عملية 29 شتنبر 1955 المنسية.. الحداوي والمزابي بطلا آخر مواجهة مسلحة قبل الاستقلال

يونس جنوحي
«يوم 29 شتنبر 1955.. سيدي معروف في الدار البيضاء.
آخر من سُمح لهم بالتجول في الشارع قرب الدار التي يطوقها البوليس الفرنسي رأوا فرقة خاصة لم يروها من قبل، أفرادها يشهرون أسلحتهم في الهواء، ويضعون خوذات وكأنهم مشاركون في حرب حقيقية..
كان الهدف تطويق دار صغيرة في منطقة سيدي معروف، يوجد داخلها اثنان من أفراد المقاومة المسلحة وهما محمد الحداوي، وحجاج المزابي..
انطلق الرصاص، ودامت المعركة فترة توقع خلالها مسؤولو البوليس الفرنسي أن يكون الأمر يتعلق بتنظيم سري متكامل يقاوم حتى آخر نَفس، وليس مقاومين محاصرين..
النتيجة كانت استشهاد الحداوي والمزابي.. هذا الأخير كان لا يزال يتنفس، عندما اقتحم أفراد القوة الخاصة التي نفذت العملية الدار.. وأمر المسؤولون الفرنسيون بإنعاشه، للتحقيق معه والظفر بمعلومات عن العمليات المخطط لها في الدار البيضاء.. لكن المزابي استُشهد، ليغلق ملف مخطط بدأه الفرنسيون لأشهر، وزعوا خلالها المناشير ورصدوا المكافآت لمن يأتي بخبر عن الحداوي والمزابي ومن ارتبط بالتنظيم السري..
اعتمدنا في هذا الملف ذكريات المقاوم البخاري محمد السكوري التي سجلها، قبل عشرين سنة، بخصوص المقاوم محمد الحداوي ومعركة سيدي معروف المنسية يوم 29 شتنبر 1955، التي أصابته شظاياها وتداعياتها. السكوري عنون ذكرياته: «الشهيد محمد الحداوي.. نبش معمق في سيرته الذاتية».
يونس جنوحي
++++++++++++++++++++++++++++++++
الترقب الذي سبق واحدة من أشهر العمليات المسلحة في الدار البيضاء..
لم يُسجل في تاريخ المقاومة المغربية ضد البوليس الفرنسي، أن شُن اشتباك مسلح طُوق خلاله مقاومون، أعنف من هذا الذي دار في منطقة سيدي معروف.. وحتى عندما انتهت المعركة وانكشفت تفاصيلها، اتضح للبوليس الفرنسي أنهم شنوا معركة غير متكافئة استعملوا خلالها قوات غير مبررة.. وهو ما تسبب في إحراج للمسؤولين الأمنيين الفرنسيين. فقد كانوا يتوقعون أن يكون المنزل المُطوق الذي كان مسرحا لعملية 29 شتنبر 1955 في سيدي معروف، ملجأ تنام فيه خلية سرية كاملة.. لكن الأمر لم يكن يتعلق سوى بمقاومين اثنين هما محمد الحداوي، وحجاج المزابي.. قاتلا إلى آخر رمق وجعلا صوت الرصاص يملأ الأجواء.
