
في خريف عام 2001، قرر الشاب إسماعيل الفتح مغادرة مسقط رأسه الدار البيضاء، سعيا لتحقيق الحلم الأمريكي وهو في سن الثامنة عشرة، لم يكن يدور بخلده أنه سيركب يوما صهوة المجد الرياضي ويصبح أحد أفضل حكام الدوري الأمريكي لكرة القدم.
حين ودع أهله وأصدقاءه، وشد الرحال إلى مطار محمد الخامس، لم يكن في جيبه سوى 200 دولار وتذكرة سفر وحقيبة وأحلام تجثم على كتفيه.
حملته القرعة الأمريكية إلى مدينة أوستن، عاصمة ولاية تكساس ذات المناخ الحار المحشو بالرطوبة.
ورغم أن أوستن مدينة الموسيقى وليس الكرة، فقد اختار الفتى التحدي، وقرر أن يصبح عازفا على الصفارة وليس الغيتارة.
فبفضل بطاقة الإقامة الدائمة “غرين كارد”، التي حصل عليها، تمكن الفتى من الجمع بين الرياضة والدراسة، وبعد خمس سنوات تأبط شهادة في الهندسة الميكانيكية من جامعة تكساس، مكنته من تدبير لقمة عيش حلال في محل لبيع أجهزة الحاسوب.
قلب إسماعيل صفحة كرة السلة، وأصبح أكثر شغفا بكرة القدم، شق مساره في عالم التحكيم من مباريات للشباب والهواة والجامعيين، قبل أن يرتقي ليصبح، في سنة 2009، حكما ضمن بطولة الدوري الأمريكي لكرة القدم.
دخل الولد عالم التحكيم الدولي، حين نال الدولية، فقاد مباريات كأس العالم تحت عشرين عاما، والألعاب الأولمبية وبطولة كأس الكونكاكاف الذهبية، وكأس العرب وكأسي العالم في قطر وأمريكا، وتحول إلى نجم من نجوم الرياضة في بلد تسعى فيه كرة القدم إلى البحث عن موطئ قدم بين الرياضات الأكثر شعبية في بلد شعاره “البيزنس أولا”، ككرة السلة والبيسبول والكرة الأمريكية.
حمل إسماعيل الجنسية الأمريكية، وظل قلبه يخفق بالمغرب، وحين يتابع مباريات المنتخب المغربي تنساب من عينيه مجاري الدموع.
واليوم، يعد الفتح، الذي دخل عقده الرابع وهو أب لثلاثة أطفال، أحد أفضل حكام الدوري الأمريكي لكرة القدم، لذا حين فكرت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في صيغة لتطوير أداء التحكيم المغربي، بحثت عن النموذج الأمريكي في شخص إسماعيل.
لبى الدعوة وحل بمركب المعمورة بسلا وهو يحمل مشروعا يضع التحكيم المغربي على سكة العالمية، وسحب من جيبه وصفة لتسريع وتيرة الارتقاء إلى مجد الصفارة.
آمن بأن تطوير قطاع التحكيم المغربي، جزء من الإصلاح الشامل للكرة المغربية، حتى لا تواصل البطولة سيرها بسرعة السلحفاة، بينما تصر المنتخبات على ركوب البراق.
لكن بعد جلسة تشخيص دامت دقائق، خرج إسماعيل ولم يعد.
عاد إلى أمريكا وفي حقيبته مشروع إصلاح صفارات غير قابل للتنفيذ، ولسان حاله يقول:
بلادي وإن جارت علي عزيزة…





