حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

​طفولة حمراء (3)


 

مقالات ذات صلة

 

​​يسرا طارق

تبدأ التربية في الصين منذ الطفولة المبكرة، ولا شيء يُترك للصدفة أو للتطور الطبيعي؛ فالطفل ليس ابن الأسرة وإنما ابن الأمة، لذلك عليه أن يفتح عينيه على حقيقة أنه جندي صغير، يجب أن يمتلك، وبشكل مبكر، كل الصفات التي تحتاجها الأمة: التضحية، الجدية، العمل الدؤوب، الالتزام والامتثال للقيادة. يُحاط الأطفال باللون الأحمر، وعلى ثيابهم الأولى أن تغرس في كيانهم أنهم ينتمون للحزب الشيوعي، وعليه فلونهم المفضل ينبغي أن يكون الأحمر. كما أن حركاتهم الأولى ينبغي أن تقلد الحركات الثورية؛ كرفع القبضة وخبط عقب القدم بالأرض. تُعطى للأطفال لعب وظيفية تجعلهم يستأنسون بما سيكونون عليه في المستقبل؛ فيعرف الأطفال الرشاش، والفأس، والجرافة، والقلم وريشة الرسم، ويحفظون أقوال «ماو»، ويحاولون بكل طاقتهم أن يظهروا للكبار بأنهم كبروا وصاروا قادرين على أداء كل ما تطلبه الأمة منهم. يخرج الطفل من رعاية الأسرة إلى رعاية الدولة التي تضعه في حضانة الأطفال، توفر له ما هو أساسي، بعدها يدخل المدرسة وهناك سيبدأ في مزاوجة الجهد الذهني بالجهد الجسدي.

​تركز التربية في الصين كثيراً على التربية البدنية؛ فجسدٌ عليل لا يصلح لأمة تريد من مواطنيها أن يكونوا جنوداً مهيئين في كل لحظة لخوض الحرب. ثم إن الامتثال في الرياضة -الذي يفرض على حشد من الأطفال القيام بنفس الحركات بنفس الالتزام والإتقان- يؤدي بالتكرار إلى قتل كل نزوع فرداني، كما يؤدي إلى امتثال ذهني. لا يبقى طفل خارج المدرسة، ولو لم تفرض اللجان المحلية للحزب الشيوعي ذلك؛ فالمجتمع الصيني يتشدد في النظر بتحقير شديد لمن لم يدخل المدرسة، والطفل الذي لا يذهب للقسم يكون بمثابة عار على نفسه وعلى عائلته.

​لا تعير المدرسة الصينية كبير اهتمام للتفوق؛ إنها ليست مدرسة انتقائية تمجد الناجحين، كما أنها ليست مدرسة في خدمة المعامل وفضاءات الإنتاج، ولا تنشغل بتخريج الأطر وتقديمها في طبق من ذهب للرأسمال. المدرسة الصينية ليست مدرسة تلقين، وإنما مدرسة تربية، وتثقيف، وتهذيب وتأهيل سياسي واجتماعي؛ فهي تريد جيلاً متفوقاً وليس أفراداً متفوقين، لذلك بنيت على تقديم مساواة كاملة لكل الأطفال في شروط التعلم. إنها مدرسة أخلاق وقيم، تُعد الأطفال لحياة عليها أن تكون في خدمة الوطن.

​تتشدد المدرسة الصينية في قضايا الغش والكذب والسرقة والتهاون في أداء الواجب، كما تعمل على غرس خصال التواضع ونكران الذات وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية. لا تعبد المدرسة الصينية القِسم، ولا تجعل منه محراب تلقين وتكوين؛ فما يراه الطفل ويجربه في الخارج أهم مما يُعطى له في القسم؛ فالعمل اليدوي والتكوين الأيديولوجي في نظر «ماو» يجعلان من المدرسة أم المجتمع، وبها ومن خلالها يمكن تثوير المجتمع ككل؛ فالطفل الذي يتلقى تعليماً وتكويناً سياسياً متيناً سينقله إلى والديه. قال أحد كوادر الحزب الشيوعي لآلان بايروفيت: «التكوين الثقافي أقل أهمية من التكوين الجسدي والتكوين على المواطنة؛ التلميذ سيصير عاملاً جيداً، فلاحاً جيداً، إطاراً جيداً، إن كان قبل ذلك مواطناً جيداً، ولكي تكون مواطناً جيداً، عليك أن تكون جندياً جيداً، ولكي تكون جندياً جيداً، عليك أن تكون صلباً».

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى