
محمد اليوبي
أشرف عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب سعيد أمزازي، والي جهة سوس ماسة، أول أمس السبت، على تنصيب العامل الجديد على عمالة إنزكان أيت ملول، محمد الزهر، الذي وجد فوق مكتبه ملفات حارقة تتعلق بالفضائح العقارية التي تسببت في إعفاء العامل السابق، إسماعيل أبو الحقوق، ومن المنتظر أن تطيح بمسؤولين ومنتخبين آخرين.
وتكشف وثائق رسمية عن معطيات صادمة بخصوص المسار القانوني والمالي لعقار مخصص لإحداث مؤسسة للتكوين المهني بمدينة إنزكان، حيث جرى تفويته لشركات خاصة بأسعار رمزية في مرحلة أولى، قبل إعادة بيعه بثمن كبير بلغ ستة أضعاف قيمته الأصلية، في عملية أثارت شبهات قوية حول استغلال النفوذ وتضارب المصالح في تدبير الملك العمومي.
وتشير الوثائق إلى أن جماعة إنزكان صادقت بالإجماع، يوم 05 فبراير 2016، على اقتناء العقار الكائن بتجزئة «تغزوت» والبالغة مساحته 4671 مترا مربعا، من أجل إنشاء مرفق عمومي، وهو العقار المرمّز له في وثائق التعمير بـP08 كمرفق عمومي، غير أن شركة العمران، وبعد شهر واحد فقط من هذا القرار، أبرمت بروتوكول اتفاق بتاريخ 03 مارس 2016 مع شركة عقارية يملكها منعش معروف بالإقليم، يقضي بتفويت العقار ضمن صفقة تبادل عقاري، وفي مرحلة لاحقة تم تسجيل عقد بيع نهائي، يوم 05 دجنبر 2017، لفائدة شركة عقارية ثانية مملوكة للمنعش العقاري نفسه بمبلغ 2.335.500 درهم فقط، رغم تخصيصه للمنفعة العامة.
ثم جرت عملية بيع ثانية للعقار ذاته يوم 27 مارس 2023، لفائدة شركة عقارية أخرى في ملكية المنعش العقاري نفسه، بشراكة مع زوجة العامل المعزول، بثمن بلغ 14.013.000 درهم، أي بزيادة تفوق 11.7 مليون درهم، دون أي تجهيز أو تغيير قانوني في وضع العقار، الذي ظل مقيدا ضمن وثائق التعمير كـ«مرفق عمومي»، مما يطرح شبهة استغلال واضح للنفوذ وموقع المسؤولية لخدمة مصالح مالية مرتبطة بعلاقات عائلية مباشرة.
وحسب وثائق رسمية، فإن الشركة المستفيدة من تفويت عقار إنزكان والمملوكة للمنعش العقاري ذاته، كانت طرفا في صفقة عقارية سابقة بمدينة أيت ملول، تتعلق بعقار مخصص لمرفق عمومي جرى تحويله لاحقا إلى مشروع سكني ربحي، وهو ما يتقاطع بشكل واضح مع مسار تفويت عقار التكوين المهني بإنزكان. وتشير السجلات التجارية إلى أن الشركات الثلاث تتبادل الأدوار للحصول على عقارات مخصصة لمرافق عمومية، بغرض تحويلها إلى مشاريع تجارية مربحة، وترتبط هذه الشركات بمالكين وشركاء من نفس الدائرة العائلية.
وتؤكد الوثائق والمعطيات التي تتوفر عليها «الأخبار» أن ما جرى بين مدينتي إنزكان وأيت ملول لم يكن مجرد صدفة، بل خطة متكاملة تم حبك خيوطها في الكواليس للسطو على عقارات مخصصة لإحداث مرافق عمومية، ففي إنزكان، وبعد أن فوتت شركة العمران عقار التكوين المهني لشركة المنعش العقاري المعروف، وجد هذا الأخير نفسه في ورطة، لأن العقار كان مخصصا بمقرر جماعي للتكوين المهني، وأي مسطرة لاحقة لن تمكنه سوى من استرداد مبلغ الاقتناء في إطار نزع الملكية.
وأمام هذه الورطة، بدأ المنعش العقاري يبحث عن مخرج بتواطؤ مع مسؤولين، فكان الحل في مدينة أيت ملول من خلال اقتناء عقار شاسع يتضمن مرافق عمومية (مسجد، مستوصف، مقاطعة، بريد، ومساحات خضراء) بثمن بخس لا يتعدى 300 درهم للمتر، لتتحول هذه الورقة التفاوضية إلى مفتاح مقايضة، تم استعمالها لتغيير تخصيص العقارين معا.
وفعلا، في 13 دجنبر 2021، وبتواطؤ واضح مع مسؤولين ومنتخبين، تم إبرام عقد بيع عقار أيت ملول للشركة نفسها التي استفادت من عقار إنزكان، في وقت قياسي، قبيل انعقاد اللجنة التقنية المحلية يوم 29 دجنبر 2021، والأخطر من ذلك، أن العقد استند إلى «شهادة بيع» قديمة مؤرخة بسنة 2019، تفتقر لأي قيمة إدارية، وجرى استدعاء المدير السابق للعمران خصيصا لتوقيع التفويت، بعد أن رفض المدير الحالي الانخراط في العملية.
وفي اليوم نفسه، انعقدت اللجنة التقنية لتقرر في ملفين مترابطين، يتعلق الأول بالاستغناء عن تخصيص عقار التكوين المهني بإنزكان، والثاني يتعلق بتغيير تخصيص تجزئة المغرب العربي بأيت ملول، علما أن المالك المستفيد في الحالتين هو شخص واحد، عبر شركتين مختلفتين، وكانت النتيجة هي تسوية وضعية عقارين مخصصين لمرافق عمومية، بموجب قرار واحد، في إطار مقايضة عقارية مربحة.
وبعدها، في يونيو 2022، وضعت الشركة العقارية طلبها للحصول على رخصة بناء، رغم أن وضعيتها لم تكن مستوفية للشروط القانونية، ورغم أن الترخيص استند إلى تصميم تهيئة لم يصدر بعد، وإلى قرارات لجنة استثناء فقدت صلاحيتها، ومع ذلك، فقد منح رئيس جماعة أيت ملول الرخصة، فيما كان رئيس جماعة إنزكان قد شارك بدوره في التخلي عن تخصيص عقار التكوين المهني، وهكذا تداخلت الأدوار، وتوزعت المسؤوليات، عقارات تم تفويتها، ولجان على المقاس صادقت على قرارات التفويت، ورؤساء جماعات وقعوا على الرخص.
ما كشفته الفضائح العقارية بمدينتي إنزكان وأيت ملول ليس سوى صورة مصغرة عن وصفة باتت جاهزة لإعادة إنتاج نفس الخروقات كلما اقتضت مصالح اللوبي العقاري ذلك، فالآليات هي ذاتها، والأدوار تتوزع بنفس الترتيب، والنتائج تعود دائما لصالح نفس المستفيدين. وأفادت المصادر بأن اللجان التقنية التي يفترض أن تكون فضاء للتدقيق والمساءلة، تحولت إلى ممر إجرائي تمر عبره التعديلات، فتمنح الغطاء الشكلي لقرارات محسومة سلفا، وتجعل من المقايضة ممارسة «شرعية» في ظاهرها، مريبة في جوهرها.
ويطلب منتخبون من العامل الجديد فتح تحقيق موسع حول إلغاء مرافق عمومية وتحويلها إلى مشاريع عقارية، ففي مدينة إنزكان تبخر مشروع مركز التكوين المهني الذي كان يمكن أن يستوعب مئات الشباب، وحل مكانه مشروع تجاري مربح، وفي مدينة أيت ملول تقلصت مساحة المسجد من 1975 مترا مربعا إلى 539 مترا مربعا فقط، وتلاشى المستوصف والمقاطعة والمساحات الخضراء، في مشهد يختزل كيف تتحول مدينة بكاملها إلى غابة أسمنتية.
لكن هذه الحلقات لم تكن لتكتمل لولا توقيع رؤساء الجماعات الذين وضعوا الختم السياسي على الرخص وشهادات التسليم والمطابقة، رغم وضوح الخروقات، خدمة لمصالح شبكة ضيقة من المستفيدين، توحد بين المنعش العقاري وشركائه الإداريين والسياسيين، في تجسيد صارخ لتضارب المصالح واستغلال السلطة، وهي شبكة وثقتها تقارير رسمية، وأكدتها طعون قضائية يباشرها منتخبون يطالبون بتفعيل المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات، من أجل تفعيل مسطرة عزل المتورطين.





