
يونس جنوحي
فجرت أوساط علمية قنبلة حقيقية تهدد سلامة الأرض. يتعلق الأمر بالعملاق التكنولوجي الخاص بالإرسال الكهرومغناطيسي، المُصمم في الأصل للاتصال بالغواصات في أعماق المحيطات. هذه التكنولوجيا المعقدة، التي تستعملها الصين، ويبلغ مداها 500 كيلو واط، تكفي لتغطية خمسة أضعاف مساحة مدينة بحجم “نيويورك”.
وبدل أن يُستعمل هذا الاختراع التكنولوجي المعقد في وظيفته الأساسية، وهي ربط الاتصال بالغواصات في أعماق المحيطات، فإنه يُستعمل في الصين للتنقيب عن المعادن.
الأوساط العلمية تصف هذا الهوائي الضخم بأنه “ليس مجرد أعجوبة هندسية وحسب، بل إنه الآن أصبح نذيرا بالاضطراب البيئي”.
الخبراء يقولون إن استعمال هذه التكنولوجيا للتنقيب عن المعادن في أعماق الأرض، من شأنه أن يعرض الكوكب ككل للخطر، وينذر بخراب وارتباك المنظومة الطبيعية.
استعمال الصين لهذه التكنولوجيا، في التنقيب عن المعادن، سببه ارتفاع وتيرة و”حمى” السباق الدولي لتأمين مادة “الليثيوم” و”الكوبالت” والعناصر الأرضية النادرة التي تُستعمل في الصناعات الدقيقة. وهذا يعني أن الهواتف الذكية والجيل الجديد من الحواسيب والسيارات الكهربائية، كلها تستنزف مخزون الأرض من هذه المعادن.
عندما دق الخبراء ناقوس الخطر، فقد كانوا يُدركون مدى خطورة استعمال الموجات الكهرومغناطيسية في أعماق الأرض. إذ إن هذا التنقيب يتم عبر “إغراق” الأرض بإشارات عالية الطاقة، تصل إلى آلاف الأمتار تحت قشرة الأرض. وهذه التكنولوجيا مكنت من الوصول إلى اكتشافات على نطاق غير مسبوق نهائيا في تاريخ البشرية. إذ وصل الصينيون بفضلها إلى أكبر كمية من رواسب الذهب في أعماق الأرض، بالإضافة إلى احتياطات ضخمة من الليثيوم، واليورانيوم الخام.
الصين تركت العالم خلفها حرفيا. وهذا الكلام ليس استنتاجا، وإنما حقيقة علمية يعترف بها خصوم الصين، ونشرت صحيفة “ميكونغ نيوز” تفاصيلها الكاملة.
ولفهم هذا الفرق، يعلق الخبراء للصحيفة بالقول إن الدول الغربية حاليا تعمل بأدوات تنقيب يبلغ مداها الأقصى 30 كيلو واط فقط. بينما تشتغل الصين حاليا، بفضل توظيف تكنولوجيا الاتصال اللاسلكي بالغواصات في التنقيب عن المعادن، بترسانة تصل إلى 100 كيلو واط. التقرير المنشور يقول إن “هذه الهيمنة التكنولوجية تأتي بتكلفة بيئية باهظة”.
في منطقة التبت، حيث يوجد منجم “جياما” للتنقيب عن مادة النحاس، تجاوزت الصين عمق التنقيب عن المعادن. ووصل مدى الموجات إلى أكثر من 3000 متر تحت سطح الأرض.
وكلما ازداد العمق، ازداد الخطر. استقرار التكوينات الجيولوجية مهدد، أي أن مخاطر الزلازل بسبب هذا التدخل البشري في عمق الأرض، واستعمال هذا النوع من الموجات القوية في التنقيب، سوف تزداد.
الحكومة الصينية، ممثلة في الحزب الحاكم، تعرض سياسة غير مسبوقة تؤكد فيها على ضرورة خوض سباق الوصول إلى المعادن. وهناك مؤسسات حكومية في الصين، أنشأها الحزب الشيوعي، تشتغل على المسح الجيولوجي، وتطوير تكنولوجيات في هذا التخصص، دون الالتفات إلى التحذير البيئي والعلمي من مخاطر هذا التدخل.
هناك طموح لدى الصين لكي تستعمل هذه التكنولوجيا في قاع المحيط، والهدف من هذا التنقيب، الوصول إلى أبعد نقطة ممكنة في عمق الأرض.
سياسة الهيمنة على الأراضي النادرة، والتنقيب فيها عن المعادن لم تعد مجرد طموح حكومي لدى الصين، بل صارت واقعا على الأرض، أو “في عمقها” على الأصح. يتعلق الأمر بالسيطرة على 90 بالمئة من إمدادات كوكب الأرض، أي الهيمنة على المواد المعدنية النادرة.
هناك اعتراف في الأوساط العلمية، بأن الولايات المتحدة الأمريكية -إحدى أقوى الدول المُنقبة عن المعادن في العالم- سوف تلزمها سنوات للحاق بالصين في هذا السباق المحموم.
والواضح أن سباق التنقيب عن البترول قد انتهى وأصبح من “التاريخ”.. الآن حل عصر “الليثيوم”. والرهان ألا نهلك جميعا في غمرة هذا السباق.





