«فوضى» التدبير المالي بالجماعات المحلية
تقرير المجلس الأعلى للحسابات يكشف أعطابا بنيوية في تدبير المال العام

عاد ملف ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى الواجهة بقوة، بعدما كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات عن حصيلة ثقيلة للمتابعات القضائية التي باشرتها المحاكم المالية خلال سنة 2024 وإلى غاية نهاية شتنبر 2025، همّت ما مجموعه 395 مسؤولا عموميا، بين مسؤولين مركزيين ورؤساء جماعات وموظفين، على خلفية اختلالات خطيرة في تدبير المال العام واحترام القوانين المؤطرة للنفقات والصفقات العمومية.
وحسب التقرير، فإن 63 مسؤولا تمت متابعتهم على المستوى المركزي أمام المجلس الأعلى للحسابات، في حين بلغ عدد المتابعين على مستوى المجالس الجهوية للحسابات 332 مسؤولا ورئيس جماعة، في مؤشر واضح على أن الجماعات الترابية ما زالت تشكل بؤرة أساسية للاختلالات المالية والإدارية، رغم توالي التقارير والتحذيرات.
إعداد: النعمان اليعلاوي
المسؤول المباشر عن الصرف في قلب العاصفة
يبرز التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات أن المسؤولين المباشرين عن الصرف يمثلون محور الرقابة المالية والمساءلة القانونية، إذ تصدروا لائحة المتابعات بنسبة 46 في المائة من مجموع القضايا المعروضة على المحاكم المالية، تلاهم رؤساء الأقسام والمصالح بنسبة 27 في المائة، ثم الموظفون والأعوان بالنسبة نفسها، ما يعكس حجم المسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتق من يتحكمون فعلياً في دواليب الإنفاق العمومي واتخاذ القرار المالي.
وأسفرت هذه المتابعات عن إصدار أحكام بالغرامة في 72 ملفاً، بلغ مجموعها أكثر من 4.13 ملايين درهم، إلى جانب الحكم بإرجاع مبالغ مطابقة للخسائر في 9 ملفات، بقيمة ناهزت 1.15 مليون درهم. هذه الأرقام تعكس، بحسب الخبراء، جدية المحاكم المالية في ردع التجاوزات المالية وضمان تعويض الخسائر الناتجة عن سوء التدبير، لكنها تبرز، في الوقت ذاته، حجم الاختلالات التي يمكن أن تنشأ عندما تُترك آليات الرقابة الداخلية ضعيفة أو غير فعالة.
في المقابل تم التصريح بعدم ثبوت المخالفات في 27 ملفاً، وهو مؤشر مهم على التزام المحاكم المالية بمبدأ العدالة وضمان حقوق المسؤولين، والتفريق بين التجاوزات الفعلية والأخطاء الإدارية العادية، بما يمنع تحويل آلية المحاسبة إلى أداة تصفية سياسية أو إدارية.
ويؤكد التقرير أن التركيز على المسؤول المباشر بالصرف ليس محض صدفة، بل يعكس أهمية الدور الذي يلعبه هذا المسؤول في التحكم في الموارد المالية، وتخطيط النفقات ومتابعة تنفيذ الميزانيات، وهو ما يفرض تعزيز قدراته القانونية والإدارية، وتطوير آليات الوقاية والمراقبة القبلية، لضمان ألا تتحول الأخطاء الفردية إلى خسائر جماعية تهدد المال العام والثقة في المؤسسات.
صفقات عمومية خارج القانون
كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات عن تكرار مجموعة من التجاوزات في الملفات المعروضة على المحاكم المالية، والتي تؤكد وجود اختلالات جدية في طرق تدبير المال العام على مختلف المستويات، سواء على المستوى المركزي أو داخل الجماعات الترابية.
وتتجلى أبرز هذه التجاوزات في عدم احترام قواعد الالتزام بالنفقات العمومية، والإدلاء بوثائق غير صحيحة والحصول على منفعة غير مبررة، فضلاً عن خروقات جسيمة للنصوص المنظمة للصفقات العمومية. ويؤكد الخبراء أن هذه الاختلالات تُعد من أخطر ما يهدد شفافية التدبير العمومي ويقوض الثقة في المؤسسات المنتخبة، إذ إن الصفقات العمومية تمثل العمود الفقري لإنجاز المشاريع والخدمات العمومية، وأي خرق لها يؤدي مباشرة إلى اختلال أولويات الإنفاق وإلحاق خسائر مالية بالمال العام.
وسجل التقرير، كذلك، مشاكل متكررة في تدبير ممتلكات الأجهزة العمومية، سواء عبر الإهمال أو ضعف التتبع، أو غياب آليات الرقابة الداخلية، وهو ما يسهم في تراجع جودة الخدمات العمومية ويضاعف فرص سوء استخدام الموارد.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً مركزياً حول فعالية آليات المسؤولية الإدارية والتأديبية، قبل اللجوء إلى المسار القضائي، إذ إن الوقاية المبكرة والتدخل الإداري المباشر يمكن أن يحدّا من تفاقم الأضرار ويُحسنا من الالتزام بالقوانين والأنظمة.
ويشير التقرير إلى أن معالجة هذه الخروقات تتطلب استراتيجيات شاملة تشمل تدريب الموظفين والمنتخبين على النصوص القانونية المنظمة للصفقات والنفقات، تعزيز الرقابة الداخلية والتنسيق بين المصالح وإرساء آليات متابعة دورية قبل وقوع أي اختلال. فبدون هذا التأهيل والتقوية للمنظومة، ستبقى المحاكم المالية أداة ردع بعد وقوع الأضرار، بدل أن تصبح آلية فعالة للوقاية ومنع تجاوزات المال العام قبل وقوعها.
الجماعات الترابية في صدارة المتابعات
أظهر التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات أن الجماعات الترابية ما زالت تحتل موقع الصدارة بين الأجهزة العمومية المتابع ملفها أمام المحاكم المالية، وهو ما يعكس هشاشة منظومة التدبير المالي على المستوى المحلي، رغم الجهود المبذولة في إطار ورش الجهوية المتقدمة.
وحسب التقرير، همّت القضايا الرائجة، خلال الفترة الممتدة بين 2024 وشتنبر 2025، ما مجموعه 141 جهازا عموميا، تصدرتها الجماعات الترابية بنسبة 88.7 في المائة، تلتها العمالات والأقاليم بنسبة 4.3 في المائة، ثم أجهزة التعاون بين الجماعات بنسبة 3.5 في المائة. وتُظهر هذه الأرقام، وفق خبراء في المالية العمومية، أن نقل الاختصاصات والموارد إلى الجماعات لم يقترن بعد بتعزيز كافٍ لقدرات التدبير والمراقبة، ما يفسر استمرار الاختلالات المتكررة في صفقات النفقات العمومية والديون والممتلكات.
وفي ما يخص الأشخاص المتابعين أمام المجالس الجهوية للحسابات، فقد بلغ عددهم 332 شخصا، من بينهم 154 رئيس مجلس جماعة أو جهاز منبثق عن التعاون بين الجماعات، أي ما يقارب 47 في المائة من مجموع المتابعين، إضافة إلى 76 موظفا بنسبة 23 في المائة. فيما توزعت باقي المتابعات على رؤساء مصالح وأقسام، وأعضاء مكاتب، ومراقبين، ومديرين ومحاسبين، ما يعكس شمولية الرقابة المالية على مستويات مختلفة داخل الإدارات المحلية.
ويُرجع متابعون هذا التركيز على الجماعات الترابية إلى عدة أسباب، أبرزها ضعف الثقافة القانونية لدى بعض المنتخبين، ونقص التكوين والتأهيل المالي والإداري، وقلة الموارد البشرية المؤهلة، بالإضافة إلى غياب تنسيق فعال بين المصالح والرقابة الداخلية، وهو ما يؤدي إلى ارتجالية القرارات المالية، وعدم احترام النصوص القانونية المنظمة للصفقات والنفقات. وبالتالي، يبرز التقرير، مرة أخرى، الحاجة إلى تعزيز قدرات الجماعات الترابية، سواء عبر التكوين المستمر، أو تطوير آليات الرقابة والتتبع قبل وقوع الاختلالات، لضمان أن تتحول الجهوية المتقدمة من مجرد نقل للمهام إلى نموذج ناجع وفعال للحكامة المحلية.
مخالفات متكررة ونسب مقلقة
كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات عن تكرار عدد من المخالفات المالية والإدارية على مستوى الجماعات الترابية وأجهزة التعاون بين الجماعات، وهو ما يثير القلق بشأن فعالية التدبير المحلي والرقابة على المال العام. وتشير المعطيات إلى أن أبرز هذه المخالفات تتعلق بعدم احترام النصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية، حيث بلغت نسبتها 25.3 في المائة، تلتها مخالفات الالتزام بقواعد النفقات العمومية بنسبة 17.4 في المائة، وإثبات وتصفية الديون العمومية بنسبة 16.2 في المائة، فضلاً عن الحصول على منفعة غير مبررة بنسبة 15.4 في المائة.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب خبراء في المالية العمومية، اختلالات بنيوية في طرق إعداد وتنفيذ الميزانيات المحلية، إضافة إلى ضعف آليات الرقابة الداخلية، وعدم توافر نظم فعالة للتتبع والتقييم الدوري للعمليات المالية والإدارية. ويشير الخبراء، أيضا، إلى محدودية الثقافة القانونية لدى عدد من المنتخبين والمسؤولين، الذين يجدون أنفسهم أمام نصوص معقدة ومتشعبة، دون تكوين أو تأطير كافٍ يمكنهم من الامتثال الكامل للقوانين والأنظمة المعمول بها.
ويضيف التقرير أن غياب التكوين المستمر للمنتخبين والمسؤولين، إلى جانب ضعف الموارد البشرية المؤهلة، يؤدي، في كثير من الحالات، إلى ارتجالية القرارات المالية، واللجوء إلى حلول آنية يمكن أن تكون مخالفة للقوانين، ما يزيد من حجم المخاطر على المال العام.
وتبرز هذه المخالفات، كذلك، الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين المصالح الإدارية والمالية، وتفعيل دور الرقابة القبلية على مستوى الجماعات الترابية، لضمان تلافي الأخطاء قبل وقوعها، وتقليص الاعتماد على الرقابة اللاحقة أو الزجرية فقط، التي غالباً ما تصل بعد تفاقم الخسائر وتضخم حجم الأضرار المحتملة على المالية العمومية.
ويخلص المتابعون إلى أن المعالجة الفعلية لهذه الاختلالات تتطلب مزيجاً من التدريب القانوني والإداري، والتأهيل المهني للمنتخبين والمسؤولين، إلى جانب تبسيط المساطر وضمان الشفافية في الصفقات والنفقات العمومية، وهو ما سيُعزز فعالية المحاسبة ويرسخ الثقة في المؤسسات المحلية.
تحصيل الأحكام.. حصيلة محدودة
رغم الأحكام والغرامات المالية التي أصدرتها المحاكم المالية في حق عدد من المسؤولين والمنتخبين، يكشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات عن حصيلة محدودة في ما يتعلق بتنفيذ هذه الأحكام وتحصيل المبالغ المحكوم بها، وهو ما يطرح علامات استفهام حول نجاعة مساطر التنفيذ ومدى قدرتها على تكريس الأثر الردعي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأوضح التقرير أن تنفيذ القرارات القضائية الصادرة يتم عبر إحالتها على الخزينة العامة للمملكة، التي تولت تحصيل ما مجموعه 1.506.000 درهم، في حين قامت خزائن العمالات والأقاليم بتحصيل ما يقارب 541 ألف درهم. وهي أرقام، رغم دلالتها المؤسساتية، تظل محدودة مقارنة بإجمالي الغرامات والأحكام الصادرة، وبحجم الخسائر التي سجلتها تقارير المجالس الجهوية للحسابات.
ويعزو متابعون هذا الضعف في التحصيل إلى عدة عوامل، في مقدمتها التعقيدات الإدارية والمساطر القانونية الطويلة التي ترافق تنفيذ الأحكام، إضافة إلى لجوء عدد من المحكوم عليهم إلى الطعون أو استغلال آجال التنفيذ، ما يؤدي إلى تأخير التحصيل أو تقليص قيمته الفعلية بمرور الزمن.
ويشير خبراء في المالية العمومية، كذلك، إلى أن غياب آليات صارمة لتتبع تنفيذ الأحكام، وضعف التنسيق أحيانا بين الجهات القضائية والمالية، يسهمان في إفراغ العقوبات المالية من بعدها الزجري، ويبعثان برسائل سلبية حول جدية المحاسبة وفعاليتها على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون أن مراجعة آليات تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم المالية باتت ضرورة ملحة، سواء عبر تبسيط المساطر، أو تسريع آجال التنفيذ أو ربطها بإجراءات إدارية موازية، من قبيل تفعيل المسؤولية الإدارية أو التأديبية، لضمان عدم إفلات المعنيين من تبعات الأحكام الصادرة في حقهم.
ويخلص هؤلاء إلى أن تحصين المال العام لا يمر فقط عبر إصدار الأحكام، بل عبر ضمان تنفيذها الكامل والناجع، حتى تتحول المحاسبة من مجرد إجراء قانوني إلى آلية ردع حقيقية تسهم في تخليق الحياة العامة وترسيخ الثقة في المؤسسات.
أسباب الاختلال.. تشخيص رسمي
لم يكتف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات بتسجيل الأرقام والمعطيات الإحصائية المرتبطة بالمتابعات القضائية، بل قدّم تشخيصا دقيقا لأسباب الاختلالات التي تقف وراء تفجر عدد كبير من ملفات سوء التدبير المالي والإداري، سواء على المستوى المركزي أو داخل الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.
وحسب التقرير، فإن أغلب هذه الاختلالات تعود، في المقام الأول، إلى ضعف منظومات الرقابة الداخلية داخل الإدارات والجماعات، وغياب آليات فعالة للتتبع والتقييم، ما يفتح المجال أمام اتخاذ قرارات مالية دون احترام المساطر القانونية أو دون تقدير دقيق للآثار المترتبة عنها. وسجل التقرير، أيضا، نقصا واضحا في التنسيق بين المصالح الإدارية والمالية، وهو ما يؤدي، في كثير من الحالات، إلى تضارب المعطيات وتعطيل تنفيذ البرامج والمشاريع.
فضلا عن ذلك أبرز التقرير قلة الموارد البشرية المؤهلة، خاصة في ما يتعلق بتدبير الصفقات العمومية والميزانيات، حيث يُسند هذا النوع من المهام الحساسة، في أحيان كثيرة، إلى موظفين يفتقرون إلى التكوين المتخصص أو إلى التجربة الكافية، في ظل تعقيد النصوص القانونية وتعدد المقتضيات التنظيمية المؤطرة للإنفاق العمومي.
ومن بين الأسباب الجوهرية التي توقف عندها التقرير، عدم الإلمام الكافي بمقتضيات الصفقات العمومية، سواء من طرف المنتخبين أو بعض المسؤولين الإداريين، إضافة إلى التأخر المتكرر في المصادقة على الميزانيات، وما يترتب عنه من ارتباك في التنفيذ، واللجوء إلى حلول استعجالية غالبا ما تكون خارج الإطار القانوني السليم.
ويؤكد هذا التشخيص، مرة أخرى، أن محاربة الفساد وسوء التدبير لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الزجرية وحدها، رغم أهميتها، بل تقتضي إصلاحا عميقا لمنظومة التسيير العمومي، يقوم على تأهيل الموارد البشرية، وتكوين المنتخبين والمسؤولين وتعزيز آليات الوقاية والمراقبة القبلية، حتى لا تتحول المحاكم المالية إلى مجرد محطات لمعالجة اختلالات كان بالإمكان تفاديها في مراحل مبكرة.
رسالة سياسية ومؤسساتية تتجاوز الأرقام
يخلص التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات إلى أن حجم المتابعات القضائية المسجلة، خلال الفترة الممتدة بين 2024 ونهاية شتنبر 2025، لا يمكن قراءته فقط من زاوية تقنية أو رقمية، بل يحمل في طياته رسالة سياسية ومؤسساتية واضحة، مفادها أن الدولة ماضية في تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره ركيزة أساسية للحكامة الجيدة وحماية المال العام.
فالمعطيات الواردة في التقرير تعكس، من جهة، تعزيز دور المحاكم المالية كآلية دستورية للرقابة والزجر، ومن جهة ثانية، سعي المؤسسات الرقابية إلى ترسيخ ثقافة المساءلة داخل الإدارة العمومية والجماعات الترابية، في سياق يعرف توسعا متزايدا في الاختصاصات المنقولة إلى المستوى المحلي، خاصة في إطار ورش الجهوية المتقدمة.
غير أن هذه الحصيلة، على أهميتها، تفتح، في المقابل، نقاشا أعمق حول جدوى الإصلاحات المتتالية التي عرفها تدبير الشأن العام، وحول مدى قدرتها الفعلية على إحداث قطيعة مع ممارسات ظلت تتكرر بالوتيرة نفسها والأنماط ذاتها داخل عدد من الجماعات والمؤسسات العمومية. فعودة الاختلالات نفسها، المرتبطة بالصفقات العمومية والنفقات والديون والحصول على منافع غير مبررة، توحي بأن الإشكال لم يعد محصورا في النصوص القانونية، بقدر ما يرتبط بثقافة التدبير وآليات التتبع والمراقبة.
وتطرح هذه المعطيات، أيضا، سؤال جاهزية الجماعات الترابية لتحمل المسؤوليات الجديدة التي خولها لها الدستور والقوانين التنظيمية، في ظل ضعف التأطير، ونقص الموارد البشرية المؤهلة واستمرار منطق التدبير اليومي القصير النفس، الذي يغلب الاعتبارات الانتخابية على منطق الحكامة والاستدامة.
الأحزاب السياسية والمسؤولية عن الفساد المالي بالجماعات المحلية
تعيش الجماعات المحلية منذ سنوات على وقع مفارقة لافتة تتمثل في توسع متزايد في الصلاحيات والاختصاصات، مقابل استمرار أعطاب بنيوية في التدبير الإداري والمالي. وفي قلب هذه المفارقة، تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية في اختيار وترشيح النخب المحلية، باعتبارها البوابة الأولى لولوج مواقع القرار داخل الجماعات. فنجاح أو فشل التدبير المحلي لا يرتبط فقط بالقوانين أو الموارد، بل يبدأ أساسا من نوعية الأشخاص الذين تضعهم الأحزاب في واجهة التسيير، ومدى كفاءتهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية.
لقد كرس الدستور والجهوية المتقدمة دور الجماعات الترابية كفاعل أساسي في التنمية، ومنحاها صلاحيات واسعة في التخطيط والبرمجة وتدبير الميزانيات والصفقات العمومية. غير أن هذه الصلاحيات ظلت، في حالات كثيرة، أكبر من كفاءة من يتولون تدبيرها. والسبب، حسب متابعين، يعود إلى استمرار منطق انتخابي تقليدي داخل عدد من الأحزاب، يقوم على الرهان على المال والنفوذ الانتخابي بدل الرهان على الكفاءة والخبرة، وهو ما يُختزل في التعبير الشائع «مول الشكارة».
منطق «مول الشكارة» لا يقتصر على شراء الأصوات، بل يمتد إلى فلسفة كاملة في الترشيح، تعتبر أن القدرة على تمويل الحملات الانتخابية، أو النفوذ الاجتماعي والقبلي، أو شبكة العلاقات، أهم من التكوين القانوني والإداري، أو الإلمام بآليات تدبير المال العام. ونتيجة لذلك، تصل إلى رئاسة الجماعات أو عضوية مكاتبها شخصيات تفتقر إلى الحد الأدنى من المعرفة بالمالية العمومية، وقوانين الصفقات، وإعداد الميزانيات، والرقابة الداخلية، ما يفتح الباب أمام أخطاء جسيمة، وأحيانا أمام تجاوزات تجر الجماعات إلى متابعات قضائية أمام المحاكم المالية.
وتُظهر تقارير المجلس الأعلى للحسابات، بشكل متكرر، أن نسبة كبيرة من الاختلالات المسجلة تعود إلى قرارات اتُّخذت دون سند قانوني متين، أو نتيجة سوء تقدير مالي، أو جهل بمسطرة الالتزام بالنفقات العمومية. وهنا تبرز المسؤولية السياسية للأحزاب، التي لا يمكنها التنصل من نتائج اختياراتها، لأن المنتخب المحلي ليس فاعلا معزولا، بل هو نتاج مباشر لمنظومة ترشيح حزبية يفترض أن تخضع لمعايير الكفاءة والاستحقاق.
إن ترشيح الأعيان وذوي النفوذ المالي قد يحقق مكاسب انتخابية ظرفية، لكنه يُنتج على المدى المتوسط والبعيد كلفة سياسية ومؤسساتية باهظة. ففشل التدبير المحلي لا ينعكس فقط على الجماعة، بل يضرب صورة الأحزاب نفسها، ويعمق فقدان الثقة في العمل السياسي، ويعزز العزوف الانتخابي. كما أن ربط اسم حزب معين باختلالات مالية، أو سوء تدبير داخل جماعات يسيرها منتخبوه، يُضعف مصداقيته ويجعل خطابه الإصلاحي فاقدا للوزن.
في المقابل، يطرح عدد من الباحثين والفاعلين السياسيين نموذجا بديلا، يقوم على إعادة الاعتبار للكفاءة السياسية والتقنية في الترشيح، وجعل التكوين والخبرة معيارا أساسيا للولوج إلى مواقع التدبير المحلي. فالجماعة اليوم لم تعد فضاء لتدبير الشأن اليومي البسيط، بل أصبحت مؤسسة معقدة، تدير ميزانيات بملايين الدراهم، وتشرف على صفقات ومشاريع كبرى، وتحتاج إلى منتخبين قادرين على الفهم والتتبع واتخاذ القرار على أسس قانونية ومالية سليمة.
ولا يعني هذا الطرح إقصاء البعد السياسي أو الاجتماعي، بل تحقيق توازن بين التمثيلية والكفاءة. فالمطلوب ليس منتخبين تقنيين معزولين عن محيطهم، بل نخب سياسية تجمع بين الشرعية الانتخابية والقدرة التدبيرية. وهو ما يفترض من الأحزاب تطوير آلياتها الداخلية، عبر إرساء مساطر شفافة لاختيار المرشحين، واعتماد معايير واضحة تتعلق بالمستوى التعليمي، والتجربة المهنية، والاستعداد لتحمل المسؤولية، بدل الاقتصار على منطق الولاءات أو الإمكانيات المالية.
كما تتحمل الأحزاب مسؤولية مرافقة منتخبيها بعد الانتخابات، عبر التكوين المستمر في مجالات التدبير الإداري والمالي، ومواكبتهم قانونبا وتقنيا، بدل تركهم يواجهون تعقيدات التسيير وحدهم. فالحزب الذي يزج بمرشحين غير مهيئين في دواليب الجماعات، ثم يتبرأ منهم عند أول تعثر، يساهم بشكل غير مباشر في إضعاف الحكامة المحلية.
إن تجاوز منطق «مول الشكارة» ليس فقط خيارا أخلاقيا، بل ضرورة مؤسساتية لضمان نجاح ورش الجهوية المتقدمة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من صندوق الترشيح داخل الأحزاب، قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع. ودون نخبة محلية كفؤة، قادرة على التدبير الرشيد، ستظل الجماعات المحلية حلقة ضعيفة في مسلسل التنمية، وستبقى تقارير الاختلالات تتكرر، مهما تعددت القوانين وتغيرت الشعارات.
مدخل لإصلاح تدبير المال العام بالجماعات المحلية
تعتبر الجماعات المحلية حجر الزاوية في التدبير المالي والإداري بالمغرب، خاصة بعد توسيع صلاحياتها في إطار الجهوية المتقدمة، ونقل الموارد والبرامج إليها. ورغم هذه الصلاحيات، كشفت تقارير المجلس الأعلى للحسابات عن استمرار اختلالات مالية وإدارية متكررة، ما يثير تساؤلات حول قدرة هذه الجماعات على إدارة مواردها بفعالية. ومن أبرز الأسباب، يبرز نقص التكوين والموارد البشرية المؤهلة في المجال المالي والإداري. فالمنتخبون والمسؤولون غالبا ما يفتقرون إلى المعرفة الكافية بمبادئ المالية العمومية، ومقتضيات الصفقات، وإجراءات إعداد الميزانيات ومراقبة النفقات. وبدون تأطير مسبق أو تكوين مستمر، تقع القرارات المالية على أساس ارتجالي، ما يعرض المال العام للخطر ويضعف ثقة المواطنين في قدرة المسؤولين المحليين على إدارة الموارد العامة بشكل سليم وشفاف.
يؤكد الخبراء أن التكوين ليس رفاهية، بل ضرورة ملحة لضمان اتخاذ قرارات مالية وقانونية سليمة. فغياب التكوين يؤدي إلى أخطاء متكررة في الالتزام بالنفقات العامة، وخروقات الصفقات، وعدم احترام قواعد التسيير المالي، ما يترجم إلى مخالفات متكررة أمام المحاكم المالية. كما أن المنتخبين غير المؤهلين يجدون أنفسهم أمام نصوص قانونية معقدة، مما يضعف قدرتهم على التحكم في الموارد ويجعل الإدارة المحلية عرضة للتجاوزات أو سوء التدبير، وهو ما يترتب عنه تكاليف مالية إضافية وضرر محتمل على المشاريع العمومية والخدمات المقدمة للمواطنين.
تأثير ضعف التكوين على جودة القرارات المالية
نقص التكوين لا يقتصر على المنتخبين، بل يشمل الموظفين الذين يشرفون على التدبير المالي والإداري داخل الجماعات. كثير من الجماعات تفتقر إلى عدد كاف من الأطر المؤهلة في المحاسبة، أو التدقيق الداخلي، أو متابعة الصفقات والمشتريات، ما يخلق فراغا في الرقابة الداخلية ويزيد من احتمالية ارتكاب التجاوزات أو الأخطاء. ونتيجة لذلك، تقع القرارات المالية في كثير من الحالات على أساس ارتجالي أو فهم جزئي للقوانين، ما يؤدي إلى مخالفات مثل عدم الالتزام بالنفقات العمومية، وخرق النصوص المنظمة للصفقات، وإثبات وتصفية الديون بشكل غير دقيق، والحصول على منفعة غير مبررة، كما ورد في تقارير المجلس الأعلى للحسابات.
يضيف ضعف التكوين ضغطا إضافيا على المسؤول المباشر بالصرف، الذي غالبا ما يجد نفسه مضطرا إلى إدارة ملفات مالية معقدة بمفرده، أو مع فريق محدود الإمكانيات، ما يزيد من المخاطر المالية والإدارية ويضعف ثقة المواطنين في قدرة الجماعات على إدارة أموالهم. ويلاحظ الخبراء أن تكرار الأخطاء على مستوى مختلف الجماعات يشير إلى خلل بنيوي مرتبط بالجانب البشري أكثر من كونه متعلقا بالموارد المالية نفسها، ما يجعل التكوين المستمر والتأهيل المهني أولوية قصوى لمعالجة هذه الاختلالات.
النقص في الموارد التقنية واللوجستية
إلى جانب نقص التكوين البشري، تواجه الجماعات المحلية تحديا كبيرا في الموارد التقنية واللوجستية، حيث تفتقر العديد من الجماعات إلى نظم محاسبية متقدمة أو برامج متابعة مالية تسمح بالكشف المبكر عن التجاوزات أو الأخطاء. هذا النقص يُفاقم من تأثير ضعف التكوين، إذ حتى المسؤول المتمكن نظريا يجد نفسه عاجزا عن متابعة كل العمليات اليومية، أو تحليل البيانات المالية بشكل دقيق. وتنعكس هذه الاختلالات على جودة القرارات، إذ تصبح الأخطاء أكثر احتمالا، مما يزيد الاعتماد على المحاكم المالية بعد وقوع المخالفات بدلا من منعها قبل وقوعها.
ويشير الخبراء إلى أن الجمع بين التكوين البشري والتجهيز التقني يمثل أساسا للوقاية من الاختلالات. فالتدريب على استخدام الأدوات الرقمية الحديثة لمتابعة الميزانيات والنفقات يمكن أن يحسن الرقابة ويقلل المخاطر المالية. كما يساهم النظام المحاسبي المتكامل في توفير بيانات دقيقة تسمح باتخاذ قرارات سليمة، وتعزيز الشفافية، وضمان التزام المسؤولين باللوائح والقوانين المالية. وبهذا الشكل، تتحول المحاسبة من أداة ردعية بعد وقوع الخطأ إلى آلية وقائية فعالة، تضمن حماية المال العام واستدامة الخدمات المقدمة للمواطنين.
مداخل الإصلاح وأهمية الاستثمار في الموارد البشرية
تتطلب معالجة اختلالات تدبير المال العام بالجماعات المحلية استثمارا مستداما في الموارد البشرية والتكوين المستمر. ويجب أن يشمل هذا الاستثمار جميع الفاعلين الماليين، بدءا من المنتخبين ووصولا إلى الموظفين، مع التركيز على مبادئ الحكامة والمحاسبة العامة، وإدارة الصفقات، وإعداد الميزانيات، والرقابة الداخلية، واستخدام التكنولوجيا الرقمية. كما يقترح الخبراء إنشاء وحدات تكوين متخصصة على مستوى الجهات، أو الأكاديميات الإدارية، مسؤولة عن التدريب الدوري والمستمر وتقييم كفاءة الأطر بشكل منتظم، لضمان أن المعرفة المكتسبة تُترجم إلى ممارسات مالية سليمة.
يرتبط تحسين التكوين ارتباطا وثيقا بتقوية الرقابة الداخلية، وتقليص الأخطاء والتجاوزات، وضمان استدامة الموارد العامة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. من خلال بناء القدرات البشرية، يمكن تحويل المحاسبة من أداة ردعية، بعد وقوع الأخطاء، إلى أداة وقائية تمنع وقوعها أصلا. وهذا الاستثمار في الموارد البشرية المالية يضمن حماية المال العام، ويعزز الثقة في المؤسسات المحلية، ويحقق نتائج ملموسة لإصلاح منظومة تدبير الجماعات المالية في ظل الجهوية المتقدمة، بما يحقق الهدف الأساسي من توزيع الموارد على الصعيد المحلي بكفاءة وعدالة.
ثلاثة أسئلة لمحمد زين الدين* :
«مشاكل تدبير المال العام بالجماعات متعددة ومداخل معالجتها متنوعة»
- ما هي أسباب الاختلالات المرتبطة بتدبير المال العام بالجماعات المحلية؟
الاختلالات المرتبطة بتدبير المال العام بالجماعات المحلية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمي لعدة عوامل قانونية، إدارية، وهيكلية واجتماعية. أولا، هناك ضعف الرقابة الداخلية، الذي يتيح أحيانا للموظفين أو المنتخبين اتخاذ قرارات مالية دون مراجعة كافية، أو بدون التحقق من مدى مطابقتها للقوانين والأنظمة. في كثير من الجماعات، لا توجد وحدات رقابية متخصصة أو مستقلة، أو أن وحدات الرقابة القائمة غير مجهزة بالموارد البشرية المؤهلة أو التكنولوجيا المناسبة لتتبع النفقات والتحقق من مطابقتها.
ثانيا، نجد نقصا في التنسيق بين المصالح الإدارية والمالية، حيث تتداخل الاختصاصات أو تغيب آليات تبادل المعلومات، مما يؤدي إلى تضارب البيانات وتأخير اتخاذ القرارات. ثالثا، هناك قصور كبير في الموارد البشرية المؤهلة؛ فالموظفون والمنتخبون يواجهون نصوصا قانونية معقدة، خاصة في ما يتعلق بالصفقات العمومية والنفقات، دون تكوين قانوني أو إداري مناسب، وهو ما يؤدي إلى ارتجالية القرارات وارتكاب مخالفات غير مقصودة أحيانا، أو استغلالها سياسيا أو شخصيا أحيانا أخرى.
رابعا، يضاف إلى ذلك عامل الضغط الزمني، خاصة مع التأخر في المصادقة على الميزانيات، ما يخلق حالة من الفوضى في التنفيذ، ويجبر المسؤولين على اتخاذ قرارات سريعة أحيانا على حساب القانون. وأخيرا، هناك بعد اجتماعي وسياسي، حيث قد يُنظر إلى بعض الصفقات أو الموارد كمكاسب انتخابية أو وسيلة لترسيخ النفوذ، وهو ما يضرب مبدأ الحياد والشفافية.
إذا جمعت كل هذه العوامل، ستجد أنها تخلق بيئة ملائمة لتراكم الاختلالات، خصوصا في ظل ضعف تطبيق آليات الوقاية والمراقبة القبلية، وهو ما أكده المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره الأخيرة.
- ما دلالة الأرقام الأخيرة الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات، في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
الأرقام الواردة في التقرير الأخير تعكس رسائل مزدوجة. من جهة، هي دليل على فعالية المحاكم المالية وممارسة الدولة لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ تابعت المحاكم المالية خلال فترة التقرير 395 مسؤولا على مستوى مركزي وجهوي، من بينهم 63 على المستوى المركزي و332 على مستوى الجماعات المحلية. هذه المتابعات تشمل المسؤول المباشر بالصرف بنسبة 46 في المائة، ورؤساء الأقسام والمصالح بنسبة 27 في المائة، والموظفين والأعوان بنسبة مماثلة، ما يبرز أن المحاسبة لا تقتصر على الرؤساء أو المنتخبين، بل تشمل كل من يشارك في اتخاذ القرار المالي.
من جهة أخرى، هذه الأرقام تشير إلى هشاشة منظومة التدبير المالي على المستوى المحلي، فوجود 332 متابعة على مستوى الجماعات المحلية، وتشمل رؤساء جماعات وموظفين، يعكس استمرار الأخطاء والاختلالات، رغم القوانين المنظمة والرقابة المفروضة. الغرامات المطبقة، التي تجاوزت 4 ملايين درهم، وحكم إرجاع مبالغ أخرى للخزينة، تؤكد وجود أضرار فعلية للمال العام، لكنها أيضا تظهر أن المحاسبة جاءت بعد وقوع الضرر، أي أن الوقاية والرقابة القبلية لم تكن كافية لوقف الانزلاقات قبل وقوعها.
هذه الإحصائيات تحمل كذلك بعدا سياسيا، إذ تفرض على المسؤولين والجماعات التفكير في إدارة المخاطر المالية بشكل أكثر جدية. فهي تؤكد أن مبدأ المحاسبة ليس مجرد أداة ردعية بعد وقوع الاختلالات، بل يجب أن يترجم إلى سياسات مؤسساتية للتكوين، وتعزيز الرقابة، وتبسيط المساطر، وضمان أن يتم اتخاذ القرارات المالية ضمن إطار قانوني واضح وشفاف.
- ما هي مداخل معالجة هذه الاختلالات؟
المعالجة الحقيقية للاختلالات في تدبير المال العام تتطلب مزيجا متكاملا بين ثلاثة محاور: التشريع، التأهيل، والسياسة. من الناحية التشريعية، يجب مراجعة بعض النصوص الخاصة بالصفقات العمومية والنفقات، لتبسيطها وتوضيحها، مع إدماج آليات أكثر صرامة للرقابة والشفافية، مثل إلزامية نشر الصفقات الكبرى ومراقبتها مسبقا. هذا الجانب يضمن الحد من التلاعب أو سوء الفهم للنصوص، ويوفر إطارا واضحا لكل المسؤولين.
أما المحور الثاني فهو تكوين الأطر المالية والإدارية داخل الجماعات، وهو محور جوهري. فالمسؤول المباشر بالصرف أو رؤساء الأقسام يجب أن يخضعوا لتكوين مستمر في المالية العمومية، المحاسبة، ومبادئ الحكامة، لضمان قدرتهم على اتخاذ القرار المالي السليم، وتجنب الأخطاء غير المقصودة. التدريب يجب أن يشمل ليس فقط الموظفين، بل المنتخبين أيضا، خصوصا مع توسيع صلاحياتهم في الجهوية المتقدمة.
أما الجانب السياسي، فهو حساس للغاية. اختيار المسؤولين من قبل الأحزاب يلعب دورا في جودة التدبير، لأن الخبرة والمعرفة القانونية والفنية يجب أن تكون من بين المعايير الأساسية، وليس فقط الانتماء الحزبي أو الاعتبارات الانتخابية. ضعف هذه المعايير يؤدي إلى تكرار الاختلالات، لأن المسؤولين قد يفتقرون إلى الكفاءة الإدارية أو المالية اللازمة لتسيير الموارد العامة.
باختصار، أي معالجة ناجعة للاختلالات لا يمكن أن تقتصر على عنصر واحد؛ بل هي منظومة شاملة تجمع بين النصوص القانونية الواضحة، والرقابة الفعالة، والتكوين المستمر، والاختيار العقلاني للمسؤولين، مع تعزيز الشفافية والمساءلة على جميع المستويات، لضمان أن تصبح المحاسبة أداة للوقاية وليس فقط للتأديب بعد وقوع الضرر.
*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بالمحمدية





