حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

​صُنع في الصين​


يسرا طارق

​دعا عبد الله العروي مراراً إلى ضرورة انفتاح التعليم في المغرب على فكرة الجدوى والمنفعة للفرد وللمجتمع، فبماذا تنفع طالبةٌ وطالبٌ نفسيهما والمجتمعَ إن كانا يحفظان شعر الفرزدق أو جرير؟ لكن إن علمنا الطالبةَ، مثلاً، الخياطةَ فستكون قادرة على إعداد ألبستها وألبسة أهلها، ولِمَ لا تتخذ من مهنة الخياطة في المستقبل وسيلة لضمان العيش؟ هذا ما فطن إليه النظام التعليمي الصيني بعد الثورة الثقافية؛ بحيث لم يعد يعطي للتلميذ معارفَ فحسب، ولا يلقنه بإفراط أيديولوجيا، وإنما يلقنه مهارات متنوعة لمواجهة متطلبات الحياة. فمنذ مرحلة روض الأطفال يُعلَّم الطفل كيف يعتمد على نفسه في كل شيء: كيف يغسل ثيابه ويكويها، كيف يعد أكله، كيف يرتب سريره وكيف ينظف نفسه.. ويُعلَّم بالأساس ألّا يحتقر العمل اليدوي، لأن لا شيء يعوضه.

​وحرص ماو، في توجيه له سنة 1966، على القول: «لا توجد وسيلة أكثر عقلانية لشغل أستاذ جامعي من جعله ينقل روثاً في عربة يدوية». فعلى كل من يمتهن التعليم، وبغض النظر عن درجات ذلك التعليم ومستوياته (ابتدائي، ثانوي، جامعي)، ألّا يحتقر المهن، خصوصاً تلك التي لها صلة بالأرض؛ لهذا ازدهرت في الصين «المدارس-الضيعات» التي تعلم الكتابة والقراءة والحساب، وتعلم، إلى جانب ذلك، تقنيات الفلاحة. كما يُجبر طلاب الجامعات على الذهاب بشكل دوري إلى المناطق الفلاحية أو المصانع، يلبسون ثياباً زرقاء متشابهة، ويعوّدون أيديهم على الاتساخ بالتراب وعلى مسك المعول والآلة؛ فعلى الطالب أن يعرف أنه فرد ضمن حشود العمال والفلاحين.

​وحين أمسك الزعيم دينج شياو بينج بمقاليد الحكم، أحدث قطيعة مع مرحلة كانت فيها الشعارات البراقة والتكوين الأيديولوجي يغطيان على نقص مهول في الفعالية والإنتاجية، فقال قولته الشهيرة التي تلخص الرؤية الجديدة للصين: «لا يهم إن كان القط أسودَ أو أبيضَ، طالما أنه يصطاد الفئران».

هذا النهج البراغماتي هو الذي حرر الصين في عقدين من الزمن، ومن خلال سياسة حذرة تتقدم خطوة بخطوة لتتخلص من ثقل الالتزام بنهج سياسي لم يعد يصلح لعالم يسير بسرعة قصوى، ولا يترك لمن أخطأ قطاره إلا الحسرة والغبار.

​وبما أن الصين الجديدة قررت ألّا تبقى بلداً فلاحياً ضعيف الإنتاجية بسبب غياب الحافز لدى الفلاحين، أو بلداً صناعته بدائية ومتعثرة؛ فقد فتحت مجالها الاقتصادي للشركات الأجنبية، وطوّرت البنية التحتية والأهم من كل هذا أنها راهنت على الذكاء البشري؛ فطوّرت الجامعات، وخلقت شروطاً تحفيزية للبحث العلمي وأرسلت بعثات طلابية إلى أرقى الجامعات العالمية. وفي غضون سنوات، صارت بعض الجامعات الصينية من أهم الجامعات العالمية، ووضعت الصين برامج لإغراء الطلاب بالعودة إلى بلادهم بعد حصولهم على شهادات عليا، ووضعت رهن إشارتهم مختبرات متطورة، وأرغمت الشركات الكبرى، التي تستثمر في الصين، على نقل التكنولوجيا وتكوين جيل من الأطر الصينية المؤهلة لقيادة تصنيع البلاد.

​هكذا، وبعد أن كانت الصين معروفة بالصناعة الرديئة والرخيصة في النسيج والأدوات المنزلية ولعب الأطفال، صارت تنافس أعتى الاقتصادات العالمية في إنتاج التكنولوجيا الدقيقة، بل إنها بعقول الصينيين تمكنت في مجالات معينة من تجاوز ما يعرفه الغرب. إن ما أنجزته الصين في رهانها على التعليم الجيد والمنتج قصة ملهمة لبلد كبلدنا، ما زال يبحث عن أسس تعليم ينفع البلاد والعباد.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى