حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

لا مهرب من «الورق» إلا إليه

يونس جنوحي

 

البحث العلمي لا يختلف في شيء عن المشي داخل حقل من الألغام. لا أحد يرى اللافتة التحذيرية الشهيرة، لكن الجميع يعرفون أن الألغام توجد في كل مكان. والآن، انضاف إلى ألغام الأرض، ألغام أخرى سببها «الذكاء الاصطناعي». توفرت مواد توثيقية لم يكن لها أي وجود من قبل، وطُرحت للعموم، وصارت «بقوة الشيء المقضي به» مراجع قد يعتمدها أي باحث.

لا نتحدث هنا عن الصور فقط.. توفرت أيضا مقاطع فيديو لفترات تاريخية متباعدة، وأصحابها لا يُنبهون أحدا إلى أنها مواد صنعها الذكاء الاصطناعي تحت الطلب.

المشاهدات، الهمّ الوحيد للذين يضعون «وثائق» جديدة من هذا النوع، رهن إشارة العموم. والحاجة إلى لفت الانتباه جعلتهم يقدمون تسجيلات قديمة لزعماء عرب سابقين، ويطلبون من الذكاء الاصطناعي قراءة فقرات يكتبونها بأيديهم، بأصوات هؤلاء الزعماء. والنتيجة أن مقطعا صوتيا، للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، قد غزا المنصات العربية، بسبب محتواه الجريء وغير المسبوق، وإلى الآن هناك من يصدق أن التسجيل الصوتي يعود فعلا إلى جمال عبد الناصر، وأن عائلته «رفعت عنه السرية»!

قد نرى يوما وثائق من هذا النوع، تمس مصداقية المادة التاريخية المغربية. علما أنها تحت أنظار باحثين من مختلف الجنسيات. إذا بحثتم مثلا عن الدراسات التاريخية التي تهتم بالمغرب في الجامعات الجزائرية، فسوف تُفاجؤون بآلاف الدراسات البحثية التي توثق لفترة ما قبل الحماية الفرنسية، خلال السنوات الثلاثين الماضية.. والسؤال هنا يتركز حول المصادر التي اعتمدها هؤلاء الباحثون -خصوصا وأن جامعاتهم لا تمول رحلات علمية إلى المغرب، ولم يسبق أن بعثت فوجا من الطلاب للتنقيب في الأرشيف والمكتبات الرسمية المغربية- أثناء تحضير المادة التوثيقية.

أغلب الدراسات الجزائرية حول تاريخ المغرب، تهتم بفترة ما قبل ما بين 1834 و1912، أي الفترة التي تفصل بين احتلال الجزائر رسميا من طرف فرنسا، وتوقيعها معاهدة الحماية مع المغرب. ولأن البحث العلمي ليس منزلا، فإن أغلب هذه الدراسات تنحاز إلى طرح يصور المغرب على أنه بلاد مفككة، في حين كانت فيه الجزائر إيالة عثمانية. وهؤلاء الباحثون لم ينظروا إلى المراسلات بين الملوك المغاربة وقبائل الجزائر، ولا إلى ممثلي السلطة في وجدة، وتفرغوا لإنجاز خلاصات تصف حالة «التفكك» و«الانفلات» داخل المغرب، تمهيدا لاحتلاله! والآن، مع توفر هذه الوثائق المزيفة التي يمكن لأي هاو في استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي صناعتها، تحت الطلب، لا بد أن نقلق على مستقبل البحث العلمي في هذا البلد.

وفي الوقت الذي يصنع فيه الهواة مراجع جديدة تحت الطلب، بحسن نية وبسوء نية أيضا، فإن نخبة القائمين على البحث العلمي في المغرب لا تحسن التعامل مع التقنية، وبالكاد يستطيع أغلبها فتح تطبيق «الواتساب» على شاشة الحاسوب.. ولا يملكون أي تكوين في التعامل مع المحتوى المعروض أمامهم يوميا.

نخبة من الباحثين المغاربة لا تحسن التعامل مع منصات البحث، وهناك أطر عليا «يا حسرة» تلجأ إلى طلبتها الجدد، لكي يشرحوا لها طريقة التسجيل في منصة بحثية دولية.

الانتقال إلى الرقمنة، في غالب الوزارات المغربية، لا يزال مشوبا بالكثير من العيوب والمطبات. والذين يفترض أنهم في ريادة هذا الانتقال، لا يزالون يحنون إلى زمن الوثائق الإدارية و«الدمغة»، و«تصحيح الإمضاء»، و«مواصفات صاحب الكناش».. في حين أن البحث العلمي أصبح دوليا، ويكفي الانخراط في موقع «جامعة أريزونا» للاستفادة من خدمات مكتبة الجامعة، والتجول فيها، بل والمساهمة بمداخلة في اجتماعات الباحثين، دون الحاجة إلى ركوب الطائرة.

عندما بدأنا نسمع عن رقمنة الإجراءات في الإدارات المغربية، ومن بينها الجامعات، فوجئنا عندما وجدنا أن التسجيل عن بُعد، لا يتجاوز «رفع» الوثائق إلى المنصة الرقمية، وإحضارها بعد قبول الملف إلى الإدارة، لكي يقف المواطن في الطابور، ويُطلب منه تصوير نسخ عنها في المكتبة، ويطلب منه الموظف إرسالها إليه عبر «الواتساب»! لطبعها لاحقا.. نحن قوم لا نهرب من الورق، إلا لنعود إليه.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى