
في سياق دولي يتسم بتشابك الملفات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ قمة في بكين ناقشت عدداً من القضايا الرئيسية، في مقدمتها العلاقات التجارية، وملف تايوان والتعاون التكنولوجي بين البلدين. وجاءت هذه المباحثات في ظل سعي الطرفين إلى إدارة الخلافات القائمة والحفاظ على قدر من الاستقرار في العلاقات الثنائية، مع تأكيد متبادل على أهمية الحوار والتعاون في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.
إعداد: سهيلة التاور
عقب جلسة مباحثات امتدت لنحو ساعتين، أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، أول أمس الخميس، أعمال قمة ثنائية تناولت بشكل موسع أبرز الملفات العالقة بين البلدين، وعلى رأسها القضايا التجارية وملف تايوان، إلى جانب نقاط خلاف أخرى في العلاقات الثنائية.
وخلال مأدبة عشاء نُظمت على شرف الزيارة، اعتبر الرئيس الصيني أن زيارة ترامب إلى بكين تمثل محطة تاريخية، مشيراً إلى أن مسار صعود الصين وشعار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» يمكن أن يتقدما بشكل متوازٍ دون تعارض.
وقال شي إن الولايات المتحدة والصين تستفيدان من التعاون وتخسران بالمواجهة، داعيا إلى أن تصبحا شريكتين لا خصمتين.
من جهته، قال ترامب إن المباحثات مع نظيره الصيني كانت «إيجابية وبناءة»، مضيفا أن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تشهد تطورا منذ تأسيس بلاده وحتى اليوم.
وتابع ترامب حديثه بالقول إن لدى الولايات المتحدة فرصة لبناء مستقبل يقوم على مزيد من التعاون والازدهار مع الصين، داعيا شي إلى زيارة واشنطن يوم 25 شتنبر المقبل.
برنامج الزيارة
بعد وصول دونالد ترامب إلى بكين، حضر حفل استقبال مساء الأربعاء، ثم استقبله الرئيس الصيني صباح الخميس في قاعة الشعب الكبرى، مركز العمل التشريعي للحكومة الشيوعية، ومركز الفعاليات الثقافية والاجتماعية المهمة في الجانب الغربي من ميدان تيانانمن.
وحسب وكالة «أسوشيتد برس»، تصافح الرجلان وتبادلا أطراف الحديث، وربّت ترامب على ذراع شي قبل التقاط الصور التذكارية.
وتتميز القاعة بدرج ضخم مغطى بسجاد أحمر، ومساحات شاسعة من الرخام، حيث علّق الجنود أعلاما أمريكية وصينية كبيرة.
واستمرت مراسم الاستقبال نحو 15 دقيقة، ثم انطلقت المباحثات المخطط لها أن تستمر مدة ساعتين.
وقال الرئيس الصيني إنه يتطلع إلى تبادل الآراء مع الرئيس الأمريكي بشأن قضايا رئيسية، مضيفا أنه لطالما اعتقد أن المصالح المشتركة بين الصين والولايات المتحدة تفوق الخلافات.
وتابع قائلا: «لنجعل 2026 عاما تاريخيا ومعْلما بارزا للعلاقات الصينية- الأمريكية لمواصلة الماضي وفتح آفاق المستقبل».
وأكد الرئيس الصيني أن الحوار هو الخيار الأمثل لحل الخلافات العالقة مع الجانب الأمريكي.
ونقلت «رويترز» عن شي تأكيده أنه لا يوجد فائز في الحرب التجارية، مشيرا إلى أن كلا الجانبين حقق نتائج إيجابية.
وأوضح شي أن العلاقة المستقرة بين بكين وواشنطن تعود بالنفع على العالم بأسره، مضيفا أن التعاون بين البلدين يحقق مكاسب لهما، في حين أن المواجهة بينهما تؤدي إلى أضرار متبادلة.
وبدوره، قال ترامب إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين «ستكون أفضل من أي وقت مضى»، مشددا على أن علاقة جيدة تجمعه بالرئيس الصيني الذي وصفه بـ«القائد العظيم».
ملف تايوان
قال الرئيس الصيني إنه إذا أُسيء التعامل مع قضية تايوان، فسيؤدي ذلك إلى صدام بين الولايات المتحدة والصين، مضيفا أن إساءة التعامل مع القضية قد تدفع بالعلاقات الصينية- الأمريكية برمتها إلى وضع بالغ الخطورة.
وتابع شي قائلا إنه إذا أُحسن التعامل مع القضية، يمكن للعلاقات الثنائية أن تحافظ على استقرارها الشامل، مؤكدا «أن استقلال تايوان والسلام عبر مضيق تايوان أمران لا يجتمعان».
من جهتها، أعلنت تايوان أن الولايات المتحدة «جددت تأكيد دعمها الواضح والحازم» للجزيرة، وفقا لما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.
وفي ختام جلسة المباحثات، قال الرئيس الصيني إن بلاده والولايات المتحدة ستعملان على بناء علاقات إستراتيجية مستقرة في إطار وضع جديد للعلاقات الثنائية، مؤكدا أن التشاور المتكافئ بين الجانبين هو الخيار الصحيح الوحيد لإدارة الخلافات وتعزيز التعاون.