يحكي المقاوم البخاري السكوري الذي رافق الحداوي ردحا من حياته وواكب معه أنشطته السرية، وعاش معه تجربة السجن والتعذيب:
«إن الشهيد محمد الحداوي كان أنيق المظهر في هندامه بقدر يفوق الحاجة، بحيث كان من عشاق ارتداء المعاطف الجلدية ذات التصميم المتميز ««Jaquette de cuire، عندما انتشر خبر الشهيد محمد الحداوي لدى البوليس المركزي بالدار البيضاء، وذلك على إثر رسالة التهديد المعروفة.. جند البوليس أعوانه من جميع الفصائل التحسسية للبحث عنه وتعقب خطاه، فغادر الشهيد… منزل أبويه الكائن بدرب «ملوية» بحي الإسبان المعروف آنذاك بهذا الاسم ولم يعد يزوره على الإطلاق نظرا إلى البيادق الوشاة، الذين جندوا لمراقبته واقتفاء أثره ليل نهار. بل كان يتنكر داخل الدار البيضاء في تنقله بالزي النسوي، وكان بحق يتقن ذلك التنكر (بالجلباب النسوي والنقاب والشربيل)، وكان لا ينتهي به المطاف ليلا في مكان واحد، إذ كان يغير الترحال للمبيت عن كل ليلة، تجنبا للمتابعة المستمرة، الأمر الذي جعله يبتعد عن الرفاق ما أمكن وتجنب الأماكن التي كان يتردد عليها من قبل، وأشير في هذا الصدد إلى أن منزل (بّا السكوري الجزار) قد سبق أن احتضنه للمبيت مرتين، وهو في حالة التنكر بلباسه النسوي.
إن أحد الأذناب الوشاة المدعو محليا بـ«اشليحا» قد أخبر الشرطة الاستعمارية الموجودة بالمفوضية السابعة بالحي السلطاني، والتي كان مقرها الأول بجوار القصر الملكي أن من يسمى محمد الحداوي المبحوث عنه، قد رآه يتجول داخل حي البغاء المعروف (ببوسبير)، وهو يرتدي تنكرا جلبابا صوفيا وعلى رأسه طاقية مزركشة، حين ذلك قامت الشرطة المتلقية للخبر بنشاط محموم وبحملة مسعورة داخل وخارج هذا المكان وهي تتفحص الداخل والخارج منه فحصا دقيقا، إلا أنها باءت بالفشل الذريع في إلقاء القبض عليه، حيث سرب خبر الوشاية هذه أحد الشرطيين السريين المغاربة، الذي كان يتعامل في الخفاء مع الإخوة المقاومين لإفادتهم بالأخبار المسربة التي تتعلق بأمنهم وبتحركاتهم من داخل شرطة المستعمر. وهذا الشرطي السري يسمى سي الرداد، وهو أخ المقاوم محمد البوعزاوي، وكان وطنيا مخلصا وفي الوقت نفسه يعطف على حزب الاستقلال والوطنيين، لأن أخاه المذكور كان كاتبا لجماعة حزب الاستقلال المعروفة بجماعة 14 بحي الإسبان، حيث أشعر محمد الحداوي بالخبر عن طريق خاله سي العربي السكوري، فاحتاط لذلك كامل الاحتياط بالابتعاد عن ذلك المكان المراقب باستنفار ملحوظ، فجن جنون السلطة المحلية، الأمر الذي دفع بها إلى تطبيق خطة ثانية، وهي المكافأة التحفيزية، وذلك بإعلانها عن طريق مناشير مكتوبة بالعربية والفرنسية وملقاة جوا بواسطة مروحية: أن من أخبرهم بمكان وجود هذا المبحوث عنه، أو ألقى القبض عليه، سيفوز بمكافأة مالية تصل قيمتها إلى مليوني فرنك، بيد أن هذه الخطة باءت هي الأخرى بالفشل الذريع».
كيف تطورت الأحداث إذن إلى أن شُنت المعركة الشهيرة -المنسية-؟
عملية مُسلحة نُسيت تفاصيها وأبطالها.. وفاقت في تفاصيلها مشاهد «هوليوود»
دار عتيقة، لا تختلف في شيء عن منازل مدينة الدار البيضاء الشعبية في خمسينيات القرن الماضي. جدران سميكة بيضاء، لكنها لم تمنع أعين المخبرين من رصد وجود الحداوي ورفيقه المزابي.. وعندما وصل الخبر يوم 29 شتنبر 1955 إلى مسؤولي البوليس الفرنسي قرروا ببساطة أن يطوقوا الدار، ويلجؤوا إلى القوات الخاصة لتطويقها وإطلاق الرصاص على من فيها.. كان المخطط واضحا: إخلاء المنطقة وتطويق الدار من كل الجوانب، ومنع تسلل أي أحد إلى الزقاق الخلفي.
حدث اشتباك مسلح، وتبادل لإطلاق النار.. كانت العملية في حينها واحدة من الملاحم التي خاضتها أسرة المقاومة ضد الحماية الفرنسية. لكن بعد الاستقلال، أحاطت بالعملية حساسيات كثيرة لارتباطها التنظيم السري الذي أزعج «أرشيفه» بعض الأوساط، في إطار صراع الأجنحة بين قدماء المقاومة. حتى أن بعض الذين تحدثت إليهم «الأخبار» في الموضوع، علق ساخرا: «لقد كان الله رحيما بكل من حجاج المزابي وسي محمد الحداوي، لأنهما رحلا في قمة مجدهما ولم يعيشا لكي يريا آخرين بعد الاستقلال يدعون بكل وقاحة إلى تنفيذ عمليات مسلحة أو المشاركة فيها، علما أن الذين نفذوها بالفعل اختاروا الصمت والابتعاد عن الأضواء. الاستشهاد أعظم من العيش بغصة، بسبب الادعاءات ورؤية من يسرقون أمجاد غيرهم وينسبونها إلى أنفسهم».
تفصّل مصدرنا في هذا الملف، وهو أرشيف المقاوم الراحل محمد البخاري السكوري، رفيق الحداوي محمد المشارك في اشتباك سيدي معروف، أو «معركة سيدي معروف»، وتناول جوانب من حياة هذا المقاوم، ولحظة معرفته بخبر استشهاد رفيقه ويقول إنه علم بالخبر في قلب كوميسارية المعاريف الشهيرة في الدار البيضاء، لأنه كان معتقلا من طرف البوليس الفرنسي، وجاء المقاوم الكبير الحاج العربي السامي، الذي اعتقل هو الآخر لتوه، ونقل إليه الخبر في قلب الزنزانة.
كان البوليس الفرنسي قد جاء أيضا بزوجة المزابي الذي استُشهد قبل ساعات فقط، ولم يكن قد مضت على «عملية سيدي معروف» سوى ساعات قليلة، وكان الغرض من اعتقالها، معرفة تفاصيل عن مخطط زوجها ورفيقه الحداوي.. لكنه لم يذكر تفاصيل وافية عن شريك الحداوي في العملية، وهو المقاوم حجاج المزابي.
بالمقابل، نشر حصريا صورة لهذا المقاوم، الذي جاءت زوجته وابنته الصغيرة يوم استشهاده في 29 شتنبر 1955، لكي تريا معا جثمان رب الأسرة الشهيد، وقد اخترقه الرصاص.. كان المزابي قد اختار القتال في آخر لحظة في حياته، بعد أن طوق البوليس الفرنسي الدار التي كان يختبئ الاثنان داخلها.. بالنسبة إلى البوليس الفرنسي، كان الأمر يتعلق بمطلوبين خطيرين وجب اعتقالهما، أو التخلص منهما نهائيا. ماذا وقع إذن خلال ذلك اليوم المشهود؟
++++++++++++++++++++++++++++++++
ذكريات من زمن سجن اغبيلة حيث جرت جرائم الحماية وولد جيل مهندسي حرب العصابات
يحكي المقاوم محمد البخاري السكوري عن فترة اعتقاله مع الشهيد محمد الحداوي، والتي جاءت في سياق أحداث 1952.. هذه الأحداث، ساهمت بشكل كبير في شحن أفواج من الوطنيين لكي يباشروا العمل المسلح ضد الوجود الفرنسي في المغرب.
سجل البخاري السكوري في هذه السطور مرحلة الاعتقال:
«إبان فترة الاعتقال السياسي (30 مارس 1952) وبداخل سجن اغبيلة المدني بالدار البيضاء كان الشهيد محمد الحداوي والبخاري محمد السكوري – وفي نطاق الأشغال المركزية داخل السجنtravaux en regie ، وهي أشغال جبرية للاستغلال تفرض على المعتقلين الذين هم في حالة الاعتقال النظري ينتظرون صدور الأحكام الابتدائية ضدهمprevenus» »، كان يذهب بهما للاشتغال بأوراش البناء وذلك تحت سلطة أحد السجناء المحكوم عليه بالمؤبد يسمى أحمد العبدي، وهو بناء ماهر ضخم البنية بعضلاته المفتولة، وكان يقوم ببناء جناح خاص للأطفال وسط هذا السجن، حيث كان يشرف على هندسة ومراقبة هذا الجناح أحد الجنود الألمان وهو من السجناء المعتقلين في الحرب العالمية الثانية، والشغل الذي أسند لهما بالورشة المذكورة، هو معالجة القضبان الحديدية التي تدخل في تشكيل قوالب التدعيم لأسس البناية، وهي مشبكة ومتوازية السطوح، حيث هذا العمل يدخل في صناعة الفرايور «Férailleur». إذ كان الشهيد الحداوي وبفضوله المألوف يحاول معرفة بعض الكلمات الألمانية من هذا السجين الألماني، والتحدث بها بركاكة، وذلك بمساعدة أحد الإخوان من المعتقلين السياسيين ويسمى أبو بكر الصحراوي، حيث يمتهن تجارة البازارات بباب الكبير بالمدينة القديمة بالدار البيضاء، ويتقن جيدا التحدث بالألمانية، مما جعل الشهيد محمد الحداوي بهذا الاحتكاك الفضولي يتعرف على عدة كلمات ألمانية، وكان يكتبها بالعربية للاحتفاظ بها مستقبلا.
محمد الحداوي هذا داخل هذا السجن.. وفي فترة حصة الاستحمام المائي المخصص للسجناء السياسيين، والذي كان يشرف على تسخينه أحد السجناء السياسيين من الحزب الشيوعي المغربي والمدعو بلماضي.. وهو من مجموعة المعتقلين الذين أوتي بهم من مدينة بني ملال إلى هذا السجن وملفهم يتعلق بالقضية المعروفة «ببوغابة»، وبطلها أحمد الحنصالي ومحمد اسميحة، الأول حكم بالإعدام والثاني مات داخل هذا السجن بالمرض… وهي مجموعة تضم من بينها كذلك سياسيين ملاليي الأصل تابعين لحزب الاستقلال، ومن بينهم المرحوم أحمد بوزين الذي كان مديرا للديوان الملكي في فجر الاستقلال، وبالضبط في سنة 1958، وهو من حزب الاستقلال وكان مترجما بالإدارة… إذ كان محمد الحداوي يتصل آنذاك داخل قاعة الاستحمام بهؤلاء الإخوان مباشرة ويطمئنهم، بل ويشجعهم قائلا لهم : نحن معكم في السراء والضراء. وكان محبوبا جدا لدى الجميع وبالخصوص الأخ أحمد بوزين الذي كان يرى فيه ذلك الشاب الذكي واللبق، حيث كان يسأل عنه كثيرا، وينشرح محياه لرؤيته والتحدث معه سياسيا.
كان محمد الحداوي من المعتقلين الذين اشتغلوا بمعسكر حي (بورنازيل) آنذاك، رفقة صديقه البخاري محمد السكوري، وذلك ضمن الأشغال الخاصة بتفكيك ألواح البراريك الخشبية خضراء اللون، والتي أقيمت من طرف الجيوش الأمريكية إبان وجودها بالدار البيضاء عقب الحرب العالمية الثانية، وكانت هذه الوحدات السكنية خاصة بالثكنة العسكرية المؤقتة التي أقيم تأسيسها على عجل، حيث ستبنى في أماكنها بنايات أسمنتية بعد ذلك، إذ كانت الأشغال فيها شاقة جدا بالنسبة إلى سن اليافعين الذين لا يطيقون مثل هذه الأشغال المتعبة، ومن أجل تفادي هذه الأشغال التي لا تحتمل بالنسبة إلى صغار السن، تدخلت اللجنة المشرفة على رعاية السجين السياسي التابعة لحزب الاستقلال بالدار البيضاء، باتصالاتها الخاصة مع المشرفين على عملية التعيين للشغل في إطار الاعتقالtachement بمديرية السجن المدني هناك، وذلك كي يتغير التعيين إلى مكان آخر يكون مناسبا للأطفال واليافعين، والذي لا توجد فيه متاعب شاقة، فانتقل محمد الحداوي صحبة رفيقه البخاري محمد إلى الأشغال داخل القصر الملكي بالأحباس بالدار البيضاء، حيث هذه الأشغال تشرف عليها المصلحة البلدية بالدار البيضاء(Service Municipaux)، وهناك كان الاثنان يقومان بصيانة رحاب ملعب كرة المضرب الخاص بالأسرة الملكية، وتتحصر هذه الأشغال في سقي العشب المصطنع لأرضية الملعب بالماء بواسطة مضخة خاصة تشغل بمحرك دافع للمياه الباطنية، وكذلك تنقية جوانب الملعب من الأعشاب الطفيلية، وكانا كذلك بقومان بجمع كرات الشيس الطائشة، عندما كان صاحب الجلالة محمد الخامس يمارس هذه اللعبة مع المسمى سي العربي، الذي كان مسكنه بنفس القصر مع عائلته قصد رعاية هذا الجناح من القصر، وكان هذا الرجل طيب الأخلاق، محبا للناس السياسيين، حيث كان يشفق على هذين السجينين بكيفية رعاية الأب لأبنائه، وكان يطعمهما من بيته الخاص. ومما يجدر ذكره أن محمد الحداوي ومحمد السكوري.. كانا ينعمان بتقبيل اليد الكريمة للملك محمد الخامس، الذي كان يمسح على رأسيهما بحنان متميز ويحفهما بعبارات التشجيع والتنويه، قائلا لهما بالحرف الواحد: «أوصيكم بالصبر يا أبنائي، ففرج الله قريب، ونحن نفتخر بأمثالكم».
اليوم الذي كان مشهودا في «سيدي معروف»..
هذه شهادة السكوري، رفيق محمد الحداوي الذي خاض الاشتباك المسلح مع الشرطة الفرنسية في سيدي معروف، في التاسع والعشرين من شتنبر 1955 مع رفيقه حجاج المزابي: «أعلنت حالة الاستنفار والترقب لدى جهاز شرطة القمع بفصائلها المختلفة داخل المفوضية المركزية بالمعاريف. ولم يكن السبب في ذلك، إلا تلك الوشاية الرخيصة التي وصلت على استعجال للعميد المسمى «مسيوابريدا» الذي كان على رأس لبريكاد الأولى لمكافحة الإرهاب، كما يقال في تلك الظروف.. وأي وشاية هذه يا ترى التي زرعت الرعب في قلوب المترقبين للأحداث؟ إنها بالطبع إشارة لهدي الطريق الذي كان محفوفا بالأخطار على من أراد المسير حثيثا للوصول إلى الهدف المنشود، بل إنه خبر العثور على وكنة الطائر الجارح العملاق الذي كان محررا من القفص الحديدي، الأمر الذي يتحتم معه على الصائد اللهفان أن يتأهب لاقتناص ما ضاع منه بالأمس المشؤوم… وكذا لإحكام قبضة الحصار عليه وبشتى الوسائل الضرورية، حتى لا ينفلت من جديد لعشاق اصطياد الطيور الجارحة ذات المخالب الضارية، ويجب كذلك التأهب ما أمكن لمواجهة الطوارئ المحتملة، وأخذ كامل الحيطة من خطر مخالبه المخيفة التي سوف يستعملها في الهجوم وقت المطاردة الجماعية. إن الطائر الذي يرومون اقتناصه لم يكن إلا ذلك الشهيد البطل محمد بن الجيلالي الحداوي، هذا الذي أهدروا الأموال الطائلة من أجل القبض عليه إن حيا أو ميتا، حيث وزعوا بالتحويم الجوي في سماء الدار البيضاء والنواحي تقاطيع ورقية مكتوبة بالعرف العربي والفرنسي، لتحفيز الطامعين العملاء بهبات مالية ذات اعتبار لكل من تمكن من العثور على مخبئه. وقد تحقق لهم ذلك بالفعل في ليلة الخميس 29 شتنبر 1955، وذلك بعدما جهزوا جحافل من السيارات المصفحة، شاحنات عسكرية تنأى بحمل الجنود من الكوم و«لاليجو» ومن بوليس التدخل السريع أصحاب القلنصوة الزرقاء والكل مدجج بالرشاشات وبنادق الموسكوطو ذات الخراطيش مخروطة الرأس برفاعة متناهية الدقة، حيث أخذوا اتجاها واحدا معينا لهم بكل دقة من مخبر حقير يرافقهم تحت عناية فائقة. فكانت أضواء المقطورات تتراقص وسط ظلمة حالكة في تلك الليلة الليلاء، وعلى امتداد شارع السويس «الفداء حاليا» صوب الناحية الجنوبية من المدينة، وبالضبط نحو ناحية سيدي معروف، الحي الشعبي حديث البنيان المعماري وذو الكثافة السكانية المفعمة قلوبهم بالإخلاص والمحبة لله وللوطن وللملك الشرعي محمد الخامس طيب الله ثراه، والذي امتدت يد الغدر إلى حرمته المقدسة، فاختطفته ظلما من قصره العامر، لقد وصلت العصابات الجائرة إلى عين المكان، وأخذت في احتلال السطوح المجاورة لمنزل متواضع البنيان، له طابق علوي، فأحاطته بفيلق من الكوم والجنود، ثم بدأ البوليس في تحطيم الباب الخارجي للمنزل مصوبا أسلحته الجاهزة اتجاه النوافذ والثغور، إذ بعد تحطيم الباب الخارجي أعلنوا بمكبر الصوت: «أن على كل من هو موجود بداخل الدار أن يخرج منها رافعا يديه فوق رأسه وبدون أي مقاومة أو تراشق… وإلا سنشرع في إطلاق النار…»، وزادوا قولا: «… لا سبيل لكم للهروب، فالسطوح جميعها محتلة من طرف البوليس… أتسمعون نداءنا..؟ عليكم إذن أن تنفذوا أوامرنا.. هيا اخرجوا من مخابئكم امرأة كانت أو رجلا.. هيا أسرعوا نحن نحذركم للمرة الأخيرة…».
بعد هنيهة.. ساد فيها سكون رهيب للترقب أعادوا النداء من جديد مرة ثانية فثالثة، ثم رابعة، وحينها… اقتحمت ثلة من البوليس المجهز باللباس الواقي للرصاص من خوذات حديدية وصدريات مصفحة بالفولاذ ومصابيح كاشفة على الجبين، وهنا انطلق الرصاص يدوي ويلعلع بفرقعاته وبوميضه البراق من داخل الدار، وبالضبط من تلك «الضواية» الواسعة ومن مدخل المنزل، حيث الجنود بكثافة، وتبادلت الطلقات بين الطرفين، أي من الهاجم والمهجوم عليه، فأصاب الرصاص مقتل من تجرأ بالدخول وتدحرج الواحد تلو الآخر بالدرج، ليعلن أن هناك حقا طائرا جارحا، بل طائرين جارحين يحسب لهما ألف حساب. واستمر سقوط كل من سولت له نفسه أن يغامر بالدخول إلى عرين الأسود، وطالت المعركة بلهيب النار القاتلة، وأصبح الرعب سيد الموقف، حيث تراجع المغامرون القهقرى خوفا على أرواحهم من الضياع، ومن ضربات من كان معتصما بالمحراب بالجرأة والتحدي، فاستبدل الرصاص الحي إذاك بإشعال القنابل المسيلة للدموع، فعم الدخان الأجواء، وخصوصا بمعقل الدار مكان الاعتصام واختنقت الأنفاس والجفون بفرط الاحتقان المهيج للالتهاب، عندئذ أعادوا الكرة بالهجوم الكاسح على الحصن بالنيران الكثيفة المصوبة من كل اتجاه، إلى أن ساد سكون رهيب محزن داخل الدار… فاقتحموا المكان بعشرات المغامرين، ليجدوا في الأخير أن هناك رجلا مسجيا على ظهره تخترق رأسه رصاصة يتيمة من ذات اليمين، ألا إنه هو الشهيد البطل حجاج المزابي الذي سيبقى اسمه مرصعا في جبين التاريخ… ثم في جناح آخر وجدوا الصقر الجارح المبحوث عنه بالجهد الجهيد، وهو عريس الشهداء محمد بن الجيلالي الحداوي، والذي وجدوه في الرمق الأخير، حيث ستفيض روحه الطاهرة وهو في طريق الاستعجال والإغاثة، عسى أن ينقذوه إنعاشا قصد الاستنطاق الجهنمي، وقصد ما يمكن أخذه منه من معلومات عن الأشبال الذين تركهم وراءه ينتفضون، غير أن مسعاهم هذا خاب باستشهاد هذا البطل المغوار».
تنظيم «الهلال الأسود» السري.. مواد كيماوية ومتفجرات وأرشيف عمليات منقرض
يبقى النشاط السري الذي مارسه محمد الحداوي، ورفيقه المزابي، وآخرون غيرهم، هو ما أجج البوليس السري لكي يضع المنتسبين للتنظيم تحت مجهر المراقبة. ولم تكن عملية «سيدي معروف» المنسية سوى رأس جبل الجليد..
بواسطة المخبرين، تعرف المسؤولون الفرنسيون على المكان الذي يلجأ إليه الحداوي، وتقرر أن يتم اعتقاله والتحقيق معه لاستخراج كل المعلومات التي تتعلق بالعمليات المستقبلية.. لكن الاشتباك انتهى دون أن يظفر المسؤولون الفرنسيون بهذا «الكنز» من المعلومات.
هنا، يذكر البخاري السكوري، الذي رافق الحداوي في «الهلال الأسود»، ويعرف جيدا مهندس المواجهة في سيدي معروف، كواليس التنظيم والعمليات. يقول:
«الشهيد محمد الحداوي قبل أن يشارك في تأسيس منظمة «الهلال الأسود» كان محتضنا من طرف منظمة يد التطهير الفدائية، بل كان من أوائل أعضائها النشيطين، وقد زار الشهيد بالفعل المكان المعروف بالمزرعة بمقطع ولد عائشة مرتين على التوالي، واطلع على المواد الكيماوية الموجودة بداخلها والتي وظفت مبدئيا في صناعة القنابل التقليدية، وهي مواد مبيدة للحشرات الزراعية قابلة للانفجار بتحسسها المفرط للحرارة، إذ يمنع بتاتا وضعها تحت أشعة الشمس، وبلويحات إعلانية مكتوبة بالأحمر بالفرنسية ومنتصبة أرضا بمدخل المستودع (المزرعة) يحذر بها العموم من التدخين داخل هذا المكان، ولو على بعد مسافة محترمة، الأمر الذي يؤكد لنا خطورة انفعالاتها الانشطارية إن صنعت بها المفرقعات المحلية.
إن شهيدنا هذا كان العمود الفقري في تأسيس منظمة الهلال الأسود، نظرا إلى ثقافته المتميزة ولنشاطه السياسي المعروف، وهو الذي أطلق على المنظمة في بزوغها الأول اسم منظمة «شبان الفداء»، قبل أن يعوض ذلك باسم «الهلال الأسود»، حيث إن أول منشور لهذه المنظمة التي ظهرت به قد شاركت في توزيعه وإلصاقه بالجداريات بالمدينة العتيقة بالدار البيضاء منظمة يد التطهير الفدائية، والتي كان محمد الحداوي من قبل واحدا من أعضائها النشيطين، وقد أشرف على توزيع رزمات هذا المنشور الأخ المقاوم المحبوب علال أطال الله في عمره، وهو الآن يقطن ومنذ وظيفته الأمنية بمدينة الجديدة، وذلك بمشاركة صهريه المرحوم حليم محمد المعروف بـ«النجار» وكذا حليم محمود شقيقه الذي يعيش الآن بديار الغربة بفرنسا.
إن منظمة يد التطهير الفدائية زودت «الهلال الأسود» بواسطة الشهيد محمد الحداوي بقنبلتين من الحجم المتوسط ذات الصنع المحلي، والذي استعمل فيهما البارود المجفف التقليدي الممزوج بمسحوق الأمونيوم، حيث كانت المنظمة ذات خبرة خاصة في هذا الميدان وقد أقر بهذا العمل أحد أفراد منظمة «يد التطهير»، إبان اعتقال بعض من أفراد المنظمة على إثر عملية اغتيال الجنديين من فرقة لاليجو «كوتيي وابواد فان»، حسب ملف الاتهام، وهو المقاوم المرحوم فجر عبد الله بن أحمد المعروف بـ«عوج الفم»، وهو اختصاصي في تلحيم أوعية القنابل التقليدية، الأمر الذي أدى بالفرقة الرابعة من الشرطة المركزية بالمعاريف بالدار البيضاء إلى أن تأخذ البخاري محمد السكوري، رئيس المنظمة، وتتجه به إلى منزل الشهيد محمد الحداوي الكائن بزنقة ملوية بحي الإسبان، وذلك في ساعة متأخرة من الليل وتقتحم به المنزل من نافذة الطابق العلوي، حيث المنزل حينئذ كان خاليا من السكان، نظرا إلى مراقبته المستمرة ليل نهار من طرف الأعوان المخبرين، والغرض من ذلك أن يتأكد البوليس من التصريحات المتوفرة عليها، ومفادها أن محمد السكوري رفقة الشهيد محمد الحداوي قد وضعا القنبلتين المصرح بهما داخل برميل مخصص لمواد البناء، الذي يملكه لمعلم الجيلالي أبو الشهيد، والذي كان موجودا بالسطح هناك. إن الغرض من ذكر هذه الواقعة إظهار العلاقة المتينة التي كانت تربط بين المنظمتين سالفتي الذكر آنذاك، خصوصا بين الشهيد محمد الحداوي والبخاري محمد السكوري، لأن أسرار منظمة «الهلال الأسود» قد ذهبت مع من استشهد ومن قتل في الظروف الغامضة كما يسمونها ولم يظهر منها إلا النزر القليل ذو المصداقية، وفي زمن متأخر من الثورة، وهذا مما يؤسف له (ولا أريد التعمق في هذا المجال، لأنني سأثير الحساسيات لدى البعض).
إن الشهيد محمد الحداوي كان له الفضل الجميل في فكرة اختيار الشعار لمنظمة »يد التطهير« الفدائية، هذا الشعار الذي تتجلى دمغته «lampon»في مخمس مثلث الزوايا يرمز إلى الشعار الوطني، أي العلم القومي يتوسطه مسدس صغير الحجم، تعبيرا عن الثورة والمقاومة المسلحة، وهذا الشعار الذي صنع يدويا بأشياء بسيطة جدا ما زال محتفظا به إلى يومنا هذا، وذلك كتراث متحفي للتذكار والتأمل».





