
يونس جنوحي
لا بد للدبلوماسي أن «يستريح» بين الفينة والأخرى من ثقل الرسميات.. وهكذا فإن السفير محمد التازي قرر، صيف سنة 1988، أن يغتنم عطلة قصيرة زار فيها المغرب، قادما من العاصمة المصرية القاهرة حيث كان يشتغل وقتها سفيرا، واختار أن يزور الأقاليم الجنوبية، في إحياء لصلة الرحم مع منطقة طرفاية التي سبق له أن زارها سنة 1958، وكان شاهدا على حدث تاريخي مهم، وهو استرجاع إقليم طرفاية.
ثلاثون سنة تفصل بين العطلة التي جاء فيها التازي إلى طرفاية سفيرا والزيارة الأولى التي رافق فيها وفدا رسميا عينه الملك الراحل الحسن الثاني -وكان وقتها وليا للعهد- لاسترجاع المدينة من الاحتلال الإسباني.
كتب التازي، في مذكراته، «شذرات» مختصرة عن هذه المغامرة التاريخية التي سبقت استرجاع طرفاية، وكيف أن ولي العهد «غامر» لاسترجاعها..
يقول:
«بعد عودتي من فسحة مع عائلتي في بعض جهات المغرب، قضيت جزءا منها في مدينة الداخلة والعيون، وزرت مدينة طرفاية بعد ثلاثين سنة من الإقامة فيها بضعة أيام صحبة الجنرال أمزيان، وعبد الكبير الفاسي، والكابتن النميشي وعبد اللطيف الخطيب لاستلامها من الإسبانيين، وكانت المدينة عبارة عن صحراء قاحلة، مع بعض البنايات الطينية، المتهالكة، كان ماؤها متغير اللون والطعم والرائحة، وكنا نقيم جميعا في قاعة بالمطار، تحت رحمة الحامية الإسبانية التي قالت إنها لا تعلم شيئا عن مهمتنا، وأن كل ما لدى قائدها من تعليمات هو السماح لطائرة مغربية بالنزول في المطار، ولم يسمح لأحد من السكان بالتحدث معنا، وتعذر الاتصال مع قيادة أكادير، فكلفت بالعودة إلى الرباط، وكنت أرتدي بذلة عسكرية، وليس لدي ما يثبت شخصيتي، فعدت بالطائرة العسكرية إلى أكادير، ومن أكادير بسيارة «بولمان». وبعد تسع ساعات، وصلت إلى العاصمة، واتصلت بمدير ديوان سموه العسكري، فجاءت سيارة «جيب» وحملتني إلى رئاسة الأركان وعندما قدمت لسموه عرضا عن الموقف، وأن الوفد أضحى كرهينة لدى الحامية الإسبانية، قرر أن يتولى شخصيا إنهاء هذا الموضوع وتحرك مع فرقة من القوات الملكية المسلحة في اتجاه أكادير، وترك رسالة لوالده، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، يعتذر فيها لجلالته عن هذه «الحركة» دون علمه ودون موافقته، وأصدر أوامره إلى من خشي أن يبلغوا لجلالة والده خبر رحلته على رأس قوات عسكرية لاسترجاع طرفاية بالقوة، أن يكتموا الخبر مهما كلفهم الأمر، وكان كل ما قال لوالده، رضي الله عنه، عن هذه الحملة، أنه سيتفقد بعض الوحدات العسكرية في إقليم أكادير وعندما تجاوز الحدود القائمة إلى آيت باعمران، بعث برسالة ثانية بالراديو إلى والده طيب الله ثراه يشرح فيها الظروف التي جعلته ينفرد باتخاذ قرار التحرك على رأس قوات عسكرية في اتجاه طرفاية لاسترجاعها، ويلتمس صفحه وغفرانه. ولما علم الإسبانيون بتوغل القوات المغربية بقيادة رئيس الأركان سمو ولي العهد داخل الصحراء، عجلوا بتسليم منطقة طرفاية، فقفل سموه عائدا إلى قواعده منتصرا، ولولا هذه الشجاعة من سموه لتأخر استرجاع طرفاية، ولا أشك في أن بذرة المسيرة الخضراء قد زرعها سموه في فكره وقتئذ، وبقيت تنمو بالتدريج حتى حقق المسيرة..».





