حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

مذكرات حفيظ بنهاشم… في رثاء بوفكران

لم يغب طيف وادي بوفكران عن ذاكرتي، منذ أن كنت طفلا أرتع بين الروابي، لذا أعتبر نفسي محظوظا بين أقراني لأنني عشت تفاصيل حياة في منطقة تبعث في النفوس سعادة بلا حدود.

في هذه الربوع عشت طفولتي وجزءا من مراهقتي، حتى وإن غادرته لم يغادرني بل ظل ساكنا في وجداني.

 

كانت والدتي تأخذني من المنزه إلى مكناس، خاصة في العطل المدرسية التي أتنظرها بفارغ الصبر كي أنعم بزيارة المكان الذي حجزت له حيزا في قلبي.

وكانت أمي بدورها تستعجل موعد الزيارة لتأخذني إلى بيت والديها، خاصة بعد وفاة والدي أي زوجها مولاي لكبير، الذي لم أكن محظوظا لأعيش معه حيزا زمنيا أكبر، إذ رحل إلى دار البقاء وعمري لا يتجاوز ثلاث سنوات لا تكفي للاستمتاع برفقته واستجماع ذكريات معه.

في مجرى وادي بوفكران تسكن ذكريات طفولتي، هناك قضيت لحظات لا تنسى في دفاتر حياتي، في بحيرة القرية كنت أصطاد السمك وأركض بين الروابي، وبين أشجارها وارفة الظلال كنت أقتطع جزءا من وقت فراغي لأراجع جدول الضرب والمحفوظات.

في زياراتي رفقة والدتي إلى بوفكران، أستمع إلى زقزقة العصافير وتغريدها، وألحان الكناري والحمام الزاجل، وأنخرط في الحياة البرية، فأنصت لخرير المياه بين الشجيرات والأحجار.

لازلت أذكر شغبنا الطفولي، حين كنت أنا وأقراني نستمتع بأكل ما توفره لنا بساتين الزيتون وأشجار التوت وحب لملوك، كنا نملأ بطوننا بالفواكه المتاحة دون أن نعبأ بتحذيرات أصحابها.

حين تأخذني قدماي إلى بوفكران أمر بجوار المدرسة الابتدائية التي لازالت تحيط بها أشجار «الكاليبتوس» التي لطالما ساهمنا، ونحن تلاميذ، في زرع نبتتها، بتأطير من مدرس فرنسي يدعى «روني كورشينو» الرجل المهووس بخدمة البيئة، وكان، في الخمسينات من القرن الماضي، يقودنا في حملات تشجير في ساحة المدرسة وفي جنباتها.

في وقت مضى، ونحن صغار السن، استمتعنا كثيرا في دار أم السلطان بجمالية الحدائق الطبيعية، التي كانت تفوح منها روائح عطرة، في نقاوة الجو وعذوبة المياه، وشلال الشعبة السعيدة إيميل بانيو بحدائقها وشلالها وسمكها وأزهارها. دون أن ننسى حدائق لحبول التاريخية التي كانت تضم منتزهات وحديقة حيوانات، تعرضت للإهمال قبل أن تبعث فيها الحياة الأميرة للا حسناء، رئيسة مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، ومجموعة من الوحدات الترابية وعمالة مكناس.

لكن جشع بعض المتاجرين في خيرات بيئتنا، ساهم في إنهاك الفرشة المائية وتجفيف المصائد، بل وصل الأمر إلى حد تهريب طائر الحسون صوب الدول المجاورة.

في الثالث من نونبر 2019 تم توقيف محاولة تهريب 1680 من الطيور، بغاية الاتجار غير المشروع.

وفي الثامن عشر من غشت 2020، شهدت مدينة الفقيه بن صالح توقيف محاولة أخرى لتهريب 800 طائر، نحو دول الجوار.

عاشت المنطقة عمليات انتهاك صريح لمجالها البيئي، ساهم فيها الساعون إلى الاغتناء السريع، ولو على حساب انتهاك المجال البيئي في البادية المغربية والإفراط في حفر الآبار، مع ما يترتب عن هذا الوضع من استنزاف بيئي رهيب، وتجريد المنطقة من عصب الحياة وحرمان أبنائها وزوارها من سخاء الطبيعية، بعد أن كان الوادي ينشر الخضرة ويحتضن تنوعا إيكولوجيا كبيرا.

لقد أنعم الله على مكناس بخيرات وادي بوفكران وصبيبه العذب، لذا تقول بعض الروايات إن ساكنة فاس، في زمن ما، كانت تتساءل عن سبب حظوة أهل مكناس بمياه عذبة. «الماء العذب في بطون الفقراء».

بين المكناسيين وأهل فاس خلافات، على غرار ما يحصل بين المدن المجاورة: الرباط وسلا، طنجة وتطوان والمراكشي والمسفيوي، وهي خلافات قد تخترق مجالات أخرى.

لكن لأهل فاس متنفس إيكولوجي عريق يتمثل في جنان السبيل، بمائه وخضرته وطبيعته التي استأثرت باهتمام الزجالين والشعراء، كما تغنى به الفنان عبد الوهاب الدكالي في رائعته الخالدة: «عنواني في جنان السبيل».

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى