
كل جيل يظن أنه لن يرى لاعبا يضاهي سابقه، ثم يأتي الزمن ليثبت أن بعض الظواهر لا تتكرر. ليونيل ميسي واحدة منها.
ظن كثيرون أن قصة الأسطورة الأرجنتينية انتهت بسعادة كأس العالم 2022، وأن السنوات الأخيرة ستكون مجرد وداع هادئ. لكنه عاد في مونديال 2026 ليقلب التوقعات رأسا على عقب. لم يعد يراوغ خمسة لاعبين، أو يركض كما في العشرينات، لكنه أصبح أكثر تأثيرا، وأقدر على قراءة التفاصيل، وأكثر براعة في قيادة فريق بأكمله نحو الهدف.
هذا هو الفرق الجوهري بين النجم والظاهرة: النجوم يبهتون مع الزمن، أما الظواهر فتتغير شكلها فقط وتزداد عمقا.
لم يعد ميسي الأسرع في الملعب، لكنه لا يزال الأسرع في اتخاذ القرار الصحيح. لم يعد الأكثر نشاطا، لكنه الأكثر تأثيرا. سرقت السنوات بعض السرعة من قدميه، وأهدته في المقابل رؤية أوسع وحكمة أعمق في اللحظات الحاسمة.
الأرجنتين لم تصل إلى نهائي كأس العالم، لأنها تمتلك أفضل اللاعبين في كل مركز، بل لأنها تمتلك قائدا يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يمرر، ومتى يحسم. قائد يرفع مستوى من حوله. وهذه هي أعظم صفة يمكن أن يمتلكها لاعب كرة قدم.
وهنا أول درس يجب أن يتأمله المنتخب المغربي بعمق.
كرة القدم الحديثة لم تعد تبحث عن المواهب الفردية فقط، بل عن الشخصيات القادرة على قيادة المجموعة في أصعب اللحظات. المنتخب الوطني يمتلك جيلا قد يكون الأفضل في تاريخه، لكنه يفتقر إلى ترسيخ ثقافة القيادة داخل الملعب. القيادة ليست شارة على الذراع، بل سلوك يومي وثقة تنتقل إلى الزملاء حين تشتد المباراة.
الدرس الثاني: رفض الاستسلام.
كم مرة قيل إن ميسي انتهى؟ كم مرة اتهم بالفشل لأنه لم يفز بكأس العالم؟ وكم مرة خسر نهائيات وتعرض لانتقادات حادة دفعته إلى التفكير في الاعتزال؟ بعد لقب 2022 كان بإمكانه أن يختار الراحة، لكنه اختار التحدي مرة أخرى. هذه العقلية هي التي تصنع الأبطال الحقيقيين.
المغرب اليوم في مرحلة مفصلية. بعد إنجاز 2022 وربع النهائي 2026، يصبح الخطر الأكبر هو الاكتفاء. التاريخ لا يخلد المنتخبات التي أبهرت مرة واحدة، بل تلك التي حافظت على حضورها بين الكبار لعقد كامل. النجاح الأصعب ليس الوصول إلى القمة، بل البقاء عليها.
الدرس الثالث: العمر ليس العدو الأكبر.
في كرة القدم، كما في الحياة، تستطيع الخبرة والذكاء التكتيكي والانضباط أن يعوضا كثيرا مما يأخذه الزمن. ميسي أثبت أن الاحترافية الحقيقية تطيل العمر الكروي في أعلى المستويات. هذا نموذج يجب أن تحتذي به الأجيال المغربية الصاعدة، لا في المهارة فحسب، بل في أسلوب الحياة والتطور المستمر.
قد لا يرى العالم لاعبا آخر مثل ليونيل ميسي، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الإعجاب به، بل في استلهام عقليته.. عقلية اللاعب الذي لا يكتفي بما أنجز، ولا يدع الهزيمة تعرفه، ولا يعتبر العمر مبررا للتراجع، بل دافعا لإعادة اكتشاف نفسه.





