حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

ما يعرفه «البابا» عن الجزائر

يونس جنوحي

 

البابا ليون الرابع عشر يزور الجزائر.. بلاغ الفاتيكان يقول إن الزيارة بدعوة من الحكومة الجزائرية، والهدف منها إحياء ذكرى القديس «أويليوس أوغسطينوس»، الذي يعتبره البابا الحالي للفاتيكان أبا روحيا له.

ليست هذه المرة الأولى التي سيزور فيها البابا ليون بلاد الجزائر، فقد سبق له أن حل في البلاد مرتين قبل أن يصل إلى منصب البابا.. وهذا يعني أنه يعرف جيدا خصوصية، ومدى حساسية ملف الرهبان في الجزائر.

يُراد للرحلة، أو الجولة الجزائرية، أن تبدو وكأنها سفر روحي للبابا مُقتفيا أثر القديس «أوغسطينوس»، ومسلطا الضوء على الآثار الرومانية التي توجد في عموم شمال إفريقيا.

لا بد أن المسؤولين في الجزائر يحسون بحرج كبير وهم يطالعون ملامح البابا ليون عن قرب. فالرجل يعرف ماضي السلطات الجزائرية، جيدا، مع سكان الدير ومن اختاروا حياة الرهبنة. فمأساة رهبان «تيبحرين»، التي راح ضحيتها سبعة رهبان سنة 1996، لا تزال تلقي بظلالها على ماضي «إرث الكنيسة» في المستعمرات الفرنسية سابقا. وهناك وقائع أخرى تعرض خلالها الرهبان لاعتداء وتفرق دمهم بين الأجهزة المتطاحنة وجبهة الإنقاذ، التي حاول الجيش جاهدا تعليق كل مآسي الجزائر عليها خلال العُشرية السوداء.

في الوقت الذي كان رهبان الجزائر يتحسسون رؤوسهم، كان رهبان «تومليلين» نواحي مدينة أزرو، في الأطلس المتوسط، يعيشون واحدة من أكثر قصص السِلم والتسامح الإنساني عمقا.

20 راهبا غادروا فرنسا بحرا سنة 1952 صوب المغرب، بنية «اللاعودة» نهائيا إلى فرنسا، واختاروا «تومليلين» ليقيموا ديرهم فوق أرضها.

كانوا يحملون معهم رسالة وحيدة من البابا «بيوس الثاني»، الذي اختار لهم «تومليلين» من بين وجهات أخرى، وودعهم وأوصاهم ألا يتدخلوا في السياسة، وأن يلزموا كنيستهم ويجسدوا روح طائفة «البينديكتين» التي ينتمون إليها. وكذلك كان.

لم يحدث أن تعرض هؤلاء الرهبان لأي مضايقات نهائيا في المغرب، بل إن المضايقات الوحيدة التي تعرضوا لها، في سنوات مقامهم الأولى، كان مصدرها الفرنسيون أنفسهم.

الإدارة الفرنسية لم تستوعب أن يصبح هؤلاء الرهبان من أنصار القضية المغربية، وأن يطالبوا بإطلاق سراح السجناء السياسيين في المغرب. غامروا بحياتهم، وواجهوا الحاكم العسكري الفرنسي في فاس وأصروا أن يقدموا الماء والطعام للسجناء المغاربة المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة في نواحي إفران.. ولم ينفع معهم تهديد الحكومة الفرنسية بترحيلهم.

رحلت فرنسا، وبقي الرهبان، وأصبحوا أصدقاء لأعيان المغرب ووطنييه وفقهائه أيضا.. بل إن الملك الراحل محمد الخامس، مباشرة بعد استقلال المغرب، أرسل للرهبان رسالة شكر على مساندتهم للقضية المغربية، وخص رئيسهم باستقبال في الرباط، وأرسل ولي العهد في زيارة خاصة إلى الدير، اعتُبرت تاريخية سنة 1956.

إلى حدود سنة 1970، كانت قصة هؤلاء الرهبان تثير فضول الباحثين في الشأن الديني. وجاء أمريكيان، هما «بيتر بيش» و«ويليام دونفي»، ليكتشفا قصة هذا الدير، بعد أن تعرفا على رئيسه عندما زار الولايات المتحدة لجمع التبرعات لـ«تومليلين»، بعد أن قطعت عليه فرنسا قنوات التمويل من «المُحسنين» الفرنسيين المتعاطفين مع الرهبان.

عندما وقعت مأساة الرهبان الفرنسيين في الجزائر، قبل ثلاثين سنة من اليوم، فر أغلبهم إلى المغرب، وفضلوا ألا يعودوا نهائيا إلى منطقة توتر لم يسبق نهائيا أن مارسوا فيها طقوسهم الدينية بالحرية المطلوبة.

البابا، الذي تحظى زيارته إلى الجزائر هذه الأيام باهتمام الصحافة الأوروبية، يعيد فتح «دُرج» من الذكريات الأليمة للكنيسة في الجزائر، ويؤمن أنصاره، أكثر من غيرهم، بأنه أعرف الناس بما عاشه الرهبان في تاريخ الجزائر «المستقلة» عن فرنسا.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى