربة يعتبرون سياسته واحدة من أقدم «السياسات التطهيرية» في تاريخ المغرب. حتى أنه لم يكن يثق في من حوله من موظفين، واختار أن يكلف أحد أخواله، بقيادة حملة لتأديب بعض الأعيان من موظفي المخزن، ورد المظالم إلى الناس.. خصوصا وأن المغرب وقتها كان قد خرج للتو من وباء خلف آلاف الضحايا في السهول.

ويبقى المؤرخ المغربي عبد الرحمن بن زيدان، قد فاز بسبق جمع رسائل محمد الثالث، السلطان سيدي محمد بن عبد الله، للتأكيد على الحملة التي أطلقها في التعيينات المخزنية.

كان السلطان قد عين خاله «قدور بن الخضر» قائدا على قبائل الجبل، وأمره بالخروج في محلة مخزنية لجمع الزكاة والعشر من القبائل المحيطة بمنطقة نفوذه. لكنه بعد إتمام المهمة، توالت على القائد كثرة شكاوى القبيلة إلى السلطان تظلما من شيوخهم. فوجه السلطان إلى خاله رسالة جمعها مؤرخ المملكة عبد الرحمن بن زيدان في أرشيفه.

وقد جاء فيها: «خالنا (قدور بن الخضر) سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد،

بلغني ما صار إليه حال المستضعفين من الرعايا الذين أسندناهم لنظرك، لتحفظهم بسمعك وبصرك، فتركتهم في حيز الإهمال، وليس هذا شأن من يتولى الأعمال، فنأمرك أن تخرج إليهم وقت قراءتك لهذا الكتاب، في خمسمائة من الركاب، وأدرك هذا الغنم قبل أن تفترسه الذئاب، والقبيلة التي تنزل عليها فافصل دعاويها، ورد مظالمها، وأنصف من ظالميها، ولا تكثر المقام وتطيله واترك الطمع وسبيله، فإن ذلك مما يضر الرعية ويجحف بالمال، والحظ عاقبة المآل، والقبيلة التي تشتكي من شيخها لا تحمل أمرها، وابحث عن حال الشيخ المشتكي منه، فإن كان ممن علم بالجور والتعدي، فانتصف منه وأبدله بغيره، وإن كان الشيخ من أهل الخير، ولم يعلم ظلمه فأقره على شيخوخته، وافصل مسألته بوجه سديد… وأوصيك بتقوى الله والرفق بالمساكين، والضرب على أيدي الجبابرة والمتمردين، فإن ذلك من القربة في الدين، وإياك أن تتعدى هذا الحد وتفرض على القبائل مالا أو تكلفهم بما لا يطاق من المؤونة والسخرة أو تظلمهم مظلمة. فما وجهتك في هذه الحركة إلا لرد المظالم، وإقامة الحقوق لأربابها، ومن تجنب الظلم في هذا فهو مأجور.

والسلام».

 

المخزن وأزمة 1776.. وصفت بالأخطر واستمرت ثماني سنوات

من مكر التاريخ، أن جهود السلطان محمد بن عبد الله التي حاول بها إصلاح ما ورثه من متاعب تعود إلى فترة وفاة جده المولى إسماعيل سنة 1727، لم تلها فترة ازدهار أو انتعاش، وإنما تبعتها أزمة، زاد من تكريسها وجود شخصيات غير مناسبة في مناصب المسؤولية.

إذ كان أول تحد أمام المولى محمد بن عبد الله بعد وصوله إلى الحكم، هو تطهير أسلاك المخزن من الوصوليين، الذين سيطروا على الوظائف في عز صراع أبناء المولى إسماعيل على الحكم، بعد وفاة أبيهم.

وبما أن المولى عبد الله كان على وفاق مع أكثر أعمامه تأثيرا، فإنه لم يجد صعوبة في أن يحظى بالإجماع، بعد وصوله إلى سدة الحكم. ولهذا السبب تحديدا تُعتبر فترة حكمه واحدة من أكثر الفترات تأثيرا على نظام الوظائف المخزنية، لأنه أطلق إصلاحا واسعا لتجاوز الأزمات التي أثقلت كاهل الدولة.

أحد المؤرخين المغاربة القلائل الذين اهتموا بهذه الفترة من التاريخ، هو الأكاديمي د. الزبير مهداد، والذي أنجز بحثا مهما عن فترة حكم المولى محمد بن عبد الله وما يتصل بها من وثائق ومراسلات وحقائق تاريخية مسنودة بالوثائق. يقول:

«ومن أسوأ المحن التي امتحنت بها الدولة موجة الجفاف والمجاعة التي اجتاحت المغرب، دامت هذه الموجة ثماني سنين كاملة (1782- 1776)، فبرهن المخزن عن فعالية نادرة خلالها، فتم إنجازه للتصدي للحالة، وبتعليمات من السلطان:
ترتيب الخبز للمحتاجين في كل حي من المدن المغربية، تقديم السلفات للفلاحين وسكان البوادي دون المطالبة بردها رأفة بهم، إسقاط الضرائب والمغارم عن الفلاحين، تقديم السلفات للتجار لجلب المواد الغذائية من أوروبا، شريطة بيعها إلى الناس بثمن الكلفة.
ويعود له الفضل أيضا في القضاء على عناصر الفوضى وأسبابها التي عصفت بأمن البلاد طيلة سنوات كالحة، بعيد وفاة جده المولى إسماعيل، والتي نشأت عن تعسف قادة جيش عبيد البخاري بالبلاد، وفتنهم العباد، فقضى على عناصر الفتنة، وفك السيئ من وحدات جيش العبيد وفرقه التي حادت عن هدفها، وأصبحت عنصر شغب وفتنة بدل أن تكون وسيلة أمن وحماية للبلاد، وأنشأ وحدات عسكرية لتحافظ على توازن القوى في الجهاز العسكري، والحد من النفوذ المطلق لعبيد البخاري.
سار على نهج جده أبي النصر المولى إسماعيل، وحاول استكمال تنفيذ خطته في تحرير البلاد، فحرر بعض الثغور المغربية السليبة، وبذل جهودا في تحرير الثغور الأخرى.
وسيرا على نهج المبارك نفسه حرص على توطيد وتمتين عرى الصداقة والتعاون العلمي والعسكري والتبادل الثقافي مع دول العالم الإسلامي.
قال المؤرخ هنري تيراس: إن المخزن قد تمكن برغم هذه الوسائل المحدودة، وبقيادة سيدي محمد بن عبد الله من إقرار الأمن والنظام في البلاد التي اتجهت نحو العمل وحتى الثراء.
ومن مآثره المهمة إصلاح القضاء والتعليم بمختلف مراحلهما وأجهزتهما، والنهوض بهما، اقتناعا منه بأهمية هذين الجهازين في التنمية، وبناء الدولة، وتشييد صرحها، وحتى قال عنه المؤرخ العلامة ابن زيدان: هذا السلطان هو أول من وضع أول حجرة أساس في نظام العدلية وإصلاح الدروس في جامع القرويين».

 

 

 

أجواء تعيين واستبدال الباشوات قبل قرابة 117 عاما

الباشا بوعشرين أحد أشهر من مارسوا السلطة في منطقة الشمال، مسنودا بدعم السلطان المولى الحسن الأول. كان قد تربع على المجد بعد مسؤوليات مخزنية، خلال فترة الحجر الصحي الشهيرة التي أبعدت عن المغرب وباء الكوليرا الذي اجتاح أوروبا خلال فترة 1880. فقد أبان هذا الباشا عن مؤهلات في السلطة، عندما سهر بنفسه على تنفيذ الأمر السلطاني، ومنع أي حركة حرفية في منطقته، ومنع وصول الوباء إلى فاس. وعندما توفي السلطان أربع سنوات بعد ذلك، تعزز موقعه مع السلطان مولاي عبد العزيز. لكن أكبر مكافأة حصدها الباشا بوعشرين، هي تعيينه خليفة للسلطان في طنجة الدولية، وهو المنصب الذي لم يعمر فيه طويلا، بسبب مكائد خدام المخزن في ما بينهم، خصوصا وأن منصب خليفة طنجة كان نُصب عيني أكثر من «مُرشح».

لحسن حظ الباشا بوعشرين أن وصوله إلى طنجة سنة 1909، تزامن مع وجود القنصل الأمريكي السيد «هولت». لأن هذا الأخير كتب باستفاضة في وصف أجواء المدينة عند وصول بوعشرين إليها، بل وأعد ما يشبه «تكريما» لهذه الشخصية المغربية التي سقطت من التاريخ. مذكرات القنصل الأمريكي، «الحياة في أرض المغرب الغريب»، تبقى الشاهد الوحيد على تلك الأجواء المنقرضة، وننقل مقطعا منها في هذا السياق:

«كان مشهد موكب الباشا بوعشرين، في اليوم الذي دخل فيه طنجة لكي يتولى فيها منصبه المرموق، واحدا من أروع المشاهد التي عشتُها في حياتي كلها. فقد جاء مخفورا بأكثر من ألفي فارس من رجال جْبالة. وقد كانوا في جُبة الأشرار، بجلالبيبهم البنية الداكنة التي تضفي على مظهرهم نوعا من التوحش والخشونة. كل واحد منهم كان يمتطي فرسه، ويمسك بجانبه بندقية طويلة بغلافها النحاسي، يتجاوز طولها رأسه، ويصيح نصرة للباشا، بأعلى صوته.

وعندما بلغ الموكب المجرى المائي الضيق الذي يمر بين جدران البنايات على حافة طنجة – وقد كنت أتابع هذه المشاهد من أعلى واحدة من تلك البنايات- أحسستُ بقشعريرة قوية، وبرودة تسري في كامل عمودي الفقري.

لقد كان مشهد حشد رجال جْبالة ببشرتهم الداكنة، وهم يتبعون زعيمهم، مثيرا للإعجاب بحق، واستعراضا للقوة والبطش. وعندما انتشروا مثل أطراف المروحة في كامل أطراف ساحة السوق الكبير، شكلوا ببنادقهم الجاهزة لإطلاق البارود في الهواء، ممرا عبر من خلاله الباشا وحاشيته.

ورغم كل هذه الأبهة والاستعراض، فإن بوعشرين لم يكن سوى قائد عادي، لا شيء يميزه. وربما لم يسبق له نهائيا أن قابل في حياته عُشر كل هؤلاء المحيطين به من الأنصار، الذين أصبحوا فجأة من أتباعه بفضل ترقيته إلى منصب الباشا».

كانت معلومات القنصل الأمريكي عن الباشا بوعشرين وافية، وهو ما يعني أنه سأل عنه، قبل وصوله إلى طنجة. أشيع في بعض المراجع المحلية أن الباشا تعرض لمكيدة من طرف القناصلة الأجانب الذين طالبوا السلطان بإزاحته من منصبه، أياما فقط بعد تعيينه. لأنهم لا يجدون شخصيته ولا مساره ملائمين، لكي يشغل المنصب في مدينة دولية. لكن الحقيقة أن المنافسة بين خدام الدولة على المنصب كانت أيضا على أشدها، وتدبير المرحلة التي سبقت الحماية الفرنسية، كان امتحانا قلما تخطاه رجال المخزن في ذلك الوقت.

 

 

الطريس.. أوصلته الكوارث الطبيعية للقمة والسياسة هزمته

في زمن مضى من تاريخ المغرب، كان ممكنا لمخزني عادي أن يتسلق درجات المخزن، وينتقل إلى قائد وباشا، وحتى خليفة سلطاني.. لكن قلما يصل أحد من هذه المراتب كلها إلى منصب الوزير.

وأحد الذين مروا من دواليب المخزن وجربوا الوزارة ومنصب الخليفة السلطاني -وهو المنصب الذي كان أكبر من الوزارة- هو محمد الطريس، الذي كان وزيرا للخارجية في سياق اتفاق القوى الأوروبية على تقسيم المغرب. ففي مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، كان موقف المغرب غير مُريح نهائيا، وكان الوزير محمد الطريس أحد الوجوه المغربية التي اعتمد عليها المخزن، لمحاولة تكسير الطوق الذي حاولت فرنسا بمعية إسبانيا ضربه على المغرب. فالدولة وقتها كانت تُدرك أن الطريس، رغم تقاعده وقتها من الوزارة، راكم أكثر من غيره من وزراء تلك الفترة، ويعرف الكثير عن كواليس السباق بين فرنسا وإسبانيا وحتى ألمانيا، على احتلال المغرب، كما أنه لعب دورا كبيرا في فتح باب الاتصال مع حكومات أوروبية في عز الأزمة، قبل 1894، السنة التي توفي فيها المولى الحسن الأول.

المثير في مسار الطريس أنه تدرج في أسلاك المخزن، وكان ممكنا أن يبقى عالقا في فاس، العاصمة الإدارية، لولا أنه ترقى سريعا بفعل تدبيره لعدد من الأزمات منها السيول التي عرفها وادي سبو، وكارثة الجفاف التي ضربت فاس خلال السنوات الأولى لحكم المولى الحسن الأول، وكان الطريس وقتها قد أبان عن صلابة في تنزيل تعليمات المخزن، وضبط تمرد القبائل التي رفضت دفع الضرائب، خلال فترة الجفاف الخانقة.

شخصية الطريس، كانت في دائرة اهتمام الأمريكيين أيضا. وها هو القنصل الأمريكي السيد «هولت»، قد ذكره في مذكراته الشخصية، وتحدث عنه معتبرا أنه لا يمكن أبدا فهم السياسة المغربية وعلاقات المغرب الخارجية دون فهم شخصية الطريس، رغم أن القنصل الأمريكي لم يأت إلى المغرب، إلا بعد رحيل الطريس بسنوات.. وهنا، يلخص القنصل الأمريكي مسار الوزير المغربي الذي لم يكن ليصبح وزيرا لولا أنه من خدام الدولة، ولولا خبرته في سلك المخزن، بعد أن تدرج في المناصب، وتجاوز كل التوقعات. يقول:

«أعظم رجل دولة مغربي في القرن الماضي  -وخلال هذا القرن أيضا- هو خليفة السلطان سيدي محمد الطريس.

بعد أربعين عاما قضاها في خدمة سيده، كرس الطريس حياته كلها في العمل وبذل كل ما في وسعه لذلك، وأصبح المغرب أكثر فقرا بعد رحيله. لقد كان ينتمي إلى طينة مختلفة عن الجيل الجديد من الدبلوماسيين المغاربة، حتى أنه كان متفوقا على الأجانب.

لو كان الطريس لا يزال على قيد الحياة، لما كانت فرنسا قد أطبقت سيطرتها الفعلية على البلاد بعدُ. بل كان الطريس ليتسبب في اندلاع حرب في أوروبا، لو أنه عاصر هذه الظروف.

كان الطريس رجلا مُسنا، طاعنا جدا في السن. لقد بدا لي، عندما رأيته أول مرة، قبل وفاته بفترة قصيرة، وكأنه قطعة من الخزف العتيق سهل الكسر. وكان هذا اللقاء في وقت عزل السلطان مولاي عبد العزيز.

وباعتباري المسؤول عن البعثة الأمريكية في ذلك الوقت، ذهبتُ إلى الطريس لكي أطلب منه تأكيد أو نفي الخبر الذي وصل إلى مسامعي، والذي مفاده أن قوات السلطان مولاي عبد العزيز هُزمت على مشارف مراكش على يد الجيش الحفيظي.

استقبلني الطريس داخل غرفة الاستقبال الصغيرة في منزله. وكانت هناك شمعتان كبيرتان مغروستان في شمعدان نحاسي ضخم، لإضاءة الغرفة المظلمة. كان الطريس يلف نفسه داخل «الكسا»، المصنوع من صوف أبيض ثلجي ناعم، وعيناه الزرقاوتان بارزتان، بينما كان حاجباه مرسومان بقلم كُحل أسود.

بمجرد ما أن بدا عليه التأثر عندما علم بالخبر، سقط طرفا «الكسا» عن كتفيه، لينكشف لي عنقه الذابل عاريا، وكان أبيض تماما خاليا من أي تجاعيد، وكأنه عنق امرأة. ولاحظتُ أيضا أن الدم كان ينبض بقوة داخل عروقه الزرقاء البارزة.

لم يستطع الطريس أن يُنيرني في ما يخص موضوع الإشاعات عن هزيمة الجيش العزيزي.

اعترف لي، بعد أن ادعى جهله الكامل في البداية بأي تفاصيل، بأنه سمع الإشاعة من قبلُ، لكنه اعتبر في قرارة نفسه أنها تحتاج إلى تأكيد. على كل حال، كانت عظمة الله ورعايته تشمل الجميع، ووقع ما قدر له الله أن يكون».

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى