
لم يعد العالم بحاجة إلى فلاسفة، أو جامعات عريقة أو مفكرين يكتبون بنية النهوض بالعقل الجمعي. يكفي هاتف بشاشة مكسورة، حلقة إضاءة رخيصة وجرأة على قول كل ما يخطر في البال، حتى يصبح الفرد رئيسا فخريا لوعي ملايين المتابعين. لقد دخلنا عصر المؤثرين، جمهورية افتراضية يحكمها أناس لا يعرفون غالبا الفرق بين المفهوم والمصطلح، لكنهم يعرفون جيدا الفرق بين إعلان مدفوع وهدية مجانية، وهذا يكفي في زمن يسوده منطق المشاهدات.
ما الذي حدث بالضبط؟ كيف صعد جيش من الأشخاص الذين لا يملكون تكوينا أكاديميا ولا تجربة معرفية إلى منصة القيادة الفكرية؟ الإجابة بسيطة: الخوارزميات. الآلة التي لا تسأل عن القيمة، بل عن معدل النقر، عدد الإعجابات وانفعالات الجمهور. صار المؤثر معلما، ومرشدا وخبيرا في كل شيء: التغذية، السياسة، العلاقات، الطاقة الروحية، التشافي الذاتي وحتى كيفية اختيار الوطن المناسب لالتقاط صور العطل. أما الجمهور فقرر أن ينصت، لا لأن المحتوى مفيد، لكن لأن الضجيج الصادر عنه أعلى من صوت العقل.
الرأسمالية وجدت في هذه الفوضى الرقمية كنزا لا ينضب. فبدل أن تنفق الملايين على حملات إعلانية رسمية، اكتشفت أن شخصا يصور نفسه وهو يفتح علبة منتج قادر على إقناع جماهير أكثر من أفضل وكالة تسويق في العالم. وهكذا تحول المؤثر إلى بائع متنقل، يروّج لثقافة الاستهلاك الهستيري. لم نعد نشتري الحاجيات، بل المشاعر المصاحبة لها: شعور بالانتماء لطبقة وهمية أو رغبة في تقليد حياة لا وجود لها إلا في فيديو مُنتج بإتقان. وبفضل هذا التحالف بين المؤثر والرأسمالية صار الإنسان الحديث ضحية لعدوى الشراء المتسلسل، كأن نجاته الروحية معلقة على اقتناء آخر إصدار من الكريم الفلاني أو الهاتف الفلاني.
الأكثر خطورة هو كيف ساهم هؤلاء في تتفيه القيم العائلية والروح الوطنية. ففي زمن مضى كان الانتماء للوطن شعورا راسخا، اليوم صار خلفية لالتقاط الصور. خلال كأس العالم وكأس العرب، على سبيل المثال، شاهدنا مهرجانا من استعراض المشاعر الوطنية المؤقتة. فجأة ظهرت موجة من المؤثرين يحملون العلم، يصرخون بحماس مصطنع وينشرون فيديوهات تبدو وكأنها احتفالات شعبية، بينما الهدف الحقيقي هو زيادة التفاعل. رفع العلم لم يعد فعلا رمزيا، بل فرصة لخلق محتوى موسمي مربح. بعضهم لم يكن يعرف اسم مدرب المنتخب، لكنه يعرف بالضبط قيمة الإعلانات التي ستنهال عليه إذا صور نفسه وسط الجمهور. تحول حب الوطن إلى سلعة وتحول التشجيع إلى مشروع تجاري قصير الأمد.
أما على المستوى العائلي، فقد نجح المؤثرون في تحويل الخصوصية إلى مادة خام. كل شيء قابل للبث: لحظة غضب، خلاف زوجي، بكاء طفل، زيارة عائلية، ليلة الدخلة وحتى المصيبة يمكن تدويرها لتحصد التفاعل. العائلة عند البعض لم تعد كيانا يُحاط بالاحترام والستر، بل غدت ديكورا مناسبا للربح. القيم الأصيلة مثل الحشمة، الاحترام، التضامن، صارت مجرد محتوى قابل للاستثمار. حتى الكرم، الذي كان فعلا إنسانيا، تحول إلى مناسبة لبث مباشر يوزع فيه المؤثر هدايا أمام الكاميرا لينال لقب «الإنسان الملائكي» ويربح متابعة إضافية.
لكن السؤال الحقيقي: كيف نواجه هذه الظاهرة دون المساس بحرية التعبير؟ الحل ليس في المنع ولا في الرقابة الصارمة، فذلك سيزيد من شعبيتهم باعتبارهم «ضحايا». المواجهة تبدأ بالتربية الإعلامية، بتعليم الناس كيف يميزون بين المحتوى المفيد والمحتوى التافه، بين التأثير القائم على المعرفة والتأثير القائم على التمثيل. ينبغي تعزيز دور المدرسة والإعلام المهني لتوفير بدائل سليمة تعيد الاعتبار للفكر والمعرفة. كما يمكن دعم منصات تعرض محتوى عالي الجودة وتمنح صانعيه قوة منافسة في سوق تسيطر عليه التفاهة.
ثم يأتي دور الجمهور، الذي يملك سلطة أكبر مما يتخيل. إذا قرر الجمهور الكف عن تمجيد التفاهة، وعن مكافأة السلوكيات الاستعراضية بالإعجاب والمتابعة، فسيسقط الكثير من المؤثرين خلال يوم واحد. فالنفوذ الرقمي لا يعيش إلا بالتفاعل. التوقف عن المشاهدة هو أقوى أشكال المقاومة وأقلها تكلفة.
لا بد من الاعتراف بأن المؤثرين ليسوا المشكلة في حد ذاتها، بل انعكاس لذوق عام تشكل في ظل فوضى رقمية وغياب بدائل فكرية. إنهم نتيجة قبل أن يكونوا سببا. لكن التصدي لهيمنتهم يبدأ بوعي جماعي يرفض تحويل الوطن والعائلة والقيم إلى مواد استهلاكية. قد لا نستطيع منع انتشارهم، لكننا قادرون على سحب الشرعية الثقافية منهم، وإعادة الاعتبار لصوت العقل قبل صوت البث المباشر.





