حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

اقتطاع من ميزانية السادة «المندوبين»

يونس جنوحي

 

ليس جديدا أن ترتفع مطالب تخصيص ميزانيات أكبر للبحث العلمي في المغرب، ولم يعد سرا أن الأبحاث والدراسات غالبا ما تتم بمجهود فردي للباحث، وإذا كُلل البحث بالنجاح نادرا ما يتم الانتباه له وسط «جوقة» العبث، وإذا لم يُكتب لصاحبه أن يصل إلى نتيجة، فلا أحد علم أصلا بـ«مأساة» الباحث.

معاناة الباحثين المغاربة تبدأ منذ زمن الدراسة، وتتطور بعد التخرج؛ يبدؤون بالبحث بأنفسهم عن الضفادع والقوارض والعينات من الطبيعة، لـ«إحياء» حصص المواد العلمية. وبعد التخرج، يتعين عليهم الاقتطاع من مصروف الجيب لتأمين أساسيات البحث العلمي.

وعادة ما تبرز أسماء هؤلاء الباحثين، بعد أن تتبناهم مراكز بحثية دولية، ويتم تعيينهم رؤساء لفرق البحث متعددة الجنسيات، أو عندما يتوصلون فعليا إلى نتائج أو اكتشافات علمية غير مسبوقة. ويهتف الجميع بحياة «النبوغ المغربي» الذي لم يلتفت إليه أحد عندما كان محليا.

الباحثون في العلوم الإنسانية أيضا يكابدون، وهم الأكثر تضررا، في سبيل الوصول إلى الحقيقة العلمية. تصوروا أن أستاذا جامعيا يؤدي من جيبه مصاريف السفر إلى دولة أوروبية، ويعبئ استمارات مواعد زيارة المكتبات والأرشيف الرسمي، ويضطر إلى التقشف في ميزانية الوجبات اليومية، لكي يؤدي رسوم ولوج الخزانات والتنقل بين العواصم الأوروبية، حتى يصل في النهاية إلى وثائق تتعلق بالذاكرة الرسمية، وأحيانا بقضايا مصيرية مثل قضية الصحراء المغربية.

هناك باحثون مغاربة اشتغلوا في السلك الدبلوماسي، فحولوا مقامهم الرسمي في دول أجنبية إلى فرصة للبحث العلمي. وهو ما وقع للدكتور والمؤرخ عبد الهادي التازي، الذي حوّل وقت راحته في السفارة إلى حصص صارمة للتنقيب في آلاف الوثائق، وأصدر بعد ذلك موسوعته «التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليوم». لو أن السيد التازي، مثلا، لم يكن سفيرا ولم يشتغل في السلك الدبلوماسي، لربما اضطر إلى بيع بيت العائلة لكي يغطي مصاريف التنقل بين المكتبات الوطنية في العواصم الأوروبية شرق القارة وغربها، ليصل إلى النسخ الأصلية لرسائل الملوك المغاربة إلى ملوك أوروبا على امتداد أكثر من أربعة قرون.

غير أن باحثين مغاربة آخرين لم يكن لهم حظ مؤرخ المملكة الأسبق، فعاشوا مآسي محاولات العيش بأجرة التقاعد، بعد أن أنفقوا راتبهم الشهري في السبعينيات والثمانينيات على إنجاز أبحاث في التاريخ السياسي والدبلوماسي للمغرب، نشروها بشق الأنفس في دوريات علمية لم يعد يذكرها أحد الآن!

وقصص هذه المجلات والدوريات هي الأخرى تحتاج إلى من ينقب في أرشيفها للعثور على ما لم يُنشر من أبحاث تاريخية مهمة.

هناك حرب لم تعد خافية، ضد الذاكرة الجماعية للمغاربة، تتجاوز مناوشات الكرة وتوتر أسلاك الاتصال. هذه الحرب تتعلق أساسا بمغالطات البحث العلمي. فالولوج إلى منصة التعليم العالي الجزائرية، مثلا، يتيح معرفة البحوث الجامعية المتعلقة بتاريخ المقاومة وجيش التحرير في المغرب والجزائر، وسوف تلاحظون فورا أن طلبة باحثين من الجزائر أنجزوا أطروحات في الدراسات العليا عن تاريخ المغرب. أطروحة توثق المغالطات عن مغرب ما قبل الحماية وتزور التاريخ، وأطروحة أخرى تفتري على جيش التحرير المغربي، دون أسس علمية. كلام «علمي» لا وجود فيه للوثيقة ولا للشهادة الشفهية.. ورغم ذلك ترعاه جامعة وطنية وتنشره في المنصة لكي يراه العالم.

هناك طريقة وحيدة فقط لمواجهة هذا العبث.. البدء فورا في تخصيص ميزانية محترمة للبحث العلمي، حتى لو اضطررنا «لا سمح الله» لاقتطاعها من تعويض تنقل السادة المندوبين ورؤساء الأقسام من سكنهم الوظيفي إلى مقر الوزارة، ليطالعوا الجرائد.. وليعتبروا الأمر تضحية ليس من أجلنا نحنُ، ولكن من أجل الوطن.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى