حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسية

رحلة خلق الإنسان

بقلم: خالص جلبي
نتساءل كيف يحصل انطلاق البيضة من المبيض ما دامت موجودة في داخله كالسجن وأشد؟ يجيب الطب عن هذا السؤال فيقول: يوجد ارتباط معقد ما بين غدد الجسم الداخلية؛ فالغدة النخامية هي دماغ الغدد ومفتاحها الرئيسي. هي بالأحرى ملكة الغدد الموجودة في الجسم بدون نزاع، حيث تتربع على عرشها في داخل الجمجمة، في مكان محمي تماما، وهذا العرش هو السرج التركي (هكذا سمي وهو في قاع الجمجمة تماما)، وهي ترسل أوامرها من هناك من أعلى الجسم، ومن جملة الأوامر هرمون يحمل رسالة مستعجلة إلى الجريب الموجود في المبيض، يأمره أن يتحرك ويزيد من مفرزاته ويستدعي الاحتياطي من جنوده الخلوية، وهكذا تجتمع الخلايا الاحتياطية وتشكل جيشا خلويا يحيط بالبيضة، ليسير معها يحميها مما تتعرض له حتى يوصلها إلى حدود البلاد، وحدود البلاد هنا هي قشرة المبيض، ويكون الجريب قد كبر إلى درجة كبيرة تبلغ حبة الكرز، ويضغط على قشرة المبيض الرقيقة، وهنا يأتي هرمون آخر مرسل بأقصى سرعة من ملكة الغدد، يأمر حرس الحدود أن يفسحوا المجال بسرعة للبيضة بالخروج، وللجريب أن ينفجر كما ينفجر اللغم الموضوع على الحدود، حينما يمر عابر سبيل بدون معرفة بطبيعة الحدود، ولكن هذا الانفجار مرسوم، فهو يدفع بالبيضة إلى البوق، الذي يطبق على المكان المنفتح من جدار المبيض، وكأن هناك تفاهما ما بين حرس الحدود، وهذا البوق الذي يعلن حالة النفير بالنفخ العظيم لاستقبال البويضة.
وعندما يتسلم البوق هذه الأمانة العزيزة، يكون الجريب المنفقئ قد دلق سوائله في حوض البطن، وهذه السوائل هي هورمونات تثير الميل الجنسي عند المرأة، وكأنها تحث المرأة حتى لا يضيع هذا الجهد المبذول، ويحصل التلقيح ولا يلقي بالبيضة إلى الموت، لأنها لا تعيش أكثر من 24 ساعة على أبعد حد (خلافا للحيوان المنوي الذي يعيش أياما)، وينقلب الجريب بعد ذلك إلى مهمة جديدة تعين البيضة التي انطلقت في سبيلها، فهو لا ينسى طول الصحبة والوفاء لها، ولذا يسمى بقية الجريب الجسم الأصفر؛ لأنه يمتلئ بمادة صفراء هي هورمون خاص يسمى البروجسترون (اللوتئين)، حيث يمهد الطريق أمام البيضة في ما إذا تلقحت، فيرسل أخبارا مستعجلة إلى الرحم يفهمه بأن يستعد لاستقبال البيضة التي هي في الطريق إليه، وعندما يسمع الرحم بهذه الأخبار المهمة يستعد لاستقبال الضيف العزيز، فيبسط الفرش الوثيرة والوسائد المريحة والزرابي الثمينة (الزرابي هي السجاد) كل هذه في صورة تسميك غشاء باطن الرحم، حيث تزداد غدده، وتثخن طبقات خلاياه. وبينما الرحم في الانتظار إذاً بالأخبار المؤسفة تنقل له؛ أن هذا الضيف العزيز قد مات في الطريق، فيتأثر ويبكي دما لا دمعا على هذا الضيف العزيز، وهو ما يعرف بالدم الطمثي!
والآن إلى البويضة التي انطلقت في الرحلة المرسومة، هنا يحصل تطور خطير ومهم، وهو ما يعرف بالانقسام المنصف الذي يجعل البويضة تملك نصف الكروموسومات حتى تلتقي بالنطفة التي تملك أيضا نصف الكروموسومات (الصبغيات) من الأب، حتى يتشكل من اجتماع الصنفين بشر سوي متكامل.
والآن حانت ساعة الصفر فالحيوان المنوي الذي تركناه وهو ينطلق كالصاروخ عبر الرحم إلى النفير والبوق، وهو يضرب بذنبه الطويل، ويشق عباب المفرزات بأسرع حركة وهي اللولبية وفي مقدمته القلنسوة المدرعة، ولكن كيف سيتم اللقاء التاريخي؟

اللقاء واللقاح التاريخي
لو تصورنا أننا أرسلنا رجلا مغمض العينين من شرق سوريا من مدينة القامشلي (مدينتي التعيسة التي ولدت فيها)، ومن المغرب رجلا آخر من الدار البيضاء مغمضي العينين، ودفعناهما في اتجاهين معاكسين، وحددنا لهما غرفة على شاطئ نهر الفرات في العراق، فكيف نتصور اللقاء؟ هل هو أقرب للمستحيل، أم هو مستحيل فعلا؟
إن هذا ما يحدث تماما للنطفة والبويضة، لأن البوق الذي تسير فيه البيضة يعتبر نفقا هائلا بالنسبة إلى النطفة، حيث إن قطر النطفة يبلغ بضعة ميكرونات، ويبلغ قطر البويضة 200 ميكرون، بينما يبلغ طول البوق 12 سم وثخانته 1 سم، وهي على كل حال أجزاء من السنتيمتر من الداخل (لمعة النفير). ونعيد فنذكر القارئ أن الميكرون هو جزء من ألف من الميلمتر، وهكذا فإن طول النفير يبلغ (240 ألفا) نسبة للنطفة، وتعبر النطفة ثلثي هذه المسافة في مدى ساعات، ثم لنتصور كثافة القذائف المتسابقة، فهي كما ذكرنا بالملايين، والسبّاق الأول هو الذي يلتحم بالبويضة؛ وكأنه يصيح ها أنا قد جئت فافتحي الباب واستقبلي، فتبعث له إشارة من جدارها الخارجي أن اقترب ولا تخف إنك من الآمنين، وهو مخروط الجذب كما يسميه الأطباء، حيث تتبارز منطقة صغيرة من الجدار الخارجي للبويضة؛ فيقترب من هذا التبارز الحيوان المنوي، وإذا بالجدار ينفلق من جهته، ويلجه الحيوان المنوي بقلنسوته المصفحة من جهة ثانية، ويترك وراءه الذنب الطويل الذي ساعده في هذه الرحلة الطويلة؛ فجزاه الله كل خير، ولكن لم يعد بحاجة إليه فليبق إذن في الخارج، وليدخل إلى جوف البويضة الحشوة الإنسانية النصفية. وتقترب النواتان، وتندمج الصبغيات، وتكتمل، وإذا بالكروموسومات تتراكب على بعضها وتخلق إنسانا جديدا له صفات الأب والأم معا.
وهنا نتساءل وكم تساءلنا وكم سوف نتساءل مع المستقبل، أين تكمن الصفات الوراثية لهذا الإنسان الجديد؟ إنها تكمن في الحمض (الريبي النووي منقوص الأكسجين) الذي رمزنا له بــــ(D. N. A د. ن. آ)، وكل صفات الإنسان تكمن في هذا الحمض الذي يبلغ من الطول 30 أنغستروماAo ، ولكن كما قال العالمان (جيمس واطسون وفرانسيس كريك) يتكون من ألف دورة تتوزع فيها المورثات، التي تحمل صفات الإنسان الإرثية بطريقة يعجز الطب عن تفسيرها.

في التلقيح أسرار عجيبة
إن البيضة الملقحة التي تكونت الآن من اجتماع البويضة التي انطلقت من المبيضة، والنطفة القادمة من الذكر، تبلغ من الوزن جزءا من مليون من الغرام، وهذا الجزء اليسير سيخلق منه الإنسان بكامله وصدق الخالق العظيم: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا).
لقد وجد أن هذه الخلية الملقحة لها زمان ومكان، إذا قدمت أو أخرت لم يحصل اللقاء وما تمت عملية تخلق الإنسان، فأما الزمان فالبويضة تنزل في اليوم الرابع عشر من الدورة الشهرية وتعيش لساعات قليلة، أو يوم على أبعد حد، إذا لم تلتق بالحيوان المنوي. وكذلك فإن الحيوان المنوي يدخل إلى البوق وله من العمر 3-4 أيام لا أكثر، فإذا حصل التلقيح كان عمره عمر الإنسان، وإذا لم يحصل مات في أيام، فأي سر في التلقيح؟ ومن الذي وهب هذه القدرة العجيبة لهذه البيضة الملقحة؟ وأما المكان فلقد وجد أن الثلث الوحشي (الثلث البعيد عن الرحم في ما إذا قسمنا النفير إلى ثلاثة أقسام: ثلث قريب من الرحم وثلث متوسط وثلث بعيد عن الرحم، ونسأل لماذا هذا المكان بالذات؟ حتى أن التلقيح لو حصل في غير هذا المكان لا يتم ولا يتابع سيره. علل العلماء ذلك تعليلات شتى ولا يوجد تعليل واضح موحد للقضية، سوى أن يقول الإنسان تدبير الرب الحكيم (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما تعلمون. ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون).
ثم يبدأ انقسام هذه الخلية الجديدة التي سميناها بالبيضة الملقحة، ولقد منحت قدرة هائلة في التكاثر والأطباء يعرفون هذا الشيء كما يرى أحدهم كفه، يقول القرآن: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون).

70 مليون خلية في رحم
إن كبر الرحم والبطن عند المرأة وبسرعة غير عادية يعني بالدرجة الأولى حمل، ثم نشك بغيره، لأن نمو الرحم هو أسرع من نمو أخبث السرطانات المعروفة، ولكن شتان ما بين هذا النمو الذي يقود إلى الحياة والنضارة، وذلك إلى الموت والآلام، وهكذا فإن قدرة الحياة أسرع من الموت.
إن الخلية الجديدة التي تبلغ من الوزن جزءا من مليون من الغرام، تصبح في موعد الولادة مخلوقا متكاملا يزن 3250 غراما، ويبلغ مقدار خلاياه 70 مليون خلية، أو على ما ذكر صاحب كتاب «لماذا نموت» الدكتور عبد المحسن صالح (سبعون مليون مليون خلية وهو رقم هائل، وهذا نتيجة الانقسامات العديدة، وأما الوزن فقد ازداد ما يفوق على ثلاثة آلاف مليون مرة، عما كان عليه عندما كان يرقد في الخلية الأولى!).
بعد أن يتم تلقيح البيضة تضرب في محيطها الخارجي جدارا كتيما، بحيث إن جميع النطف التي تأتي بعد ذلك وتضرب برؤوسها الجدار لا تستطيع اختراقها، وهكذا تموت بقية النطف.
ثم لنتابع رحلة البيضة الملقحة، حيث نجد أنها تبدأ بالانقسام بشكل سلسلة هندسية 2، 4، 8، 16، 32، 64، 128، 256، 512، وهذا ينتج عددا ضخما من الخلايا، مع عدم زيادة حجم البيضة الأصلية، أي إن الذي يحصل هو تقسم البيضة فقط، وأثناء هذا الانقسام تكون البيضة سائرة في نفق البوق، حيث تدفعها التيارات المصلية الموجودة في البوق ويستغرق زمن هذه الرحلة عبر هذا النفق البوقي قرابة 10 أيام، حيث يكون الانقسام قد أخذ ذروته، وعلى ما يذكر البعض يحصل قرابة 50 انقساما، وعندما تصل إلى الرحم، يكون الغشاء المخاطي الرحمي مهيأ لاستقبالها، كما ذكرنا، وهنا يبدأ عمل عجيب ومهم، وهو دخول البيضة إلى داخل الجدار الرحمي والجدار مغلق أمامها.
ثم لا نلبث أن نرى أن هذه البيضة التي أصبح لها شكل التوتة من كثرة ازدحامها بالخلايا أن تمد أرجلا كأرجل الأخطبوط، تعمل بقوة وعنف في فتح الجدار الرحمي أمام التوتة، وعندما يتم لها ذلك تنطمر هذه البيضة التوتية في جدار الرحم ويغلق الباب الذي فتح لها خلفها، ثم ماذا؟
إن هذه الأرجل الأخطبوطية تمتد على مدار التوتة، وهي ما تعرف بالزغابات، حيث تقوم بقضم محتويات الجدار مع العروق الدموية فينسكب الدم الغزير، بشكل برك تحيط بهذه العلقة! لأنها علقت في جدار الرحم، وتنغمس الأرجل الأخطبوطية في برك الدم لتمتص الغذاء للجنين.
لحظات حاسمات في ولادة هذا المخلوق الذي نسميه الإنسان فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى