
يونس جنوحي
عندما اعتمد السلطان المولى إسماعيل على عبد الله ابن عائشة ليكون سفيرا له إلى فرنسا، في إطار مهمة رسمية، فوجئ الفرنسيون والإسبان بهذا الاسم بحكم أنه كان مسجلا لديهم على اعتبار أنه «قرصان خطير».. وأحد أهم «رياس» البحر الذين يتعين على البحارة الأوروبيين اتخاذ الاحتياطات اللازمة تجنبا لمصادفتهم في مياه المحيط الأطلسي سنة 1864.
المثير أن الوثائق الفرنسية تسجل اسم البحار -القرصان- عبد الله ابن عائشة، واسم ابنه أيضا، في لائحة الأسماء الخطيرة، سنة 1687. وكان عمر ابن عائشة وقتها، بحسب المصادر الفرنسية دائما، قد تجاوز الأربعين.
في العام 1699، أصبح البحار عبد الله ابن عائشة دبلوماسيا. وقصة اعتماده تستحق فعلا أن تُروى..
وهناك مصادر فرنسية تؤكد أن عبد الله ابن عائشة اعتُمد قبل هذا التاريخ بفترة قصيرة، وأن زيارته الرسمية إلى فرنسا لم تكن الأولى، وإنما الثانية.
أما المهمة الأولى فتتعلق باستدعاء رسمي إلى مكناس.. ولم يكن عبد الله ابن عائشة يعلم أن الذي ينتظره هو السلطان مولاي إسماعيل.. وحتى لو تسربت الأخبار التي تفيد بأن السلطان أرسل فعلا في طلبه، فإن اعتماده سفيرا للمغرب إلى فرنسا، لم يكن ليخطر على باله نهائيا.
لكن حكمة المولى إسماعيل وحسه الاستباقي رأيا في شخصية ابن عائشة ما لم يره أحد في ذلك الوقت، خصوصا وأن المولى إسماعيل كان يريد إنهاء الخلاف مع فرنسا بشأن الأسرى، والصراع البحري ووقف شكايات تعرض السفن الأوروبية للقرصنة في السواحل المغربية.
كان الملك لويس الرابع عشر مستعدا لتقديم التنازلات، لأن الجهاد البحري المغربي وقتها كان في أقوى مراحله، وفشلت دول أوروبا مجتمعة في التصدي له. وكان السلطان المولى إسماعيل يُدرك أن لويس الرابع عشر يبحث لنفسه عن حظوة في أوروبا، ولن يضيع فرصة إبرام الصلح مع سلطان المغرب، ليثبت لجيرانه الأوروبيين أن مكانته الإقليمية محفوظة.
كانت تتوفر في شخصية ابن عائشة كل العناصر التي احتاجها السلطان لاستفزاز الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، وفرض الصلح على الطريقة المغربية!
فرنسا، وقتها، كانت سباقة إلى إرسال سفير إلى المولى إسماعيل، لإبرام الصلح.. في حين أن السلطان أراد إظهار حسن نية تجار فرنسا، لكنه كان يريد، في الوقت نفسه، أن يُظهر لهم أيضا «بأس الإيالة الشريفة»، ولم يكن هناك أنسب من عبد الله ابن عائشة لتصل الرسالة.
ونجح ابن عائشة في مهمته، وكتبت الصحف الفرنسية عن شخصيته سلسلة من المقالات.. وراج وقتها في الصحف أن البحار ابن عائشة كان معتدا بنفسه، بل و«مغرورا»، وأنه لم يظهر الاحترام الكافي لشخص الملك لويس الرابع عشر.
زيارة ابن عائشة إلى فرنسا تلتها مباشرة أكبر حملة لإطلاق سراح الأسرى بين المغرب وفرنسا. فقد أطلق السلطان المولى إسماعيل سراح مئات الأسرى الفرنسيين، نساء ورجالا، كانوا قد عملوا في بناء قصر مكناس.. وعادوا إلى فرنسا لكي يرووا حكاية وقوعهم في الأسر قرب سلا والرباط، وكيف نُقلوا إلى مكناس للعمل الشاق في بناء قصر المولى إسماعيل، ومنهم من اعتنق الإسلام وبقي في المغرب، ومنهم من بقوا على دينهم، واختاروا العودة إلى فرنسا..
في المقابل، أطلقت فرنسا سراح أسرى مغاربة كانوا وقعوا في الأسر، ولم يكونوا تجارا وإنما كانوا حجاجا مغاربة في طريقهم إلى الحج، قبل أن يجرف التيار السفينة التي كانت تُقلهم في البحر المتوسط، وتعترضها سفينة فرنسية أخذتهم أسرى، وبقوا في سجون لويس الرابع عشر المظلمة لأكثر من عشر سنوات..
كان إطلاق سراح هؤلاء الحجاج انتصارا للمولى إسماعيل، وساهم في إحاطة اسم السفير عبد الله ابن عائشة بهالة من التقدير.. خصوصا وأن ابنه الأكبر وقتها كان لا يزال يمارس نشاط والده البحري الذي صار دبلوماسيا.
أرشيف المراسلات يشهد أن عبد الله ابن عائشة راسل السلطان من فرنسا، خلال تلك الزيارة، وأفضى له بما دار بينه والملك لويس الرابع عشر، وكان خبر نجاح المهمة وصل إلى القصر الملكي في مكناس، قبل أن يركب ابن عائشة البحر.
فهل طُويت مرحلة الجهاد البحري المغربي على إثر زيارة ابن عائشة إلى قصر «فيرساي»؟
الأحداث أظهرت أن الجهاد البحري عاد إلى أوج نشاطه لاحقا.. لكن بعد هدنة مؤقتة بين السلطان المولى إسماعيل ولويس الرابع عشر.
أما الزيارة الأشهر إلى فرنسا، فكانت تلك التي وثق لها أرشيف السلطان المولى إسماعيل، وأرشيف فرنسا الرسمي أيضا. وهي الزيارة التي تعود إلى سنة 1699.
في اليوم الخامس من شهر فبراير 1699، وصل ابن عائشة إلى فرنسا في زيارة رسمية موثقة بدقة. والسبب أن الفرنسيين صُدموا عندما عرفوا تفاصيل المهمة الدبلوماسية التي جاء ابن عائشة بشأنها.. لم يكن أحد يعلم سرها في البداية سوى المولى إسماعيل.. وسفيره «العجيب»، أو «البّيراط» كما كان يلقبه الفرنسيون في مراسلاتهم!





