حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

الغش وغياب المحاسبة

ما حدث في مدينة فاس، من فاجعة انهيار عمارتين وسقوط ضحايا وجرحى، ها هو يتكرر بعد فترة قصيرة، حيث تم تسجيل انهيار عمارة من ستة طوابق، خلال الساعات الأولى من صباح أمس الخميس. وهو الشيء الذي يعيد إلى الواجهة استفحال فيروس الغش في مواد البناء وفي الأشغال ومعايير الجودة والسلامة، وغياب المحاسبة في البناء العشوائي، رغم التقارير المصاحبة، وإضافة طوابق خارج المعايير التقنية، وخرق التصاميم المصادق عليها من قبل المصالح الحكومية المختصة، وتعثر معالجة ملف البنايات الآيلة للسقوط بشكل عام، رغم التقارير الإعلامية المكثفة والبرامج الحكومية والميزانيات المرصودة.

إن معضلة البنايات الآيلة للسقوط شهدت تراكمات خطيرة ومعقدة، تتعلق بفشل المجالس الجماعية في تنفيذ تعهداتها ودورها في حماية الصحة العامة، وتوفير شروط السلامة والوقاية من الأخطار، فضلا عن فشل تنزيل توصيات بالجملة، صادرة عن اجتماعات تترأسها السلطات المختصة، بكل جهة أو إقليم، ناهيك عن ضعف المراقبة الخاصة بالأوراش واستمرار مشاكل البناء العشوائي وإضافة طوابق دون أدنى معايير الحفاظ على سلامة الناس، والاختباء خلف الملفات الاجتماعية، علما أن الفئات الفقيرة هي أكبر ضحية للعشوائية ومصدر دخل مهم للوبيات المستفيدة.

لقد تبين، من خلال الحملة الواسعة، التي قامت بها مصالح وزارة الداخلية، قصد جرد وإحصاء كافة البنايات الآيلة للسقوط، أن هناك آلاف المساكن التي تشكل قنابل موقوتة تهدد حياة وسلامة قاطنيها والمارة، كما أن هناك منازل مهجورة وأخرى لا يقبل سكانها مغادرتها، بسبب الهشاشة أو الكراء القديم بأثمان رمزية، إلى جانب عوائق أخرى يجب أن يتم التفكير في وضع حلول آنية لها، حتى لا نفاجأ في كل مرة بفواجع لا قدر الله وسقوط جرحى وضحايا، وكأننا أمام حرب حقيقية وليس سكن يحمي من الحر والقر ويوفر شروط الكرامة.

إن الميزانية العامة للدولة متوفرة وليس هناك إشكال في تمويل المشاريع، ولكن أزمتنا أزمة حكامة في التسيير، وتقاذف المسؤوليات بين الجهات المعنية، رغم وضوح الاختصاصات والقوانين، فضلا عن التسويف والمماطلة ومحاولة كل مسؤول أو منتخب القيام بإجراءات ترقيعية، وليس الشروع في معالجة أسباب المشكل في العمق وفق الجدية المطلوبة، وتسليم مشعل المنصب أو السلطة إلى الغير، قصد استكمال نفس المشروع وليس التدبير اللحظي للأزمات.

يجب أن يستوعب كل المسؤولين والمنتخبين أن التلاعب في مراقبة البناء، والتغاضي عن تشييد طوابق إضافية دون أدنى المعايير التقنية، والتسامح مع غش عمليات البناء والمواد المستعملة، واستغلال البناء العشوائي في الانتخابات والأجندات، كلها جرائم ترافقها ظروف التشديد، والتحقيق فيها يجب أن يكون صارما، بعد ترتيب المسؤوليات لربطها بالمحاسبة.

إن معالجة البنايات الآيلة للسقوط مرتبطة بالسلم الاجتماعي مباشرة، ولا تتم أبدا بالاكتفاء بإجراءات لحظية، عندما ترتفع حرارة الاحتجاجات والشكايات، والقيام بتسييج البنايات المهددة بالانهيار، أو إصدار مراسلات إدارية لا تسمن ولا تغني من خطر، بل الأمر يتعلق بالجدية في تنزيل مخرجات الاجتماعات المنعقدة في الموضوع، والمبادرة لحل المشاكل بشكل استباقي، والتنسيق الدائم بين المؤسسات المعنية، حتى لا تتكرر الفواجع التي تترك ندوبا نفسية واجتماعية بالمجتمع يصعب نسيانها، وجروحا في مفارقة الأهل يصعب التئامها.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى