حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

ريمونتادا الماء

يكرر المغاربة، دائما، وهم يرون انهمار المطر: «ساعة من عند الغني تغني»، في إشارة منهم إلى أن فترة زمنية قصيرة تمطر فيها السماء بغزارة، قد تعالج شهورا أو سنوات من الجفاف، فتخرج من خيرات الأرض ما يفرح القلوب ويطمئن الأرواح. هذه الحكمة المغربية في الصبر، وانتظار الفرج والإيمان بأن الخالق يمنع ويعطي، ويكون رحيما بعباده في هذا وذاك، هي ما جعلتهم يتقبلون سنوات الجفاف بثبات وثقة في أن الخير قادم لا محالة. هكذا، وبعد ست سنوات جفاف قاس، نضبت فيه العيون وجفت الآبار، وفرغت السدود ونشفت الأودية، وتشققت الأرض وماتت الأشجار، وسارت فيها القطعان وهي تهيم على وجهها بحثا عن أعواد تبن وسط الحصى، وصارت المدن الكبرى والمتوسطة تجد صعوبة في تأمين الماء الصالح للشرب للمواطنين. بعد ست سنوات من المعاناة، والقلق والأمل، بادرت فيها الدولة إلى مواجهة آثار الجفاف، بكثير من الإجراءات الظرفية، من قبيل دعم الأعلاف، ومنع تصدير بعض المنتجات الحيوية واستيراد اللحوم، لكنها، وهذا هو المهم، فكرت في إجراءات استراتيجية، فالجفاف في المغرب دوري، ومع الاحتباس الحراري واختلالات المناخ العالمي، ستصير موجاته أكثر حدة وربما ستشمل دورة زمنية أطول من تلك التي عاشها المغرب طيلة تاريخه، لهذا فكرت في محطات لتحلية ماء البحر، تؤمن الماء الشروب للمدن الساحلية الكبرى، وخصوصا مدينة الدار البيضاء. هذه المحطات، التي ستنتشر على طول السواحل المغربية، من وجدة إلى الداخلة، حوالي عشر محطات، بل إن بعض هذه المحطات ستؤمن الماء للقطاع الفلاحي، كما هو الحال مع محطة أكادير. فكرت الدولة، أيضا، في مشروع استراتيجي هام، وهو الطريق السيار المائي، الذي، بموجبه، تم نقل الماء من حوض سبو إلى الرباط، والأمل معقود على مواصلة إكمال هذا المشروع، وتأمين نقل الماء من أحواض الوفرة المائية إلى أحواض هشة، مثل: تانسيفت والشاوية، ودكالة وعبدة، وسوس، وفي خضم إجراءات الدولة الاستعجالية هذه، أمطرت السماء بكرم وغزارة لم يعرفها البلد منذ عقود، وعاد الثلج إلى الجبال، وفي غضون شهرين تغير المنظر تماما وكست الخضرة البلد من أقصاه إلى أقصاه، فتفجر الماء من جديد في العيون التي نضبت، وبدأت السدود في الامتلاء، بل إن بعضها امتلأ وأُجبر التقنيون على تفريغ الماء منه، وامتلأت الأنهار والجداول والسواقي بالماء، وصرت ترى بركا هنا وهناك، وترى ربيعا يزهر قبل الأوان. في شهرين انتقلنا من ندرة الماء إلى وفرته، بل إن بعض المدن ستعيش مآسي بسبب حدة السيول، مثلما وقع في آسفي والقصر الكبير، هذه الريمونتادا العظيمة، التي أنجزها الماء في فترة وجيزة، من مؤشرات مفزعة إلى أخرى مفرحة، لا ينبغي أن تجعلنا نوقف كل ما كنا بصدد إنجازه، علينا أن نستمر في إنشاء محطات التحلية وعلينا أن نواصل إنجاز الطريق السيار المائي، وعلينا أن نكيف فلاحتنا مع ندرة الماء وعلينا أن نتعامل مع الماء كمادة عزيزة ونادرة، ينبغي توزيعها وطنيا بعدالة مجالية، فإن كان من فضل لما عشناه في فترة الجفاف المنقضي، فهو أنه دلنا على خطورة الماء في حياتنا وفي كل مشاريعنا التنموية. الماء أصل الحياة، وهو أيضا أصل التنمية.

 

يسرا طارق

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى