حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

 كورتاثار.. طائر يحلق في سماء الواقعية السحرية

 إعداد وتقديم: سعيد الباز

 

قدمت أمريكا اللاتينية للعالم كتابا شديدي الخصوصية في الشعر والقصة والرواية والسينما، أطلق عليهم تيار الواقعية السحرية. كان هؤلاء الكتاب حريصين على ثقافاتهم المحلية بطقوسها الغرائبية، يمزجون دون حدود بين الخرافي والواقعي والنقد الاجتماعي والسياسي، ما أضفى على أعمالهم جمالية قائمة على الإدهاش وروح السخرية المعلنة أو المبطنة، مع منسوب لا يخفى من الاحتجاج والتنديد بواقع الظلم والاستبداد الذي عانت منه القارة لسنين طويلة.

 

 

 خوليو كورتاثار والمنزل المحتل

يقول خوليو كورتاثار (1914-1984)Julio Cortazar، كاتب قصة وروائي وشاعر أرجنتيني، عن الفترة الأولى من حياته: «ولدتُ في بروكسل من مواليد برج العذراء، أي من صفاتي الوهن، الميول الثقافية… جاء مولدي ثمرة للسياحة والدبلوماسية، فقد ألحق والدي بالبعثة التجارية القريبة من مقر السفارة الأرجنتينية في العاصمة البلجيكية، ولما كان تزوج حديثا اصطحب والدتي إلى بروكسل. رأيتُ النور إبان احتلال الألمان بروكسل في بداية الحرب العالمية الأولى. كنتُ في الرابعة حين تمكنت أسرتي من العودة إلى الأرجنتين، كنتُ أتحدث أولا الفرنسية وبتأثير منها لازمتني طريقتي في نطق حرف الراء التي فشلتُ في التخلص منها.

نشأتُ في بانفيلد، بلدة قريبة من بوينس أيرس، في منزل وبستان يغص بالقطط والكلاب والسلاحف والببغوات، أي الفردوس. لكنني في ذلك الفردوس كنت آدم، بمعنى أنني لا أحتفظ بأية ذكرى سعيدة من طفولتي: رعاية زائدة عن الحدّ، حساسية مفرطة. حزن غالب، ربو، كسر الذراعين، حب أوّل يائس… عينت مدرسا للمعلمين فمدرسا للأدب. انتقلت إلى مدينة مندوثا بعد سبع سنوات من العمل في المدارس الثانوية ثم تركتُ مندوثا وعدت إلى بوينس أيرس بعد فشل الحركة المناهضة لحكم الجنرال بيرون وكنتُ أنتمي إليها. بدأتُ الكتابة قبل ذلك بعشر سنين لكنني لم أنشر شيئا أو لم أنشر شيئا تقريبا (كتيب من الشعر وربّما قصة قصيرة).

أقمتُ في بوينس أيرس وحيدا مستقلا مقتنعا بأني أعزب لا يقهر، صديق عدد قليل من الناس، هاوٍ للموسيقى والقراءة والسينما طيلة الوقت، بورجوازي صغير ينأى عن كل ما يتعدى دائرة الجمال: مترجم عام رسمي، مهنة عظمى لمن كانت له حياتي حينئذ: انفرادية، استقلالية على نحو أناني».

اختار خوليو كورتاثار، بعد مدة، أن يجعل، أخيرا، من فرنسا منفاه الاختياري حيث كتب جل أعماله بعيدا عن بلده الذي كان يقاسي أهوال ديكتاتورية الجيش.

رحل كورتاثار من بلده الأرجنتين سنة 1951 وكان حينها في سن السابعة والثلاثين من عمره، خلال فترة الحكم الديكتاتوري للجنرال بيرون خوان دومنغو التي اتسمت بالديماغوجية السلطوية، والرقابة المشددة، والنفاق، والرعب، والقمع والاعتقالات السياسية. وكتب عن هذه الفترة قائلا: «لم أطق احتمال النفاق الدائم، الذي ساد في كل مكان، بدءا من المعاناة الشخصية وانتهاء بالحياة الظاهرية، التي كنستني منها شوارع بوينس آيريس الخاضعة للجنرال بيرون».

لذلك عزم على الرحيل عن ما أسماه، في أوّل قصة منشوره له، «المنزل المحتل» إلى فرنسا ونسيان الأرجنتين إلى الأبد، لكنّه في مقامه الجديد أدرك صعوبة الأمر واستحالته كما عبّر عن ذلك في رسالته إلى صديقه الشاعر الكوبي روبيرتو فرناندس ريتامارا: «أليس من المستغرب أنّ ذلك الأرجنتيني الذي كان يتطلع في شبابه نحو أوروبا، آملا بتحقيق أحلامه هناك، لدرجة أنّه أحرق من خلفه كلّ الجسور وارتحل إلى فرنسا، أنّه، وبعد مرور عقد من الزمان، يدرك، وبشكل مفاجئ، أنّه أمريكي لاتيني قح. وتطرح هذه المفارقة سؤالا أكثر جدية وهو: هل كان من الضروري أن أجوب هذه الآفاق الكروية المكتشفة من العالم القديم، لكي تنجلي أمامي أسرار الجذور الحقيقية للروح الأمريكية اللاتينية، غير مسقط من اعتباري، في الوقت ذاته، ذلك المفهوم الشمولي للإنسان والتاريخ؟».

يعمد كورتاثار، في الكثير من الأحيان، سواء في كتاباته القصصية أو الروائية، إلى التلاعب بين الفواصل المعتادة بين الخيال والواقع، وينحو منحى تجريبيا أقرب إلى الطابع السوريالي لا يخلو من الخوض في التساؤلات الوجودية. لذلك كان أسلوبه السردي عن كل ما هو مألوف في الأنواع الأدبية السردية تختفي فيه الحدود تماما بين الواقعي والغرائبي. رغم ذلك حاز خوليو كورتاثار الكثير من التقدير من قبل الكتاب المعاصرين له، لكن حظه مع الجوائز كان أقل بسبب ميله إلى الانعزال والابتعاد عن الأضواء، وعدم إجراء المقابلات الصحفية أو تبادل المديح الزائف بين الكتاب.. لكنه ظل أحد ألمع كتاب أمريكا اللاتينية.

 

رواية الحجلة.. لعبة سردية متكاملة

 

 

تعتبر روايته «لعبة الحجلة» أهمّ أعمال خوليو كورتاثار الروائية التي رسّخت اسمه كأحد كبار الكتابة الروائية الغرائبية.

استوحى كورتاثار فكرة الرواية من اللعبة المعروفة «الحجْلة» لذلك كان العنوان الكامل «الحجْلة.. لعبة القفز بين المربعات»، وفي الوقت نفسه للعب دلالة كبيرة لمفهوم كورتاثار بشكل عام للأدب مثل ما عبّر عنه في الكثير من حواراته: «بالنسبة لي الأدب مثل لعبة، لكني كنتُ أضيف دائما أن هناك نوعين من الألعاب. كرة القدم مثلا وهي في الأساس لعبة، ثم هناك ألعاب جادة ومتعمقة للغاية.

حين يلعب الأطفال، بالرغم من أنها مجرد تسلية، فإنهم يأخذون الأمر على محمل الجد. هذا مهم، ذلك مهم بالنسبة لهم الآن مثلما سيكون الحب مهما بعد عشر سنوات. أتذكر حين كنتُ صغيرا كان والديّ يقولان لي: «حسنا، لقد لعبت بما فيه الكفاية، يجب أن تستحم الآن». كنتُ أجد هذا في غاية الغباء، لأن الاستحمام كان بالنسبة لي أمرا سخيفا، ليست له أهمية مقارنة باللعب مع أصدقائي. الأدب مثل لعبة، لكنه لعبة تستحق أن يكرس الإنسان نفسه لها، يجب أن يفعل الإنسان كل شيء من أجلها».

«الحجلة.. لعبة القفز بين المربعات»، رواية ضخمة في حجمها وفي الكم الهائل من التقنيات السردية الجديدة الموظفة فيها. فهي لعبة سردية متكاملة وضع كورتاثار نفسه الخطة التي تساعد القارئ على قراءتها في مقدمة الرواية، بمثابة دليل للقارئ في أن يتّبع لنفسه مسارا حرا يصبح القارئ فيها، بحسب تعبير كورتاثار، ذلك القارئ الملهم والشريك في العملية الإبداعية.

يقول الكاتب والروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا عن هذه الرواية الشهيرة، مشيدا بشكلها الجديد وأصالتها في الوقت نفسه وما أحدثته من تأثير في الرواية العالمية: «في الستينيات، كنت ألتقي بكاتب رائع آخر، هو خوليو كورتاثار، حينما كان يكتب روايته الأشهر «الحجلة». وأتذكر المفاجأة الكبرى التي أصابتني عندما علمت أن كورتاثار كان يجلس كل صباح ليكتب «الحجلة» دون أن يعرف ما الذي سيحدث في القصة.

كان متحمسا، متحفزا للغاية، للجلوس أمام الآلة الكاتبة -لأنه كان يكتب على آلة كاتبة- دون أن يكون لديه أي شيء مُجهَّز على الإطلاق، ثم ينتظر هناك، أمام الورقة والمفاتيح، حضور الإلهام. وهكذا، كتب تلك الرواية الطموحة والمعقَّدة، التي كان لها تأثير كبير بين القراء والكتاب الشباب في لغتنا، حيث اكتشف العديد منهم في «الحجلة» الإمكانات غير العادية للشكل في الأدب». أمّا خوليو كورتاثار فقال عنها في إحدى رسائله: «انتهيت أخيرا من «لعبة الحجلة»، تلك الرواية الطويلة… إنها كتاب بلا نهاية (بالنظر إلى أن المرء يمكنه أن يظل يضيف إليها أجزاء جديدة حتى الممات) وأعتقد أنه أصبح علي أن أنفصل عنها بشكل كامل. سأعيد قراءتها وسأرسلها إلى ناشري. أما رأيي في هذا الكتاب، فبتواضعي المعتاد، إنه سيكون بمثابة «قنبلة ذرية» تهبط على الساحة الأدبية في أمريكا اللاتينية».

وضع الكاتب، في بداية الرواية، «جدولا لإرشاد القراء». أما القارئ فعندما يفتح هذه الرواية سيقرر بنفسه: أن لديه عددا من الكتب وسيقرر بأي طريقة سيقرؤها، وهل سيعيد قراءتها مرات ومرات. وليس عبثا أن يعترف خوليو غورتاثار بقوله: «تتجلى فكرتي الرئيسية، في أن كل قارئ يجب أن يقرر بطريقته الخاصة ماذا سيفعل، ذلك لأن القارئ هو ملهمي وشريكي».

يقول الكاتب في هذا الجدول: «يعد هذا الكتاب نوعا ما، عدة كتب، إلّا أنه قبل كل شيء عبارة عن كتابين. والقارئ يملك الحرية في اختيار واحدة من إمكانيتين: الأولى: هي قراءة الكتاب قراءة اعتيادية والانتهاء منه عند الفصل 56 وعند السطر الأخير والذي تشير فيه النجمات الثلاث إلى نهاية الفصل. وبعد ذلك يستطيع القارئ وبضمير مرتاح أن يترك جانبا كل ما يلي ذلك.

الكتاب الثاني تجب قراءته ابتداء من الفصل 73 بطريقة خاصة: في نهاية كل فصل يُشار في بين قوسين إلى الرقم التالي. وإذا حدث أي نسيان أو خطأ في التسلسل تكفي فقط العودة إلى الجدول».

 

كورتاثار.. قصص بين الحقيقة والخيال

 

وظف خوليو كورتاثار في كتاباته القصصية، على الخصوص، أسلوبا غير مألوف تختفي فيه كل الحدود بين عالم الحقيقة والخيال، إضافة إلى اشتغاله على الخلفية السيكولوجية لشخصياته بحيث اعتبره كثير من الكتاب في العالم نموذجا حيّا للواقعية السحرية التي أنجبها أدب أمريكا اللاتينية، ورغم كتاباته الروائية ظلت القصة القصيرة تحظى لديه بأهمية خاصة متمثلة في مجموعتيه «الأسلحة السرية» و«كل النيران النار» وغيرهما. من نماذجه المختارة:

 

 مقدمة لدليل ملء الساعة

فكّرْ في ما يلي: حين يهدونك ساعة إنما يقدمون لك جحيما صغيرا ومُنمّقا، سلسلة من الأزهار، سجنا من الهواء. لا يعطونك الساعة فقط. نتمنى لك طول العمر والسعادة وأن تدوم الساعة لأنها من النوع الجيد، ساعة سويسرية ذات مهلب من ياقوت. لا يهدونك فقط ذلك الحجّار الذي ستربطه في معصمك وتتجول به. يهدونك ـ لا يعلمون بذلك، الفظيع في الأمر هو أنهم لا يعلمون بذلك. قطعة هشة وغير مستقرة من ذاتك، شيئا تملكه لكنه ليس من جسمك، عليك أن تربطه إلى جسمك بحزام مثل ذراع يائسة معلقة بمعصمك. يهدونك الحاجة إلى ملئها كل يوم، يهدونك واجب ملئها حتى تكون دائما ساعة. يهدونك هاجس الانتباه لضبط الوقت في واجهات محلات بيع المجوهرات والساعات؛ في إعلان المذياع وفي خدمة الهاتف. يهدونك الخوف من فقدانها، الخوف من أن تُسرق منك أو تسقط على الأرض فتتكسر. يهدونك ماركة الساعة والتأكيد على أنها أحسن من الأخريات، يهدونك النزوع إلى مقارنة ساعتك بالساعات الأخرى. لا يهدونك ساعة، بل أنت الهديّة، يقدمونك هديّة في عيد ميلاد الساعة.

 

 

(ترجمة: سعيد بنعبد الواحد)

 

 

 حكاية بلا مغزى

كان ثمة رجل يبيع صرخات وكلمات، وكانت تجارته رابحة، رغم التقائه أناسًا كثيرين يساومون في السعر ويطلبون تخفيضًا. كان الرجل يقبل دومًا وهكذا تمكّن من بيع العديد من الصيحات إلى باعة متجولين وبعض التنهدات التي تشتريها سيدات من ذوات الأملاك وكلمات تصلح كهتافات وشعارات وعناوين وأفكار زائفة. أخيرًا عرف الرجل أن الوقت حان وطلب لقاء طاغية البلاد، الذي يشبه جميع زملائه، وقد استقبله محاطًا بالجنرالات والأمناء وفناجين القهوة، قال الرجل: جئت لأبيع لك كلماتك الأخيرة، إنها بالغة الأهمية لأنها لن تخرج منك قط بشكل طيب في حينها، وفي المقابل من الملائم لك أن تقولها ساعة الاحتضار القاسي، كي تشكّل بسهولة مصيرا تاريخيا وتذكاريا.

-ترجِمْ لي ما يقوله. أمر الطاغية مترجمه.

-إنّه يتحدّث بالأرجنتينية، فخامتكم.

-بالأرجنتينية؟! ولماذا لا أفهم شيئا؟!

-لقد فهمت جيّدا قال الرجل، أكرّر، إنني جئت لأبيع لك كلماتك الأخيرة.

وقف الطاغية على قدميه كما يحدث عادة في مثل هذه الظروف، وكاظما رعشة، أمر بإلقاء القبض على الرجل وحبسه في زنزانة خاصة دائما ما توجد في هذه الأجواء الحكومية. ما كنت سأبيعه لك هو ما ستودّ أن تقوله، فلا يوجد غش إذن، ولكن بما أنك لم تقبل الاتفاق وبما أنّك لن تتعلم مقدمًا تلك الكلمات، فحينما تحين اللحظة التي ستودّ فيها الكلمات أن تنبثق للمرة الأولى وبشكل طبيعي، فإنّك لن تتمكّن من النطق بها.

– لماذا لن أتمكن من النطق بها، إذا كانت ما يجب عليّ قوله؟ تساءل الطاغية وأمامه فنجان آخر من القهوة.
-لأنّ الخوف لن يسمح لك، قال الرجل بحزن: لأنّ حبلا سيكون حول عنقك ومرتديا قميصا ترتعش من الرعب والبرد، وسوف تصطكّ أسنانك ولن تستطيع أن تنطق بكلمة. الجلّاد والحضور، بينهم سيكون بعض هؤلاء السّادة، سينتظرون دقيقتين لياقة، لكن عندما يخرج من فمك فقط أنين متقطع جرّاء الشهقة وتضرع استغفارا (لأنّ هذا ستتمكّن من نطقه من دون جهد) سيفرغ صبرهم وسيقومون بشنقك.

أحاط الحاضرون بالطاغية وهم جدّ غاضبين وخصوصا الجنرالات وطلبوا منه إطلاق النار على الرجل في الحال. لكن الطاغية، وكان شاحبًا كالموت، طردهم بفظاظة واختلى بالرجل كي يشتري منه كلماته الأخيرة. في الوقت نفسه، فإن الجنرالات والأمناء، المذلّين تماما من هذه المعاملة، أعدّوا العدّة للانقلاب عليه وفي الصباح التالي قبضوا على الطاغية بينما كان يأكل عنبًا في استراحته المفضلة. وكي لا يتمكّن من نطق كلماته الأخيرة قاموا بقتله في الحال بإطلاق رصاصة عليه.

بعد ذلك شرعوا في البحث عن الرجل الذي كان قد اختفى من مقرّ الحكومة، وسرعان ما وجدوه، فقد كان يتمشّى في السوق بائعًا إعلانات للبهلوانات. وضعوه في سيارة الشرطة وحملوه إلى القلعة وقاموا بتعذيبه كي يكشف عن الكلمات التي كانت من الممكن أن تكون الأخيرة للطاغية. وبما أنّهم لم يحصلوا على أيّ اعتراف منه قاموا بقتله ركلاً.

الباعة الجائلون الذين كانوا قد اشتروا صرخات منه ظلوا يصرخون في الزوايا، إحدى تلك الصرخات صارت بعد ذلك كلمة سرٍّ للثورة المضادّة التي أنهت حكم الجنرالات والأمناء. البعض منهم، قبل أن يموت، فكّر مضطربًا أنّه في الحقيقة كلّ ذلك كان سلسلة خرقاء من الارتباكات وأنّ الكلمات والصرخات كانت في الواقع شيئا يمكن أن يباع ولكن لا يشترى، وإن كان يبدو ذلك عبثيا.

طال التحلّل الجميع، الطاغية والرجل والجنرالات والأمناء، لكنّ الصرخات ظلت تتردد بين الحين والآخر في الزوايا.

( ترجمة: عماد فؤاد)

الرابحون.. في البحث عن السعادة والحرية

 

 

تحكي «الرابحون»، وهي أولى روايات خوليو كورتاثار، قصة رحلة بحرية نظمتها بلدية مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية عن طريق جائزة يانصيب لمجموعة من المسافرين المنتمين إلى طبقات اجتماعية مختلفة على المستويين المادي والثقافي. هؤلاء الرابحون والمسافرون يواجهون في رحلتهم الغريبة حقيقة مثيرة تكمن في منعهم من الوصول إلى سطح السفينة الخلفي والأبواب المغلقة التي تحول دون الكشف عن سرها.

غموض هذا المكان سيدفع أحداث الرواية في اتّجاه آخر ورحلة أخرى ذات طابع نفسي واجتماعي وفلسفي، ستعكسه حوارات الشخصيات المختلفة في فضاء هذه السفينة المغلق كصورة أخرى لرحلة الإنسان في بحثه عن الحقيقة من جهة والسعادة والحرية من جهة أخرى: «كراسي «مقهى لندن» ليست مريحة أبدا، فهي تُرغم الأجسام على الاستناد بصورة فظيعة. كانت «كلوديا» قد تعبت من إعداد الحقائب. وفي اللحظة الأخيرة أدركت أنها في حاجة إلى كثير من الأمور فوجب على «بيرسيو» أن يذهب ليحضرها. والآن يمكنها أن تستريح تماما. منذ زمن طويل وهي بحاجة إلى الراحة. قالت مصحّحة وهي تلعب على الألفاظ: «منذ زمن طويل وأنا بحاجة إلى التعب لكي أستريح بعده!». لن يتأخّر بيرسيو في الظهور: لا بد أنه تذكّر في اللحظة الأخيرة أمرا ما يجب عليه أن يقفل دونه مفتاح غرفته الغامضة حيث يكدّس الكتب السرية والمخطوطات التي لن تُنشر أبدا. يا له من مسكين بيرسيو! هو من يحتاج إلى الراحة. إذا كان هناك من أحد يستحق الاستفادة من اليناصيب فهو بيرسيو، المصحح الدائم للنسخ عند كرافت، والمقيم في الأبنية الغامضة في الأحياء الغربية من المدينة، والمتنزّه الليلي في شوارع فلوريس. «سيستفيد أكثر مني من هذه الرحلة التافهة» قالت ذلك وهي تنظر إلى أظافرها، ثم أضافت: «مسكين بيرسيو!».

شربت قهوتها فأحست ببعض التحسّن. هكذا ستذهب في الرحلة مع ابنها متخذة صديقا قديما في طريقها. ستذهب لأنها ربحت هذه الجائزة ولأن هواء البحر سيكون مواتيا لِـ«خورخي» ولِـ«بريسيو». عادت تفكّر بهذه العبارات وكررت: «هكذا…». ثم جرعت جرعة من القهوة، فكّرت لحظة ثم عادت. لم يكن من السهل عليها أن تندمج بما يحدث لها، وبما سيحدث. بين الذهاب لمدة ثلاثة أشهر أو طوال الحياة ليس ثمة من فارق كبير. وما همّها؟ إنها ليست سعيدة، ولا تعيسة، هاتان الحالتان المتطرفتان هما اللتان تقاومان التغيير. سوف يواصل زوجها دفع أجر سكن خورخي في أيّ مكان في العالم.

… سيارة لينكولن سوداء، وبزّة سوداء وربطة عنق سوداء. والباقي غير واضح. ما يُرى من «دون غالو بورينيو» هو سائقه عريض المنكبين وكرسيّه المتحرك… توقف كثير من الناس لكي يروا السائق والممرضة يخرجان «دون غالو» من سيارته ويضعانه على الرصيف. ارتسمت على الوجوه علامات الشفقة ولم يخفّف منها إلا علامات الغنى الواضحة التي يمثلها هذا السيد المريض.

من ناحية أخرى، يشبه هذا السيد فرّوجا رقبته منتوفة الريش. وهو ينظر إليك بطريقة وقحة إلى درجة أنك سرعان ما ترغب في أن تنشده الأممية في وجهه مباشرة. قال مدران: لقد نسيتُ أن دون غالو من بين الرابحين. على كل حال، يجب توقّع ذلك. على سبيل المثال، ما كنتُ أعتقد أنه سيسافر في هذه الرحلة. إنّه أمر لا يصدّق، بكل بساطة. سألته نورا: هل تعرف هذا السيد؟

-من لا يعرف «دون غالو بورينيو» يستحق أن يُرجم في ساحة جميلة أرصفتها واسعة. في بداية عملي، اضطررتُ لممارسة مواهبي كطبيب أسنان في تلك المدينة التقدّمية. فأنا لا أعمل في بوينس آيرس إلا منذ خمس سنوات. وكان دون غالو من أولى الشخصيات الهامة التي عرفتها هناك.

قال ريستيلي: له هيئة رجل محترم. ما يبدو غريبا هو أنّه بعربة كهذه… تدخّل لوبيز قائلا: بعربة كهذه يستطيع أن يُلقي القبطان في البحر، وأن يتّخذ من السفينة منفضة سجائر له… وُضع دون غالو بعناء كبير قرب النافذة، ثم قُدّم له كأس من عصير البرتقال. انسحب السائق ليقف على الرصيف ويثرثر مع الممرضة. أخذ كرسي دون غالو المتحرك يزعج الجميع، الأمر الذي جلب الارتياح الشديد لمالكه. استغرب لوبيز ذلك قائلا: هذا غير ممكن، بصحة كهذه، وعلى الرغم من كل المال الذي يملكه، يقوم بهذه الرحلة، لمجرّد أنّها مجانية؟

 

 

متوجون

 جائزة مرفأ للشعر العربي

 

 

 

 

أعلنت «دار مرفأ للثقافة والنشر»، بمناسبة اليوم العالمي للشعر، عن نتائج الدورة الأولى لجائزة مرفأ للشعر العربي. وتعتبر هذه الجائزة مبادرة ثقافية تهدف إلى دعم التجارب الشعرية العربية المعاصرة، وفتح أفق جديد أمام الأصوات الجديدة والرّاسخة على حد سواء، بما يعزز حضور الشعر كأحد أهم أشكال التعبير الجمالي والفكري في العالم العربي.

وتسعى هذه الجائزة السنوية، أيضا، إلى تقديم شعراء عرب جُدد إلى المشهد الثقافي العربي، وتشجيع الإبداع الشعري باللغة العربية، والمساهمة في إثراء المكتبة العربية بأعمال شعرية متميزة، وبالتالي ضمان بقاء الشعر في متن المشهد الأدبي العربي، باعتباره وسيلةً تؤرِّخ لعلاقة الفرد بذاته ومحيطه، إضافةً إلى موقفه وموقعه من الأزمات والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة العربية.

ضمت لجنة التحكيم الشاعر والناقد العراقي كاظم جهاد، والشاعر اللبناني عباس بيضون، والشاعر المصري أحمد يماني، والناقدة من السعودية سماهر الضامن، والناقد المصري ممدوح فراج النابي، ومنسّق وسكرتارية الجائزة الشاعر والمترجم المصري أحمد زكريا.

وأسفرت الجائزة عن فوز الشاعرة العراقية رسل الموسوي بالمركز الأول عن ديوانها «يد تكتب نفسها بالممحاة»، والشاعرة الفلسطينية أحلام بشارات بالمركز الثاني عن ديوانها «بلاد لا يسأل فيها أحد عن الحبّ»، والشاعر المصري محمد حسني عليوة بالمركز الثالث عن ديوانه «الأزرق يعتلي مقصلة الضوء»، والشاعر المغربي عاطف معاوية بالمركز الرابع عن ديوانه «أدخّن الحبّ من شفتيك».

ووصف الناقد والمترجم العراقي كاظم جهاد الصبغة العامة المميّزة للأصوات الشعرية المساهمة في الجائزة، قائلا: «الأصوات المساهمة في المسابقة آتية من عدة أقطار عربية، ولأصحابها مشاربهم المختلفة التي تنعكس في تنوع اختياراتهم اللغوية والشكلية. وهذا التنوع هو بحد ذاته مكسب لأشعارهم وللشعر العربي بوجه عام.

يمكن الكلام هنا عن سمات جيلية، أي خاصة بالجيل نفسه، منها ارتباط شديد بالواقع ومحاولة جادة لاحتوائه بالغناء. أقصد الواقع العربي الخانق الممتلئ بعلامات الانسحاق والتعرض اليومي للغزو ومجابهة الموت في كل لحظة، حتّى إذا حصل ذلك عن مسافة. هذا يعني أن مبدعي المجموعات المتسابقة منغرسون في المصير الجمعي اليومي، وهو أمر لم يعد ممكنا الإفلات منه».

 

 إصدارات

 الإنسان الأداة

 الفلسفة أفقا للمقاومة

 

صدر، أخيرا، عن دار النشر إفريقيا الشرق، مؤلف فلسفي جديد بعنوان «الإنسان الأداة، الفلسفة أفقا للمقاومة: الفيلسوف، الحاكم الفقيه» للكاتب المغربي محمد بقوح.

نقرأ في ظهر الغلاف: «إن الفلسفة هنا، غير قابلة ولا قادرة لتكون وسيلة طيعة يكرس بها الآخر المهيمن بؤس الواقع السائد. نقصد، أن تُوظف كصوت إيديولوجي لسلطة الحاكم، بصفته المادية أو الرمزية، بل هي أداة وجدت في الأصل لتحرير الذات ومقاومة السلطة، عبر توجيه تلك العقول النيرة إلى ما فيه قوة الإنسان ومصلحة الفلسفة ذاتها. باعتماد طريقة تفكير نقدية، تمكنها من التعامل الفكري المختلف مع الغير، انطلاقا من موقف فلسفي محايث واقعي، قريب من عيش الإنسان البسيط. يجعلها تحتلّ به الموقع المضاد للسلطة الحاكمة المهيمنة، باعتبارها -أي السلطة- كائنا خفيا ضد العلم والمعرفة، حسب منظورنا. نقصد بها سلطة تكريس صنم التبعية وثقافة الفساد، وتعميق جراح التقليد الجذري بالأساس، سواء في مستواها المادي (الاقتصاد-الرأسمال) أو السياسي (الحاكم) أو الديني والرمزي (المجتمع-الفقيه)».

 

 ألم المعيار

 في نقد النظام المعياري

صدر كتاب «ألم المعيار، في نقد النظام المعياري، أسئلة المعياريات الاجتماعية والجنسية واللسانية والدينية» للكاتب المغربي رشيد أوترحوت. يقول الكاتب في مقدمة الكتاب: «في نقد النظام المعياري أن الاحتفاء بالنص المعياري والانشغال النظري بأسئلته العصية واستفهاماته المتوترة لا يستدعي الاكتفاء بمعاودة الإلحاح على قيمة المعايير المختلفة في بناء الأفراد وإخضاع الجماعات، بل يفترض الأمر كذلك تأسيس مهاد نظري مختلف ونسق تأويلي مغاير وتصور مرجعي ناظم لا يجعل الانزياح عن المعايير مجرد انحراف انطولوجي (مذموم) عن جادة المعيار الاجتماعي أو مجرد شطط أخلاقي يب أو محض (شذوذ) مشبوه أو ما يشبه نشازا أدبيا مركونا في هوامش الفاحشة اللسانية وقبح الملفوظ.

وإثر ذلك وجب اعتبار التفكير النقدي في الأنظمة المعيارية، ونقائضها الممكنة ممثلة في أشكال مختلفة من (اللا معياريات)، من زوايا مداخل علمية متعددة، من قبيل النص الثقافي الجامع الذي يكثف الدلالات الإبدالية الكبرى للمعيش المادي والرمزي للأفراد والجماعات واللغات والثقافات المختلفة.

إن كل انزياح عن النظام المعياري، كما نروم النظر إليه هنا، أنطولوجيا كاملة ومشروع تأسيسي يجترح بديلا أنطولوجيا مختلفا ويقترح، متوسلا بتعبيرات متعددة وتقنيات مختلفة ولغات ثرية، كونا اجتماعيا ورمزيا لا يعدم الأكوان القائمة ولا يهدمها هدما مجانيا، بقدر ما يمنحها إمكانية جديدة ضمن إمكاناتها الكامنة ويدفعها إلى تحقق مختلف لا يصير ممكنا إلا في سياق قائم على السخرية والاستهزاء والمحاكاة الضاحكة القالبة للقيم والتراتبيات».

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى