حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةتقارير

عبد الكريم جويطي كرة القدم كما لعبتها وشاهدتها :الواصف

سبق تاريخ كرة القدم بزمن طويل وصف المقابلات، فمع تطور الاهتمام بالكرة لم يعد ما يجري في مقابلة يعني فقط الجمهور الحاضر في الملعب، بل صار يهم جمهورا عريضا يوجد خارج الملعب، في المدينة نفسها، أو في الدولة نفسها أو حتى خارجها في الدول الأخرى.

ناضلت كرة القدم طويلا لتصير خبرا يزاحم أخبار السياسة، والحروب والأحداث الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، ولم تقنع بذلك، فبما أنها بنت جمهورها، فقد فرضت على الإذاعات، منذ سنة 1927، نقل المقابلات مباشرة، وهنا ظهرت مهنة الواصف، التي كان يقوم بها في البداية لاعبون سابقون، يعرفون جيدا اللعبة وكل ما يرتبط بها، وبعد الإذاعة ستجد كرة القدم في التلفزيون أكبر معين لها لتتحول إلى اللعبة الأولى في العالم.

مهنة واصف مزيج من عمل الصحافي، وعمل المحلل التقني، وعمل مؤرخ الكرة، وهي أيضا مزيج بين روح المراقب الموضوعي وروح المشجع المتحمس، وككل خطاب يصف شيئا مرئيا، ويتحدث لغة يندس وسطها ثقب الذات، وككل وصف يكون فيه ما يقال محكوما بوجهة النظر، يصعب، بل يستحيل أن تجد وصفا موضوعيا لمقابلة، لهذا يمجد الجمهور الواصف ويلعنه، كما يفعل مع الحكم، فكرة القدم مجال محفوظ للأهواء والانتماءات المغلقة والعمياء.

هناك مناطق جغرافية للوصف الرياضي، الوصف الأوروبي البارد، بانفلاتات عاطفية وحماسية محسوبة، وصف يحترم ذكاء وانتماء المشاهد، وتحس بأنه يميل لتنسيب ما تراه وإبقائه في حدود اللعبة. والوصف الأمريكي اللاتيني الحماسي والمليء بالصراخ، يحسسك هذا الوصف بأن الكرة قضية حياة أو موت، وأن المصائر كلها متعلقة بقدم وجلدة منفوخة. والوصف العربي بكل قدرات العربي على الصراخ، وعلى الانفلاتات البلاغية المجنحة، وصف يبعث الموتى، ويستحضر الشهداء ويتم فيه التذكير بكل المعارك التي شهدتها الأمة، منذ داحس والغبراء وحرب البسوس، صراخ طويل فيه هذيان حول الكرة والعزة والكرامة الوطنية، وصف يشوش، في كثير من الأحيان، على ما تراه، هناك مناطق جغرافية للوصف، وهناك تجربتنا الوطنية في الآحاد الكئيبة مع وصف مقابلات البطولة الوطنية، أيام الملاعب المصابة بالجرب، والتصوير البدائي واللعب المتثائب الذي يقتل بالمرارة والضجر، الوصف الذي تقال فيه مرات عديدة: «لا بأس أن نعيد عليكم تشكيلة الفريقين، لا بأس أن نذكركم بترتيب البطولة..»، فبما أن لا شيء يحدث في المقابلة، تصير كل ثرثرة فوقها مقبولة، وصف: «غابة من الأرجل، والقطار المكوكي، وأصيب في الركبة على مستوى الكاحل، رجل يلعب برئتين، مقابلة لا تقبل القسمة على اثنين..»، صيغ لفرط ما سمعناها، صرنا نرددها عن ظهر قلب، فما رأيناه رأيناه مرارا، وما سمعناه لا مفر لنا من أن نسمعه، كأنها نفس المقابلة تعاد إلى ما لا نهاية.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى