حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةتقاريرصحة

لفهم أفضل للكآبة 

 

■ خالص جلبي

زميلي الدكتور (عماد) يعرف كيف ينتقي قصصه، فقد حدثني عن رجل أصيب باكتئاب حاد، كاد أن يهلك من خلفه، بعد أن تركته زوجته، التي يحبها لحد العبادة.

قال عماد: لقد أصبح مثل المشرد في الشوارع، هائم على وجهه، لا يعرف مذاقا لطعام وشراب ونوم، فإذا دخل البيت هيجته الذكرى، وإذا وقع نظره على فرش البيت كاد أن يجن، كله بسبب حدة الذاكرة، التي تقطعه بأشد من حدة نصل الجراح..

قال لي لقد تحدثت معه في حل جذري، يخلصه من الذاكرة الكئيبة القاتلة، أن يغادر المكان بما حوى، بل والبلد الذي يعمل فيه، وهذا الذي حصل؛ فقد انتقل الرجل إلى دولة أخرى، وفعلا تحسن بعد فترة قصيرة..

قال زميلي عماد: كان حلا جذريا مريحا جدا، فقد تحسن مزاج الرجل، واعتدل وبدأ في تذوق أطايب الحياة.

ويعقب زميلي الدكتور عماد: إنها كلها كيمياء، فقد عولج بأدوية مناسبة، فانفك عنه البلاء، وتحسن، واعتدل مزاجه.

وفعلا فقد عرف الطب، عن بناء الدماغ والخلايا العصبية، ما مكنه من فهم معضلة الاكتئاب ما هو؟ وأين يحدث؟ وكيف يحدث؟

ومما عرف أن مكانه هو الخلايا العصبية، حين يضطرب تواصلها، فتقود إلى خلل خطير في مركب خماسي من: (التفكير) و(المزاج) و(الأحاسيس أو المشاعر والعواطف) و(التصرفات أو السلوك)، بل و(الخلل الفيزيائي) الصحي برمته، وهو من أخطر تظاهرات العصر، لا يكاد ينجو منه أحد، وأخطر تجلياته الميل للانتحار.

والخلية العصبية، كما يسعى حاليا (هنري ماركرام) من المعهد العالي في لوزان من سويسرا، إلى (تقليد) الخلايا العصبية وشبكها مع بعض، مقلدا حاليا أدمغة الجرذان، في استحداث عشرة آلاف خلية عصبية، هي (رقائق إلكترونية)، متصلة مع بعض في مائة مليون مكان، باعتبار أن كل خلية عصبية، لها عشرة آلاف ارتباط عصبي، فهكذا يعمل الدماغ متعاونا، وبهذه الهندسة الجبارة يقوم.

وهذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟

ومشروع (الدماغ الأزرق Blue ـ Brain – Project) يهدف إلى أن يصل إلى تركيب ما يشبه دماغ الجرذ، وهو في طريقه إلى أن يصل إلى تقليد تركيب الدماغ البشري، بمائة مليار خلية عصبية، متصلة ببعضها في عشرة تريليون بقعة اتصال،

ولكن مشاريع من هذا النوع، لن تزيد على خلق الذباب، الذي ضرب القرآن به مثلا، وإن يسلبهم الذباب شيئا، لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب؛ فهم يبنون ميكروشيبس ميت والخلية يتدفق فيها سر الحياة؟

وما يستوي الأحياء ولا الأموات..

وكل سحر الدماغ هو في فهم الكيمياء التي تتخلله، فالعلاقة بين النورنات، أي الخلايا العصبية، ليست شبكة من أسلاك الكهرباء، بل هي تفاعل معقد كهربي كيماوي، وهي لب التعقيد في فهم المادة العصبية، وسر عدم اندمال الأعصاب أثناء انقطاعها، على الرغم من خياطتها، في الوقت الذي تنجح خياطة الأوردة والشرايين..

واليوم يعرف علماء الأبحاث العصبية، أن كل خلية عصبية لها آلاف الاتصالات بزميلاتها، وفي نقطة الاتصال ينفرغ جيب (سينابس) بمواد كيماوية، فيحصل التفاهم بلغة سرية، مثل لغة الكلام، بأربعين حرفا، من أربعين تركيبا كيماويا، تمر عبر أقنية خاصة (أقنية الأيونات) تنفتح وتغلق مثل البوابات، فيتم ولوج مواد لغة التفاهم الكيماوي، مثل (النورايبينفرين) و(السيروتونين) من خلية لأختها، والتي يؤدي تدنيها عن المعدل، إلى عدم انفتاح أقنية الأيونات هذه، واضطراب تواصل الخلايا العصبية سوية، وإصابة المريض بالاكتئاب.

وهذا يعني أن معالجة هذه الحالة، برفع مستوى المادتين، أو تحريض مستقبلاتهما، كيماويا تعدل المزاج، وترشد السلوك، وتدخل الانشراح إلى المزاج.

إن معظم حالات الاكتئاب تتحرض نفسيا في بيئة مستعدة، من فقد عزيز، مثل أخ وأب وأم وزوج، فتنهار قبة السماء فوق رأس صاحبها، ويرى أن لا مبرر في الاستمرار بالحياة، والحياة تمضي ولا تأبه، وتتدفق أشكالا لا نهائية..

والاكتئاب ثلاثة أنواع: الحاد والمزمن والمتناوب (تناذر القطب الثنائي)، وكل حالة امتدت أكثر من سنتين وجب النظر إليها بجدية، لأن الاكتئاب يقتل مبرر الحياة، والحياة خلقت لتستمر وتتدفق، وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة؛ فهذه هي الحياة، كما قال الفيلسوف شوبنهاور: (إن الطبيعة تسحقنا كأفراد ولا تأبه ولا ترحم، بنفس القدر من العناد والتصميم في المحافظة على النوع).

وأذكر من موت صديق لي في الدمام، من مرض عاصف، فمات من سرطان في الشرج، كان يعالج خطأً على أنه بواسير نازفة مزمنة، في ثلاثة أسابيع.

قلت لزوجته يومها: إن الحياة مثل الطائرة، فقد خلى مقعده لاثنين، وهكذا فالحياة أخذته وزوجتي، ولكن الحياة عوضت عن مصرعه بطفلين، وزوجتي يأخذ مكانها اليوم اثنا عشر حفيدا كما في الآية، ولقد أرسلنا رسلا وجعلنا لهم أزواجا وذرية.

وهناك خمسة مؤشرات من أصل 13 عرضا للاكتئاب، يجب النظر إليها بكل جدية، مثل التعب والأرق والقلق والتفكير في الموت وفقد الرغبة في الحياة والانسحاب والشعور بالذنب، أو أنه لا قيمة له، وفقد الوزن وانعدام الشهية، وتدني الرغبة الجنسية.

ومنها ـ وهي خلاف المتوقع ـ دخوله في حالة انخفاض نفسي عارم، ثم خروجه منها بصفاء ذهني، ووضوح في الرؤية، فقد تكون علامة صحية، وقد تكون مؤشرا في اتخاذ قرار الانتحار، وهو الذي حصل مع شاب السلمية.

فقد حدثتني سيدة فاضلة عن شاب وقع في أيدي المخابرات السورية هناك، فدخل أقبية منكر ونكير، ليخرج منها في جلد السنجاب، مع شرود في الذهن مستمر، وعدم ذكر ما حدث بكلمة، حتى كانت تلك الليلة، التي قام بإجراء طقوس الموت، بجنب بئر ارتوازية، ثم ألقى بنفسه فيها، فمات غريقا محطما مختنقا، ولم يمكن انتشاله إلا بحفر بئر موازية أخرى لها.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى