
كشفت قضية هدم بناية تشبه في تصميمها قصر “الكريملين”، بنواحي جماعة بوسكورة بإقليم النواصر، عن الفوضى العارمة التي يعرفها قطاع التعمير داخل المدن وبضواحيها، فكيف تم بناء مشروع ضخم في ظرف ست سنوات دون أن تنتبه السلطات إلى أن هذه البناية غير مرخصة أو تخالف مقتضيات قوانين التعمير.
ما وقع ببوسكورة مجرد شجرة تخفي غابة من الفوضى يعرفها قطاع التعمير الذي أصبحت تتحكم فيه لوبيات لها امتدادات داخل مختلف الإدارات والمؤسسات، وأصبحت تتحكم في رسم الخريطة الانتخابية وصنع تشكيلة المجالس الجماعية في مناطق نفوذها لحماية مصالحها، والاستفادة من الامتيازات.
وأخطر من ذلك تحول “لوبيات” العقار إلى قوة ضاغطة تعرقل إخراج تصاميم التهيئة بعدة مدن، للاستفادة من فوضى التعمير التي تعرفها هذه المدن في ظل غياب هذه التصاميم التي تضبط القطاع. وبذلك تحولت جل المدن الكبرى إلى كتلة إسمنتية بدون روح، بسبب الإجهاز على كل المساحات الخضراء والمجال الغابوي، وحتى الأراضي الفلاحية المتواجدة بالضواحي تعرف انتشار المستودعات العشوائية والبنايات غير المرخصة.
هناك أيضا كارثة أخرى تشكل تهديدا حقيقيا لسلامة المواطنين، تتجلى في تنامي ظاهرة البناء العشوائي وانتشار دور الصفيح على هوامش المدن، التي تحولت إلى أحزمة بؤس حقيقية تفتقد فيها أبسط شروط العيش الكريم، رغم المجهودات التي تبذلها الدولة للقضاء على هذه الظاهرة.
وما يثير الاستغراب هو أن رؤساء الجماعات يتورطون في تشجيع البناء العشوائي لتحقيق أهداف انتخابية، لأن الأحياء العشوائية والصفيحية تشكل خزانا انتخابيا لبعض الكائنات السياسية التي تحترف العمل الانتخابي، ما يقتضي تدخلا صارما من طرف سلطات الرقابة المتمثّلة في مصالح وزارة الداخلية ووزارة الإسكان والتعمير.
ويتورط رؤساء الجماعات في خروقات تتعلق بالترخيص ببناء عمارات سكينة دون الحصول على الرأي الموافق للوكالة الحضرية، وتسليم شهادات إدارية دون احترام القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، ومنح رخص بناء فوق قطع أرضية ناجمة عن تجزيء غير قانوني أو بمناطق محرمة للبناء، وعدم تفعيل مسطرة زجر المخالفات في ميدان التعمير في حق المخالفين، لأن القانون التنظيمي للجماعات، يمنح للرؤساء صلاحيات السهر على تطبيق القوانين والأنظمة المتعلقة بمجال التعمير، وعلى احترام ضوابط تصاميم إعداد التراب ووثائق التعمير، كما يخول لهم صلاحيات منح رخص البناء والتجزئة والتقسيم، وإحداث مجموعات سكنية، ومنح رخص السكن وشهادات المطابقة.
وعوض تطبيق القانون، نجد بعض الرؤساء يمنحون رخصا لإقامة مشاريع كبرى دون الحصول على الرأي الموافق للوكالة الحضرية رغم إلزامية هذا الرأي، وكذلك منح رخص بإقامة مشاريع في بعض المناطق دون إنجاز المشاريع المتعلقة بالتأثير على البيئة في خرق سافر للقانون، وكذلك الترخيص لمشاريع في مجال التعمير دون إمداد السلطة المحلية بنسخ من الرخص المسلمة، مما يفوت على السلطة المحلية فرصة مراقبة ضوابط البناء وترتيب الآثار القانونية في حق المخالفين.