وبعد انتهاء المحادثات، قال المتحدث باسم الخارجية الصينية غوو جياكون، في مؤتمر صحفي، إن الرئيسين الصيني والأمريكي تبادلا وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية، مشيرا إلى أن هناك ضرورة لبناء علاقات مستمرة واستراتيجية مع واشنطن.
وفي ما يتعلق بأزمة مضيق هرمز، قال جياكون إن موقف بلاده من الأزمة «متسق وواضح»، دون أن يقدم مزيدا من التفاصيل.
وما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية الصينية لم يخرج عن إطار ما رشح عن الجانب الرسمي في بلاده بشأن ما دار بين شي وترامب. وظل المسؤول الصيني، عندما يُوجه إليه سؤال من الصحافيين عن الوفد الأمريكي، يقول لهم «يجب أن يُحال السؤال إلى الجانب الأمريكي».
وبشأن ملف تايوان، أكد المتحدث باسم الخارجية الصينية أن جزيرة تايوان هي أهم محدد في العلاقات الثنائية، وأن هذه العلاقات يُمكن أن تتأثر وفقا لكيفية تعامل واشنطن مع هذا الملف.
وجدد المتحدث التأكيد على موقف بلاده الرافض لمبيعات الأسلحة لتايوان، وعلق قائلا: «إن موقفنا ثابت من هذا الموضوع».
وفد اقتصادي ضخم
تحولت بكين، خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى منصة رسائل اقتصادية متبادلة، بين الصين وكبرى الشركات الأمريكية، مع إشادة عدد من أبرز الرؤساء التنفيذيين الأمريكيين بقوة الاقتصاد الصيني وتسارع تطور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا داخل البلاد، وفق ما أوردته وكالة «أسوشيتد برس».
وخلال لقاءات أجرتها وسائل إعلام صينية مع الوفد الاقتصادي الأمريكي المرافق لترامب، وصف جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، الاقتصاد الصيني بأنه «واحد من أكثر الاقتصادات المذهلة في العالم»، مضيفاً: «هناك ابتكار مذهل، والصين واحدة من الدول الرئيسية المتقدمة في الذكاء الاصطناعي… الصين تقوم بعمل رائع».
ورافق ترامب، خلال زيارته إلى الصين، وفد يضم أكثر من عشرة من كبار قادة الأعمال الأمريكيين في قطاعات التكنولوجيا والمال والطيران والزراعة، في أحد أكبر الوفود الاقتصادية الأمريكية إلى بكين منذ سنوات.
وبحسب «رويترز»، التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ بالوفد داخل قاعة الشعب الكبرى، بحضور شخصيات بارزة من بينها إيلون ماسك، وجنسن هوانغ وتيم كوك، إلى جانب مسؤولين تنفيذيين من مؤسسات مالية وصناعية أمريكية كبرى.
وقال شي، وفق ما نقلته وكالة «شينخوا»، إن «أبواب الصين ستنفتح على مصراعيها»، مضيفاً أنه يعتقد أن الشركات الأمريكية «ستتمتع بآفاق أوسع» داخل السوق الصينية.
وكان ترامب قال، قبل القمة، إنه سيطلب من شي «فتح» الاقتصاد الصيني بصورة أكبر أمام الشركات الأمريكية.
ملف التكنولوجيا
أبدى تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة «أبل»، حماساً كبيراً تجاه تطورات التكنولوجيا داخل الصين، قائلاً إن السوق الصينية «قوية جداً»، مضيفاً: «الناس هنا متحمسون للغاية للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الجديدة ويتبنونها بسرعة».
ووصف جيم أندرسون، الرئيس التنفيذي لشركة «كوهيرنت»، الاقتصاد الصيني بأنه «اقتصاد ديناميكي للغاية»، مؤكداً أن آفاقه المستقبلية «جيدة جداً».
وفي السياق ذاته، قال ديفيد سولومون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «غولدمان ساكس»، إن الصين وضعت «خطة خمسية طموحة وواضحة للغاية»، مضيفاً أن توقعاته تشير إلى أن بكين «ستواصل تحقيق مزيد من النمو الاقتصادي خلال تنفيذ خطتها الخمسية الخامسة عشرة».
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتابع الأسواق العالمية نتائج قمة ترامب وشي عن كثب، خصوصاً في ملفات التجارة والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، وسط محاولات لتخفيف التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم بعد سنوات من الحرب التجارية والقيود التكنولوجية المتبادلة.
وبحسب تقارير إعلامية أمريكية وصينية، ركزت المحادثات أيضاً على مستقبل صادرات الرقائق الإلكترونية الأمريكية إلى الصين، إضافة إلى اضطرابات الطاقة والتجارة الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
واعتبر عدد من قادة الأعمال الأمريكيين أن من شأن القمة أن تمنح زخماً جديداً للتعاون الاقتصادي والتجاري بين واشنطن وبكين، في وقت تسعى الشركات الأمريكية للحفاظ على حضورها داخل السوق الصينية الضخمة والاستفادة من النمو المتسارع في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.





