
أشهر من استعمل مصطلح (القوة الناعمة) هو جوزيف ناي Joseph Nye في كتابه الذي حمل العنوان نفسه (Power (Soft. يحدد ناي تعريفاً علمياً للقوة الناعمة بالقول: مصطلح القوة الناعمة يُقصد به القدرة على صياغة خيارات الآخرين والحصول على ما تريد منهم عبر الجاذبية Charm and attractiveness بدلاً من القهر أو الإكراه أو الدفع القسري أو العنف Coercion- Violence.
وقوة إيران الناعمة تتمثل في ثلاثة فضاءات:
ـ الإعلام
ـ ومحور التشيع
ـ ومحور الخطاب الإعلامي المعادي لأمريكا وإسرائيل.
تمتلك إيران إمبراطورية إعلامية هي الأكبر على مستوى المنطقة (وكالة فارس للأنباءIRIB ) التي تخضع مباشرة للمرشد الأعلى.
لقد أكد الدستور الإيراني (مادة 175) أن حرية التعبير ونشر الأفكار يجب أن تتم عبر( IRIBوكالة بث الجمهورية) عدد لغات البث 30 لغة عالمية، في إيران الداخل هناك 30 قناة محلية نصفها بلهجات إثنية، هناك 8 محطات وطنية و6 محطات تبث لخارج إيران و4 محطات دولية (عربية – إنجليزية – إسبانية مع التركيز على أمريكا اللاتينية) وتستخدم إيران مروحة واسعة من القضايا لتوجيه قوتها الناعمة في فضاء الإعلام.
وفي كتاب أصدرته (مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني في طهران) 1997 وفي بحثها لمفهوم (تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني)، يؤكد الخميني أن (تصدير الثورة إلى الخارج يعتمد بشكل كبير على الإعلام)، لذلك سنلاحظ، فور احتلال الأمريكان للعراق، تعاون إيران الحثيث كما صرّح بذلك رفسنجاني وشمخاني وأبطحي الذي قال إنه لولا تعاون إيران مع أمريكا لما تمكنت الأخيرة من احتلال العراق وأفغانستان.
نقول فور احتلال الأمريكان للعراق وفور حلّ الجيش العراقي وحلّ وزارة الإعلام في بغداد حرصت إيران على إغراق العراق إعلامياً بتمويلها لعشرات الفضائيات التي قامت بتصدير (الثقافة الشيعية بكل مفاهيمها وأبعادها) إلى العراق حتى زادت أعدادها على الأربعين قناة (نبأ، وصوت العزّة، أهل البيت، الحجّة، الأنوار، المعارف، فورتين، الفرات، بلادي، الغدير، الأوحد، العهد، العراقية، طه، هدهد، الدعاء، المهدي، الصراط، الاتجاه، كربلاء، السلام، النجف، هادي، المسار، الفرقان، الثقلين، النعيم، الكوثر، فَدَك، الزهراء، آفاق، الفيحاء، فنون، العالم، دجلة، المودة).
وسنلاحظ أن الحكومة العراقية الموالية لإيران سهّلت بكل الوسائل وصول هذه القنوات إلى كل بيت من بيوت العراق المحتل وهيأت الظروف كافة لانتشار ظاهرة الأطباق الفضائية ورواجها حتى أن بائع المواد الغذائية (الباجلّا واللّبلبي) أو المواد الإنشائية (الإسمنت والجص) حجز ركناً في محله لتسويق الأطباق الفضائية.
لقد أغرقت الحكومة الشيعية السوق بهذه الأطباق وانخفض سعرها مما شجع عموم الناس على اقتنائها فسعر الجهاز (التلفزيون) وملحقاته مع تركيبه مع طبقه لا يزيد على 80 دولاراً، وغياب الرقابة الحكومية المتعمدة على هذه القنوات وتغافي الحكومة عنها شجّع انغماسها في الخطاب الطائفي الشيعي المتوتر الذي كان ولا يزال له أثره المدمّر على الرأي العام العراقي ودول الجوار (خاصة دول مجلس التعاون الخليجي).
ومن المعلوم أن القناة الفضائية ذات تكلفة باهظة (إنشاءً وتواصلاً) فمثلاً قناة (الفرات) يعمل فيها ما يزيد على 300 موظف بالإضافة إلى حجز الأقمار الصناعية لكل قناة والذي يكلّف ما يقرب من 40 ألف دولار شهرياً، كما أن سيارات البث الفضائي يصل سعر الواحدة منها إلى 750 ألف دولار وتملك قناة (الفرات) 3 منها، طبّق هذا على بقية القنوات فلا شك أن الأمر يحتاج لمصدر تمويل كبير لا تقوى عليه إلا إيران الدولة صاحبة المصلحة في ذلك.
دخلت على الخط الولايات المتحدة وشاركت في تمويل هذه القنوات ومنها قناة (الفيحاء)، فعندما زار الكويت وفد يضم خمسة من رجال الأعمال العراقيين الشيعيين المقيمين في الولايات المتحدة بغرض التباحث لطلب الموافقة على بث القناة من الكويت وبالسؤال صرّح الوفد بأن التمويل سيأتي من الكونجرس الأمريكي الذي وافق فعلاً على المنحة.
مصلحة الأمريكان في الموضوع
من الواضح أنه عشية الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 تمّ نسج تحالف أمريكي- إيراني (راجع كتاب بريمر «عامي في العراق» Paul Bremer- My year in Iraq) لإتمام المهمة بدايتها صدور فتوى من السيستاني في النجف يُحرّم فيها على الشيعة التعرّض للقوات الأمريكية العاملة في العراق، ولذلك سنلاحظ أن هذه القنوات الإيرانية، في نشراتها (الإخبارية!!)، تشير لأعمال (المقاومة العراقية) السُنّية على أنها أعمال (إرهابية) كما أنها تعتّم على خسائر القوات الأمريكية، كل ذلك كان يتم بدعم مشترك أمريكي- إيراني مما شجع إيران 2003، وبعد احتلال بغداد، على التقدم للأمريكان بمقترح (الصفقة الكبرىThe Grand Deal ) مع الولايات المتحدة وهي صفقة تعاون وتخادم استراتيجي أمريكي- إيراني على مستوى المنطقة كلها (انظر بنود الصفقة في كتاب تريتا بارسي «التحالف الخفي» Trita Parsi- The Treacherous Alliance) وقد طبعته جامعة ييل Yale الشهيرة.
ومن يتابع خطاب هذه القنوات يلاحظ أنها تصب في ترسيخ التوسع الإيراني لا بل الدعوة إلى الهيمنة الإيرانية تحت مسميات شتى: الدعوة إلى التشيع في جوار إيران (دول مجلس التعاون الخليجي) وتغذية الشعوبية التي تركز على الانتقاص من العرب تاريخاً وحضارة ورموزاً وشعوباً وربط الأوضاع المتدهورة عربياً بـ(أهل السنة والجماعة) أو (النواصب) حسب تعبير تلك القنوات.
ولا تتردد هذه القنوات (خاصة الفرات والفيحاء) في اتهام حركة (المقاومة العراقية) للاحتلال الأمريكي في العراق (وهي حركة سنية محضة) فتطلق على المقاومة الجهادية وصف (الإرهاب) وتسمّي مساجد أهل السُنّة بمساجد (الضرار) وتصف أهل السُنّة عموماً بـ(النواصب والتكفيريين).
ولا يخلو شريط إخباري يومي لهذه القنوات من ذلك التزاماً بالتوجيهات الإيرانية التي تدين فعلاً المقاومة العراقية بالرغم من الضجيج الإعلامي المناهض للوجود الأمريكي في العراق، ومن يتابع هذه القنوات بعين فاحصة سيلاحظ أنها تتعمد الإساءة للتاريخ الإسلامي، إذ تطرح وجهة النظر الإيرانية فيه وكأن المشاهد يقرأ كتاب (الشاهنامه) لفردوسي منظّر القومية الفارسية وإنجيل السياسة الإيرانية.
من الملاحظات على الخطاب الإعلامي لهذه القنوات، كذلك، أنها تعمل على تعبئة الشارع الشيعي ودفعه إلى الانتقام من كل سني أو ما هو مرتبط بالسنة، وفي هذا إشاعة لثقافة العنف الطائفي والحض عليه.
هذا التوتر الطائفي يصب في مصلحة إيران، خاصة في العراق والخليج والجزيرة العربية، كما أن ضرب (المقاومة العراقية) والنيل من سمعتها كان ولا يزال من اهتمامات هذه القنوات الشيعية، لأن المقاومة وتصاعدها من شأنه إرباك التحالف الأمريكي- الإيراني في العراق فتشاهد في قنوات (الفيحاء والعراقية) برنامج (الإرهاب في قبضة العدالة) وهو برنامج يستهدف سمعة المقاومة العراقية الباسلة حيث يظهرون بعض معتقليها وقد ظهرت عليهم آثار الإنهاك والتعذيب والكدمات والتحريق ويضطرون لأقوال شبيهة بأقوال عمار بن ياسر لأُميّة بن خلف تحت التعذيب، وتجاوزت قناة (العراقية) حدود العمل الإعلامي حيث تحوّل فيها المذيعون إلى ضباط تحقيق وكذلك فعلت (الفيحاء) حتى أُطلق عليها (مديرية أمن الفيحاء). هذا في توظيف (الإعلام) كقوة ناعمة إيرانية تخدم الأهداف الجيوستراتيجية الإيرانية في المنطقة.
الطفيلي: إيران خَطَر على الشيعة
يعد توظيف (التشيع والشيعة) أخطر من الإعلام، فمن يتابع هذا الموضوع سيلاحظ أن السياسة الإيرانية تتعامل مع هذا العامل (التشيع والشيعة) كحصان طروادة (رمز فن الخداع والتآمر من الداخل لهزيمة الخصم) من خلاله تخترق إيران العالم العربي، فمن الواضح أن الاتجاه الإيراني الرسمي يعكس خطاً (قومياً فارسياً) أكثر من أي صفة أخرى، وتستعمل إيران التشيع والشيعة المنتشرين بين إيران وباكستان والهند ودول مجلس التعاون الخليجي كمركب من مراكب الاختراق والتدخل في شؤون هذه البلدان ومحاولة فرض الهيمنة الإيرانية عليها، وفي هذا الصدد سنلاحظ أن إيران حريصة على (تفريس) المرجعيات الشيعية وتعزيز (السيستاني) الفارسي في النجف العربي، وهي تستبعد، بما لديها من نفوذ معنوي ومالي، كل المراجع العرب وترعى في النجف نزعة شعوبية مضادة لكل ما هو عربي، أكثر من ذلك فهي تحث الطلبة الشيعة العرب الراغبين في استكمال الدراسة في (العلوم الشرعية) على الذهاب إلى (قم) الإيرانية الفارسية وعدم الذهاب إلى النجف العربية وركزت في ذلك على الطلبة البحرينيين. فنلاحظ أن عدد الطلبة البحرينيين في قم زاد على نظيره في النجف بخمسة أضعاف وذلك لتسهيل (أدلجة) البحرينيين هناك وتدريبهم على فنون العمل السياسي التحريضي الشعبوي وربطهم (تنظيمياً) بعمليات الثورة الإيرانية.
نحن نعلم أن استخدام (التشيّع) في السياسة الخارجية الإيرانية قديم يعود إلى الدولة الصفوية 150، لكن نلاحظ أنه بعد سقوط بغداد 2003 دخل التشيع في عملية إنتاج للسلطة السياسية في العراق، وهذه نقلة تاريخية خطيرة ما كان من الممكن أن تحدث لولا رعاية إيران لها. اللافت في هذا الأمر أن توظيف الشيعة والتشيع بشكل فاقع، كما حصل ويحصل في مصر والبحرين والمملكة العربية السعودية واليمن كمثال، يتحرك أيضاً نحو الصين شرقاً والمحيط الهندي جنوباً والخليج العربي غرباً والقوقاز والبحر المتوسط شمالاً.
في هذه (الحوزة) الجغرافية سنلاحظ أن الثقافة الفارسية تحظى بأهمية خاصة ويشكل العمل الثقافي في (مركز تعليم اللغة الفارسية – المستشاريات الثقافية الإيرانية – المدارس الإيرانية في الخارج – المركز الإسلامي للحوار بين الحضارات) أي وسيلة من وسائل التأثير الثقافي ومن ثم السياسي يلاحظ نشاط إيران في دفعه وتكريسه، لكن إخضاع الشيعة والتشيع لأهداف إيران الجيوستراتيجية من شأنه في نهاية المطاف أن يضر بمصلحة الشيعة خصوصاً على المدى البعيد، لذلك لا يتردد صبحي الطُفيلي، الأمين العام السابق لحزب الله الشيعي، أن يقول بأن إيران – في نهاية المطاف – تشكل خطراً على الشيعة والتشيع مستقبلاً.
أن يصدر كلام من هذا العيار ومن شخص بهذا الوزن – شيعياً – لا شك أنه يعكس حالة من القلق داخل الطائفة إزاء هذا التوظيف السياسي الإيراني للشيعة والتشيع لتحقيق أهداف جيوستراتيجية لإيران في المنطقة والعالم ليس بالضرورة تكون لصالح الطائفة على المدى البعيد، إذ من المعلوم أن لا يكون النظام الإيراني الحالي دائم الوجود قياساً بديمومة واستمرارية الطائفة، ومن المحتمل في عالم السياسة أن يسقط أي نظام سياسي وتسقط معه كل المرئيات الجيوستراتيجية التي رافقت وجوده (كما حصل في العديد من البلدان: الاتحاد السوفيتي الذي انهار 1992 وتحول إلى 25 جمهورية) فماذا ستفعل الطائفة حال سقوط النظام الحالي في إيران الذي ربط الطائفة ربطاً وثيقاً بمرئياته الجيوستراتيجية وما يتفرع عنها من مؤسسات وآليات عمل وقيادة وسيطرة إيرانية مباشرة؟ أحسب أن فوضى مدمرة ستشيع داخل الطائفة وأحسب أن هذا ما كان يقصده الطفيلي عندما أكد أن إيران تشكل خطراً مباشراً على مستقبل الشيعة في المنطقة.






