حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

سكيزوفرينيا يسارية

مع اقتراب كل موعد انتخابي، تدخل الأحزاب المغربية في موسمها الطبيعي، أو ما يشبه موسم التزاوج السياسي، حيث تنتفخ الخطابات، وتلمع الوعود، وتُستخرج من المخازن القديمة برامج انتخابية سبق أن استُعملت أكثر من مرة، ثم أعيد تسخينها بعناية كوجبة شعبية فقدت نكهتها، لكن أصحابها يصرون على تقديمها في أوان جديدة. فجأة، يصبح الجميع حراسا للعدالة الاجتماعية، وأنصارا للكرامة، وخبراء في البطالة، وأطباء للاقتصاد، ومهندسين للثقة المفقودة. لا أحد يعترف بأنه كان جزءا من المشكلة، ولا أحد يتذكر أن المواطن سمع هذه الجمل نفسها قبل عشر سنوات، وربما قبل عشرين سنة، مع اختلاف بسيط في أسماء المرشحين وصور الملصقات.

إنها حالة هستيريا جماعية، لكن ببدلات رسمية وربطات عنق وميكروفونات عملاقة. تتسابق الأحزاب إلى رفع سقف الوعود، وكأن البلاد لم تعرف حكومة من قبل، وكأن الميزانية العامة بئر لا قاع لها، وكأن السياسة ليست فن الممكن، بل فن توزيع الأمنيات على جمهور مرهق. كل حزب يعد بإصلاح المدرسة والمستشفى والسكن والشغل والعدالة، ثم يضيف، من باب الكرم الانتخابي، وعدا بإعادة الثقة إلى المواطن. وهي مفارقة جميلة، لأن الثقة نفسها هي أول ما يُستهلك في هذه المهرجانات الخطابية، حيث تتحول السياسة إلى عرض موسمي بين بائع شعارات ومشاهد يعرف أن البضاعة مغشوشة، لكنه يتوقف عندها بدافع الفضول أو السخرية أو اليأس.

غير أن أكثر ما يثير الدهشة ليس في الأحزاب التي تعلن براغماتيتها بلا خجل، بل في بعض الأحزاب اليسارية التي تتصرف كما لو أنها هبطت من كوكب أخلاقي منفصل عن الأرض. فهي ترفع قاموس الطهارة السياسية، وتوزع شهادات الوطنية والنزاهة على الناس، وتتعالى على باقي الفرقاء باعتبارهم تجارا في السوق الانتخابية، ثم لا تلبث أن تمارس، عند أول امتحان حقيقي، ما كانت تندد به صباح مساء. هنا تظهر السكيزوفرينيا السياسية في أوضح صورها: خطاب ثوري في المنصة، وحسابات انتخابية شديدة الواقعية في الكواليس؛ غضب من المال السياسي في الندوات، ثم تساهل مع «أصحاب الشكارة»، حين يصبحون مفاتيح محتملة للمقاعد.

وما وقع هذا الأسبوع داخل واحد من أكبر الأحزاب اليسارية في المغرب، من احتمالية منح تزكيات لأعيان وأصحاب نفوذ مالي، ليس حادثة معزولة بقدر ما هو مرآة كاشفة. فاليسار الذي كان يقدم نفسه تاريخيا باعتباره صوت الفئات الشعبية، يجد نفسه اليوم محتاجا إلى وجوه قادرة على تمويل الحملة، وتحريك الشبكات المحلية، وتأمين الحضور، وربما شراء ذلك النوع من الحماس الذي لا تنتجه الأفكار وحدها. ثم يأتي الحفل الغنائي الشعبي المقام على شرف المؤتمرين، ليضيف طبقة أخرى من المفارقة: حزب يتحدث عن الوعي النقدي، ويحتفل بمناضليه على إيقاع مهرجان أقرب إلى عرس انتخابي كبير، حيث تختلط السياسة بالفرجة، والتنظيم بالاستعراض، والبرنامج بالتصفيق.

ولا يعني ذلك أن الغناء الشعبي عيب، أو أن الفرح السياسي جريمة. المشكلة ليست في العيطة ولا في الشيخات ولا في الموسيقى التي تصاحب المؤتمرات، بل في التناقض بين خطاب يحتقر الشعبوية وبين ممارسات تستدعيها عند الحاجة. فالسياسي الذي يندد بتسليع السياسة لا يمكنه أن يحول مؤتمره إلى مناسبة للفرجة الرخيصة، ثم يطالب الناس بعد ذلك بالتعامل مع الانتخابات بوصفها واجبا وطنيا مقدسا. السياسة ليست جنازة دائمة، لكنها أيضا ليست حفلا مفتوحا لتوزيع الصور والولائم والوعود.

وهنا تبدأ مسؤولية السياسي في تمييع العمل العام: عندما يعتقد أن المواطن مجرد كتلة قابلة للتصفيق، أو رقما انتخابيا يمكن استمالته بالأغنية والشعار والابتسامة. لكنها لا تنتهي عنده وحده. فالمواطن بدوره مسؤول حين يقبل أن يختزل صوته في خدمة شخصية، أو وعد صغير، أو قرب مرشح من عائلته، أو قدرة حزب على تنظيم سهرة أكثر صخبا من منافسيه. التصويت النزيه ليس طقسا إداريا باردا، بل قرارا أخلاقيا يحدد من يدير المال العام ومن يشرع للقوانين ومن يتحدث باسم الناس.

أما السؤال الأكثر حساسية، فهو لماذا يبدو مهرجان خطابي لسياسي فرنسي أو أمريكي على نغمات الكانتري أو الروك مشهدا لطيفا وحديثا، بينما يتحول المهرجان المغربي على وقع العيطة إلى مادة للسخرية والاحتقار؟ ربما لأننا ما زلنا ننظر إلى ذواتنا بعيون الآخرين. نعجب بالرموز الشعبية حين تأتي مختومة بختم غربي، ونخجل منها حين تعكس ذاكرتنا المحلية. العيطة ليست عيبا، والشيخات لسن خطرا على الديمقراطية؛ الخطر الحقيقي هو أن نغني للسياسة بدل أن نحاسبها، وأن نرقص حول الوعود، بدل أن نسألها: ماذا أنجزتم فعلا؟

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى